(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)

10 أبريل 2018

مدخل
" لو أنّ حقائق الأشياء كما تبدو للعين المجردة لما كان هناك حاجةٌ للعلم"
قول مأثور

توقيع عقد لإ نشاء مطار الخرطوم الجديد
جاء في الأخبار في شهر مارس الماضي أن وزارة المالية السودانية قد وقعت عقدا مع شركة سوما التركية بقيمة مليار ومائة وخمسين مليون دولار أمريكي لأقامة مشروع مطار الخرطوم الدولي الجديد بنطام تعاقدي يعرف ب ال (بُوت) (BOT). وقد ظهر وزير المالية الركابي في مقاطع فديو منشور على يوتيوب وبجواره وزير الاستثمار مبارك المهدي واخرون وهو يذيع على الملأ هذا الخبر الهام.

وقد ورد نفس الخبر في موقع "عربي 21": ( وقعت الحكومة السودانية، الخميس، اتفاقية مع شركة "سوما" التركية لتشييد مطار الخرطوم الجديد عن طريق نظام "البوت" (B.O.T)، بقيمة تجاوزت أكثر من مليار دولار. جاء ذلك في بيان صادر عن وزارة المالية السودانية. وأوضح البيان أن المرحلة الأولى من المشروع تبلغ تكلفتها 800 مليون دولار، فيما تصل القيمة الإجمالية إلى 1.150 مليار دولار. ووقع نيابة عن حكومة السودان وزير المالية، محمد عثمان الركابي، فيما وقع عن "سوما" التركية سليم بورا، رئيس مجلس إدارة الشركة، بحضور نائب وزير الاقتصاد التركي فاتح متين، وسفير أنقرة بالخرطوم عرفان نذير أوغلو. وعقب مراسم التوقيع، قال الركابي إن "الاتفاقية تمثل منطلقا جديدا في مجال الاستثمار وتنفيذ مشاريع البنية الأساسية في السودان". واعتبر أن الاتفاقية تتماشى مع سياسات الدولة الرامية لإتاحة الفرص للقطاع الخاص الأجنبي والمحلي للاستثمار بطرق حديثة، ومنها نظام "البوت" (آلية تمويلية لإنشاء البنى الأساسية بعيدا عن موارد الدولة). وأشار الركابي إلى أن بلاده وضعت الهدف النهائي من الاتفاق "إنشاء مطار عالمي" يليق بالسودان، ويساهم في دفع عجلة الاقتصاد. ولفت إلى أن دخول الشركات التركية في الاستثمار المباشر في مشاريع البنية الأساسية سيشجع العديد من الشركات الدولية على الدخول في استثمارات مشابهة. وكشف الركابي عن تفاوض مع الخطوط الجوية التركية لإنشاء شراكة مع الخطوط السودانية. من جانبه، أوضح نائب وزير الاقتصاد التركي أن "شركة سوما نجحت في أعمال الإنشاءات في 15 دولة، منها 11 في أفريقيا".وأعلن متين عن زيارة سيقوم بها للسودان في أيار/ مايو المقبل، سيرافقه فيها عدد كبير من الشركات في مجال التعدين والثروة الحيوانية والزراعة. وأكد عزم بلاده رفع التبادل التجاري مع الخرطوم إلى 30 مليار دولار.وأشار متين إلى عودة الخطوط التركية لعملها في السودان، مؤخرا، عبر رحلاتها من تركيا إلى مدينة بورتسودان (شمال شرق)، وفق بيان وزارة المالية.

من جهته، قال رئيس مجلس إدارة "سوما" إن "الشركة لها خبرة 30 عاما في مجال البنيات التحتية بأعلى جودة في كل الدول".واعتبر بورا أن "الخرطوم من المواقع الاستراتيجية في العالم"، حسب البيان ذاته.)) انتهى الاقتباس

وقد جاء أيضا على صفحة باج.نيوز الإلكترونية: ((وقعت وزارة المالية على مذكرة تفاهم سرية مع شركة (سوما) التركية بموجبها منحت الوزارة مطار الخرطوم الجديد للشركة بغرض تشغيله بنظام البوت) على أن تسترد الشركة تكلفتها خلال( 30) عاما وقالت صحيفة مصادر الصادرة اليوم ( الخميس) إن الاستفادة من موارد المطار الحالي سيكون لصالح الشركة التركية لمدة( 30) عاماً أيضاً. وأوضحت الصحيفة أنه بناءاً على المذكرة ستفرض الشركة 51 دولاراً على كل تذكرة سفر داخلية أو خارجية شريطة أن يتحملها المواطن. واعتبرت هيئة الطيران والهيئة الفرعية لعمال شركات مطار السودان القابضة الاتفاق تجفيف لموارد المطار وموارد المطارات الولائية الأخرى. وقالت أن ما تم يمثل اهدار للمال العام، بخلاف كوهه (sic) يضعف حركة الملاحة الجوية.) انتهى الاقتباس

أين المنافسين يا برلمان؟
تم كل هذا (فيمايبدو) دون طرح عطاء عالمي كما ينبغي أن يكون عليه الحال في مثل هذه المشاريع القومية الكبيرة ودون تأهيل للشركة المعنية لمعرقة وتقييم مقدراتها الفنية والمالية ودون تقرير مستقل من بيت خبرة عالمي مؤهل مستقل يقوم بتقدير قيمة المشروع الكلية ويأمِّن على أن التصميم المعني يفي بحاجة البلاد ويناسب العدد المتوقع من المسافرين في العشرين عاما القادمة ويكلف ما يكلف من المبلغ المعني. أضف الى ذلك أن كل ذلك حدث من دون منافسة. فلا يوجد منافس يمكن أن تعقد بينه وبين الفائز بالعطاء الملياري مقارنة!

وقد ورد على قناة يوتيوب في مقطع فديو أن أحد أعضاء البرلمان السوداني قد وجه اسئلة مكتوبة الى وزير المالية مستفسرا عن العملية التعاقدية وكيف تم إرساء العطاء على الشركة التركية وما هي الخبرات التي تتمتع بها هذه الشركة دون غيرها وأين هي توصيات اللجنة الفنية التي أشرقت على عملية العطاءات والفرز الخ. أسئلة في مجملها مشروعة فيما نرى وبادرة طيِّبة في أن في البرلمان السوداني الذي وصفه الواصفون بشتى المناقص أناسٌ يعون دورهم الرقابي ومسئوليتهم الأخلاقية نحو مراقبة أداء الجهاز التنفيذي للحكومة وتقيده بصحيح الإجراءات في كل مناحي عمله وخاصة فيما يخص تعاقدات المشاريع المليارية القومية الكبيرة. وقد تناول الأستاذ الطاهر ساتي هذا الأمر بالنقد في أكثر من مقال في شهر مارس الماضي دلالة أخرى على أن في صحافتنا نفرٌ حر لم تصب أقلامهم عِلّة رغم التقييد والتهديد والوعيد والمصادرات للصحف التي يكتبون فيها وملاحقة الصحافيين.


خلفية تاريخية مختصرة
مطار الخرطوم الدولي الجديد ظهر كمشروع قومي كبير يبتغي التنفيذ في أولويات المشاريع الاستراتيحية للدولة قبل ما يقارب الخمسين عاما. وظهرت مخططات العاصمة القومية في السبعينات من القرن الماضي وهي تحمل موقعا للمطار الدولي الجديد في منطقة الحاج يوسف في شمال شرق الخرطوم بحري جوار منطقة مشروع السليت الزراعي. وقد تمت دراسات لكل المواقع المحتملة وقتها حول العاصمة المثلثة تصدرها موقع الحاج يوسف كأنسب موقع للمطار الجديد لعدة اسباب فنية وغيرها. وتم تخصيص الأرض في الحاج يوسف لهذا المشروع القومي الهام بمساحة شاسعة تقدر بعشرات الكيلومترات المربعة وتسويرها وإقامة بيوت الحراسة على اركانها الأربعة. وظهرت رسومات الموقع وعليها اسم الشركة الايطالية (MEFIT) التي شاركت وقتها في الدراسة الأولى فيما يبدو. وبعدها أخرجت الحكومة الحالية كتيبا في حوالي عام 2001 بعنوان (Khartoum New International Airport (KNIA) Project Compendium ) ممهورا يتوقيع مسؤولين رفيعين وقتها هما د. شمبول عدلان ود. تاج السر مصطفى شغل الأول منصب وزير الطيران وقتها. وقامت إدارة الطيران المدني بدعوة الشركات العالمية لتقديم مقترحاتها لبناء مشروع مطار الخرطوم الجديد في موقع الحاج يوسف تحت موجهات تمويلية محددة وقيمة تقديرية كلية للمشروع حوالي مائتان وستين مليون دولار أمريكي (USD260M). وقد كانت تقديرات تلك الدراسة أن عدد ركاب السفريات العالمية المتوقع حتى عام 2030 في حدود ثمانية مليون مسافر (8M PAX) وأقل من نصف هذا العدد للسفريات الداخلية. هذا رقم متواضع جدا مقارنة بمطارات العالم التي يصرف في بنائها ما يفوق المليار دولار. وبعدها بقليل بدأ الحديث عن الحاجة لموقع جديد للمطار - هكذا دون مبرر (فيما نرى) حتى انتهى الأمر بتحويل الموقع لغرب جبل أولياء قي حواالي عام 2005م. فماذا حدث ليلغي دراسة الشركة الايطالية واختيارها للموقع القديم من أرض الحاج يوسف (السليت) بمساحتها الشاسعة وهي أرض حكومية تم حجزها خصيصا لهذا الأمر؟ سؤال لا نملك له أجابة لكنه سؤال أساسي يبتغي الإجابة من المسئولين طال الزمن أم قصر. ثم يتبع ذلك سؤال آخر هو ماذا حدث للأرض التي خصصت للمطار الجديد في السليت ولأي غرض قومي آخر تم تخصيصها؟

(بُوت) (BOT)
ال (بُوت) هو تعبير مختصر من الأحرف الاولى(BOT) لعبارة (Build Operate & Transfer) وهو وصفٌ لنظام تعاقدي لمشروعات البنية التحتية الكبرى مثل الطرق الولائية السريعة وخطوط السكك الحديدية ومشاريع توليد الكهرياء والموانئ والمطارات وما الى ذلك. ويعني اختصارا التمويل والبناء والتشغيل لفترة محددة (تتراوح بين عشرة الى ثلاثين سنة في العادة) وتحويل إدارة المشروع بعدها للمالك بعد أن يستوفي الممول المتعاقد كل حقوقه في الفترة المحددة. ولعل الأشارة الى هذا النظام التعاقدي ب (فَبُوت) (FBOT) هي أقرب الى المعنى الحقيقي له لأنه بشمل التمويل: "تمويل + بناء + تشغيل و تسليم". وهناك عدة صور تعاقدية أخرى مشابهة تُعنى بمشاركة (القطاع الخاص) في مشروعات البنية التحتية والتي هي عادة من عمل الحكومات. ولهذه الصور اسماء مختصرة مثل (PPP): (Public Private Partnership) و (PFI): (Private Finance Initiative ) وهناك نوع آخر من أنواع ال(بٌووت) بواو إضافية إن شئت يقوم فيه الممول بامتلاك المنشأة بعد بنائها وتشغيلها أثناء فترة التمليك هذه ثم إعادتها للمالك ويعرف هذا النوع ب (BOOT): (Build Own Operate & Transfer .

وفائدة كل هذه الأنواع من التعاقدات هو أنها توفِّر التمويل اللازم للمشروع مستصحبةً معها خبرات (القطاع الخاص) في التمويل والتصميم والتنفيذ والتشغيل والإدراة الفنبة والتجارية- وجُلّ هذه أمور لم يُعرف عن الحكومات أنها تتفوق فيها على (القطاع الخاص) إلا في ما ندر. ثم أن الدخول في مثل هذا النوع من التعاقدات يمكِّن الدولة من إدخال المشروع المعني في دورة الاقتصاد أبدر من ما كان سيكون ممكنا لو اعتمدت على مواردها الذاتية والتي لا تكفي في العادة لتمويل كل المشروعات التنموية. فهل ال(بُوت) بهذا التعريف المختصر هو الوصفة السحرية للدول النامية لتمويل وتحقيق المشروعات الوطنية الكبرى؟ وما هي الضوابط التعاقدية والقانونية التي تصاحبه في العادة؟ سؤال سنحاول الإجابة عليه في هذا المقال من واقع خبرات عملية لنا في هذا المجال من خلال العمل في مشروعات البنية التحتية الكبرى في أوربا والشرق الأقصي والأوسط.

مسائل تعاقدية وقانونية
الدخول في اتفاقية على نظام ال(بُوت) ملئٌ بتعقيدات تعاقدية وقانونية كبيرة يصعب على غير أهل الاختصاص سبر غورها وحماية الدولة صاحبة المشروع من عواقب التعامل معها هوناً. وقد أوردتُ في الحاشية لهذا المقال إشارة لمصدر يحتوي على قائمة مختصرة من موقع مجموعة البنك الدولي عن رؤوس الموضوعات التي تجب معالجتها بوضوح تام وبمهنية عالية وحسمها في اتفاقية دولية (قبل) بداية المشروع – نكرر قيل بداية المشروع وليس لاحقا. (أنظر أدناه https://ppp.worldbank.org/public-private-partnership/sites/ppp.worldbank.org/files/ppp_testdumb/documents/airport_botconcession_agreements_legalregulatory_checklist_en.docx)) والقائمة المعنية طويلة بعض الشئ لايسمج الحيز المتوفر لمقال في صحيفة إلكترونية سيارة من ترجمة كل بنودها. بيد أنّ هناك أمور أساسية لابد من الانتياه لها نحصرها في الآتي:

1. أهمية تعيين بيوت خبرة (عالمية) لها خبرات مشهودة في تصميم المطارات يتم اختيارها في عطاءات صحيحة الإجراءات للقيام بتصميم المطار أولا بما يتماشى مع موجهات التصميم التي يراعى فيها تطلعات السودان المستقبلية وتطورات قطاع الطيران المتوقعة في العشرين أو حتى الثلاثين عاما القادمة (حتى 2040م) . وأن لا يترك أمر التصميم للأتراك أو أي ممول آخر فلهم في الأمر تعارض مصالح واضح لكونهم كلما اختصروا في التصميم ومواصفات المشروع (الفنيّة) كلما وفّرروا في تكلقة البناء ليعود الوفر الي خزينتهم بينما يدفع البلد القيمة المليارية الكلية للمشروع . وهذا إن سمحت له السلطات أن يحدث سيكون غِشاً بل وسرقة للمال العام في رابعة النهار. أما التصميم الحالي للمطار الذي يُبث على قناة يوتيوب على خلقية موسيقية حالمة فهذا لا قيمة له فيما نرى (وسنفصل في ذلك في مقال لا حق اذا كانت هناك ضرورة)

2. تقدير تكلفة بناء المشروع بواسطة بيت الخبرة العالمي المشار اليه أعلاه وتحديد المرحلة الأولى في التصميم والتي ستشمل كحد أدنى: مدرج الهبوط (Runway) وملحقاته (ِAprons & Taxiways) برج المراقبة (Control Tower ) ومبنى البضائع (Cargo Terminal ) ومبنى الركاب (Processing Terminal ) شاملا بكل ما من شأنه أن يجعل من تجربة الوصول والخروج من مطارنا الجديد تجربة عصرية تستر حالنا بين الأمم التي صرنا مجالا للتندر عندهم. ثم لابد من انجاز كل ما يتعلق بالبنية التحتية الضرورية للمطار من طرق ومجاري التصريف ومعالجة المياه ومحطات الكهرباء والمياه والمطافئ والإرصاد الخاصة بالمطار مضافا اليها ترتيبات المراحل المستقبلية (Passive Provisions ) والتي يتم بناءها على مراحل حسب الحاجة الناتجة من زيادة عدد الركاب وبضائع النقل الجوي.
كما لابد أن يراعى الابتعاد من أوجه الصرف غير الملحة وغير الضرورية مثل المبنى الرئاسي والمسجد الفخيم ومبنى الحج والعمرة. فلا مانع بالطبع أن يخصص مكان للصلاة في المطار كما هو الحال في مطارات العالم حيث تخصص غرقة كبيرة مجهزة لذات الغرض. وفي بعض المطارات تسمى هذه الغرقة (Contemplation Room) وتعني (غرفة العبادة) الترجمة من عندي وهي مفتوحة لكل من أراد أن يؤدي شعائره الدينية مسلما كان أو يهوديا أو مسيحيا أو غيره – لا فرق فالعالم يحترم من يحترم ديانات الناس دون تفرقة.

3. تعيين بيت خبرة قانوني عالمي ذو خبرات معتبرة في مجال ال (BOT) و (PPP) لإعداد الانقافية الرئيسية (Concession Agreement) بين الحكومة السودانية والممول والإشراف على مناقشة بنودها الرئيسية كاملة يما يشمل كحد أدنى: (1) الإطار القانوني للإتفاقية ومدتها الزمنية؛ (2) واجبات الممول؛ (3) واجبات الدولة؛ (4) قائمة التكليف وما يشمله تعاقديا؛ (5) العاملين بالمطار وكيفية التعامل معهم؛ (6) المشتروات ؛ (7) أي أمور إجرائية تتعلق بالمطار؛ (8) الدخل ومصادره؛ (9) الأرض وحدود التفويض ونوعه في الأرض التي يقام عليها المشروع وما يشمله تحديدا؛ (10) الفشل في اكمال المشروع وكيقية التعامل معه عند حدوثه؛ (11) التأمين؛ (12) إنهاء الإتفاقية عند الفشل والشروط الجزائية؛ (13) ضمانات الممول من الشركة القابضة (الأُم) أو ما يعرف ب (Parent Company Guarantee) وهذا شرط هام للغاية يقطع الطريق على الشركات الضعيفةالتي بتم تكوينها خصيصا للمشروع معتمدة على سمعة شركة كبيرة ووزنها المالي (لكنها ذات مسئولية محدودة) وعند الفشل تتنصل منها الشركة الأم تاركة أصحاب المشروع يقبضون الريح؛ (14) ضمانات الممول؛ (15) البرنامح الإنشائي للمشروع وما يترتب عليه من تعويضات نقدية مقدرة(Liquidated & Ascertained Damages) ؛ (16) التشغيل للعمالة المحلية الفنية؛ (17) التشغيل للعمالة غير الفنية؛ (18) التدريب أثناء البناء للمهندسين و الفنيين السودانيين؛ (19) التدريب أثناء قترة التشغيل ونقل الخبرات؛ و (20) أي أمور أخرى ذات صلة.

4. تعريف دقيق لمصادر الدخل التي تُستخدم لجمع المبلغ المطلوب (Revenue) طوال السنوات الثلاتين من عمر التعاقد وماهي هذه المصادر التي يمكن للممول أن يجمع منها مالا وكيفية جمع هذا المال. هذا أمر في غاية الأهمية لكون ريع المطارات التي ليس بها عدد ركاب كبير لا يغطي التكلفة في الغالب. و هناك دراسات لأحدى منظمات البنك الدولي تقول بأن 70% من مشاريع ال (بُوت) للمطارات هي مشاريع خاسرة ماليا. وبالتالي يلجأ الممول الحصيف (الذي يعي هذا الأمر تماما قبل الدخول في المشرةع) لوضع يده على مصادر دخل أخرى ليس للهيئة المعنية بالمطار خبرات أو معرفة بطرق إدارتها (مثل عقودات تعدين أو بترول أو غاز أو عقودات زراعية) فيتحول الأمر في يد المستثمر الفالح الى فتح رباني بمصادر دخل أُخرى تفتح نافذة مقنقعة لسرقة خيرات البلاد دون رقيب. وللعلم فالشركة التركية صاحبة الامتياز هذه هي في الأصل شركة تعدين جعلت لنفسها قسما للبناء والتشييد منذ عام 2010 كما تقول سيرتها المنشورة في ويكيبيديا الموسوعة الحرة. (https://en.wikipedia.org/wiki/Soma_K%C3%B6m%C3%BCr_%C4%B0%C5%9Fletmeleri_A.%C5%9E.) وهناك أيضا ما راج عنها مؤخرا - منشورا في الاسفير ايضا - عن كارثة في التعدين في عام 2014 حيث فقد 300 شخص حياتهم في حريق شب في أحد مناجم الشركة في تركيا) .ttps://en.wikipedia.org/wiki/Soma_mine_disaster)

5. أن تتأكد الإدارة المسئولة عن انشاء المطار الجديد من وجود خبرات عالمية معتبرة في مجلس إدارتها يوكل اليها أمر مراقبة وادارة المشروع. وهذه الخبرات لا توجد محليا (رغم كثرة أحرف الأستاذية التي تزيّن أسماء بعض المسئولين). فلا مناص من الذهاب لسوق الخبرات العالمي للحصول علي خبراء شاركوا في تصميم وبناء مطارات عالمية كما تفعل دول كثيرة في البلاد النامية. ففي هونق كونق مثلا تكونت إدارة شركة انشاء المطار الجديد في التسعينات من مجموعة من الخبراء تم جلبهم من مختلف بقاع العالم من المملكة المتحدة وأوربا وأمريكا وغيرها. وكذلك فعلت ماليزيا وحتى سنغافورة والتي تعد في مصاف دول العالم الأول اعتمدت على خبراء من استراليا ومن أوربا أيضا. والذين عملوا في دول الخليج العربي من الزملاء المهندسين ربما شاهدوا حجم الخبرات الأجنبية المجلوبة لبناء مطارات هذه الدول. فهذه الشعوب كلها ليسوا أغبياء.

مسئولية البرلمان
أخطاء الاجراءات التعاقدية وعدم التنافس وانعدام الشفافية مع تهاون اجهزة الرقابة يقود الى الفساد الاداري والمالي وما يترتب على ذلك من تلاعب في المواصفات( الفنيّة) للمشاريع القومية الكبيرة. ويقود الأخير الى أرقام مزيفة للتكلفة الحقيقة لهذه المشاريع وربما الفشل التام للمشروع. واحيانا يتم التغول على موارد البلاد الأخرى بدعوى ارجاع أموال المستثمرين. ففي صفقة مثل هذه تحصل الشركة المختارة على ما لا تستحق. وفي انعدام التنافس يقبع خطر آخر هو عدم وجود معيار لقياس مقدرات الشركة الفنية والمالية بالمقارنة مع المنافسين المغيبين ولا يوجد معيار لمعرفة السعر الحقيقي للمشروع. باختصار فإن السماح بمثل هذا النوع من الترتيبات التعاقدية المستعجلة والتي تدوس على صحيح الإجراءات و تلغيها عمليا يماثل كتابة شيك على بياض للمستثمر.

وعليه تقع على عاتق البرلمان السوداني كجهاز رقابي مسئولية إجبار المسئولين في الجهاز التنفيذي على فتح باب العطاءات للتنافس الحر بشفافية تامة بما يحقق للدولة أفضل الطرق لاختيار الأفضل من بين المتنافسين بل والحصول على أفضل سعر وأوفى شروط للمشروع بدلاً من نهج "أخنق فطِّس" الذي درج علية المسؤولون. تأتي بعد ذلك مسألة الإدارة الفنية للمشروع والتي تتطلب وجود الخبرات المؤهلة والرقابة الصارمة من خلال مجلس إدارة مستقل يراقيه البرلمان أيضا حتى نجاح المشروع. وهذا الأمر ينطبق ليس على مشروع المطار وحده بل يشمل كلّ المشاريع القومية من مشاريع تعدين ومشاريع زراعية وعقودات التنقيب عن البترول والغاز بشتى أنواعها.

وختاما قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) الأحزاب / 72 .

الحواشي:
------------------------
1. *الكاتب: مهندس مدني عضو معهد المهندسين المدنيين(Institution of Civil Engineers ) ومعهد التحكيم الدولي (Chartered Institute of Arbitrators ) و أكاديمية الخبراء (The Academy of Experts ) في لندن ويشغل حاليا منصب الرئيس التنفيذي (CEO) لشركة خبراء تعمل في مجال مشاريع البنية التحتية في الشرق الأقصى.

2. ))مرحلة العبث ..!! – (منقول من صفحة أ. الطاهر ساتي في فيسبوك بتاريخ 03 أبريل 2018)
الطاهر ساتي
:: عبد الرحمن ضرار، وزير الدولة بالمالية.. قبل ثلاث سنوات تقريباً، كان قادماً من الصين حين عقد مؤتمراً صحفياً بمطار الخرطوم، ليصف زيارته بالناجحة، مُعلناً استئناف العمل بمطار الخرطوم الدولى الجديد (قريبا)، وموضحاَ عن حصول السودان على قرض تفضيلى من بنك الاستيراد والتصدير الصينى بمبلغ ( 700 مليون دولار)، واصفاً هذا القرض بأنه أكبر قرض يتم التوقيع عليه لتمويل (مشروع واحد)، ثم قال بالنص : (بهذا المبلغ يمكن تنفيذ مطار الخرطوم بصورة ممتازة)، ثم تغزل في الصين وقرضها حتى ذهب بنا الظن بان المبلغ ليس قرضاً، ربما ( صدقة)..!!

:: وبصحف الأمس، وزير الدولة بالمالية أيضاً، أي عبد الرحمن ضرار ذاته، هو من دافع عن عقد تنفيذ مطار الخرطوم وعرض الشركة التركية..إذ يقول سيادته - وكأن الناس بلا ذاكرة و الاعلام بلا إرشيف - أن هناك عروض أخرى لتشييد مطار الخرطوم غير عرض الشركة التركية، ولكن ما يميّز عرض الشركة التركية أنه ب (نظام البوت)، أي تشغيله لاستعادة تكلفة التشييد، ومن ثم إعادته للدولة.. أوهكذا يمدح وزير الدولة بالمالية (العقد التركي)، متناسياً المدح السابق للعقد الصيني ..اكتفى بمدح العقد التركي، ولم يتحدث عما حدث للعقد الصيني ..!!

:: ولكن الأدهى والأغرب في حديث الوزير ضرار هو أن هناك عروض أخرى - لم يفصح عنها - غير العرض التركي، ليبقى السؤال : متى و أين وكيف تم طرح عطاء هذا المشروع؟، وما الجهة التي طرحت العطاء؟، وما هي العروض المنافسة للعرض التركي؟.. فالشاهد أن المتحدث عن العروض أو الموقع على العقود هما فقط وزير المالية و وزير الدولة بالمالية، فاين أجهزة الدولة الأخرى التي تشارك - بنص القانون واللوائح - في لجان العطاء و اللجان الفنية؟، ولماذا يُغيّب وزير المالية و وزير الدولة بالمالية الأجهزة والسلطات الأخرى في تنفيذ هذا المشروع الذي تتجاوز تكلفته المليار دولار حسب العقد التركي ..؟؟

:: فالإجابة - للأسف - هي أن وزارة المالية لم تُشكل لجنة عطاء لهذا المشروع، و كذلك لم تطرح المشروع في عطاء بحيث يكون المتقدم بأفضل العروض ضينياً أو تركياً.. أي كما تم إستجلاب القرض الصيني - الممدوح سابقاً - بعشوائية وبعيداَ عن مؤسسية الدولة وقوانينها ولوائحها، فقد تم إستجلاب البوت التركي - الممدوح حالياً - بذات العشوائية وبغير علم مؤسسات الدولة وقوانينها ولوائحها.. وكان طبيعياً أن ترفض اللجان القانونية والفنية هذه العشوائية التي يشرف عليها (الركابي وضرار)، أفشل وزيرين في تاريخ وزارة المالية..!!

:: وعندما حاصرته الصحف، قال ضرار : ( مراحل النقاش حول العقد التركي ما تزال مفتوحة ، وأن الاتفاقية ستعرض على مجلس الوزراء والبرلمان لمزيد من النقاش)، وهذا مَخدّر مراد به تخدير الصحف بحيث تسكت عن الحديث في أمر هذا (العقد المريب).. النقاش حول العقد كان يجب أن يكون قبل التوقيع عليه ، وليس بعده ..ثم لماذا تعرض وزارة المالية العرض التركي فقط على البرلمان ومجلس وزراء؟، أي ماذا عن العروض الأخرى والمعترف بها (أخيراً)؟.. لو كان البرلمان يراقب الجهاز التنفيذي بضمير يقظ لغادر الركابي وضرار وزارة المالية قبل التشكيل الوزاري المرتقب، لقد تجاوز نهجهما مرحلة الفشل إلى مرحلة العبث ..!!))

3. https://ppp.worldbank.org/public-private-partnership/sites/ppp.worldbank.org/files/ppp_testdumb/documents/airport_botconcession_agreements_legalregulatory_checklist_en.docx))