لدى انتهاء فترة عملها الدبلوماسى سفيرة للملكة المتحدة فى الخرطوم (2007-2010) التقت السفيرة د. روزاليند مارسدن الرئيس البشير الذى كان مقاطعا من قبل السفراء والدول الغربية لوداعه فى مايو عام 2010. ووفقا للخبر الذى نشرته وكالة الانباء السودانية فى 23 اكتوبر2010 ؛ إن الرئيس البشير استقبل السفيرة البريطانية المذكورة التى جاءت لتودعه إثر انتهاء فترة عملها فى السودان ، وهذا من التقاليد المراسمية المرعية من قبل كافة الدول المضيفة ؛ مثلما يستقبل الرؤساء سفراء الدول فى بداية فترة عملهم الدبلوماسى بتقديم اوراق الاعتماد. ويلاحظ ان فترة عمل السفيرة مارسدن بدأت فى عام 2007 إبان حكومة رئيس الوزراء العمالى السابق غوردون براون وانتهت خلال فترة حكومة المحافظين المؤتلفة مع الاحرار الديمقراطيين برئاسة رئيس الوزراء ديفيد كميرون فى عام 2010 ؛ وتبعا لذلك فقد تبدل المشهد السياسى فى بريطانيا بتكوين حكومة إئتلاف حزبى جديد مما إقتضى نقل السفيرة إلى لندن ؛ ولذلك قضت السفيرة 3 سنوات خلافا للتقليد الراسخ وهو بقاء السفير مدة 4 سنوات فى منصبه إلا فى الحالات الاستثنائية. وضمن سياق الخبرالذى نشرته وكالة الانباء السودانية ان الرئيس البشير طلب إلى السفير المنتهية سفارتها؛ ان تنقل تحاياه إلى الحكومة البريطانية الجديدة ثم أمن على الدور الايجابى الذى يمكن ان تلعبه فى مساعدة السودان مشيرا إلى دعمها لاتفاقية السلام الشامل المبرمة فى عام 2005 مع الحركة الشعبية لتحرير السودان. ولقد اكدت وكالة السودان للانباء اقوالا للرئيس البشير متعلقة بمجريات لقاء الوداع تختلف عما اورده خطابه الذى القاه بمناسبة زيارتة الى مدينة ربك فى الاسبوع الماضى ؛ وهو ان الرئيس قد أشاد بتطور العلاقات الثنائية مع بريطانيا إبان فترة عمل السفيرة مارسدن ؛ وطالب بمزيد من الدعم للعلاقات الثنائية والتعاون المشترك بهدف دفع عملية السلام وعجلة التنمية وتحقيق الاستقرار والتحول الديمقراطى فى السودان. فإذا صمتت المؤسسة الرسمية لحكومة السودان عن الجانب الخشن فى المقابلة فلماذا اطلقتها الآن بعد ثمانى سنوات للحد الذى يتم فيها الاستعانة بمحضر الاجتماع حسب مداخلة السفير خالد موسى وهى ان السفيرة مارسدن تناولت "موضوعات سياسية خلافية خاصة عن جنوب السودان فرد عليها الصاع صاعين واتهم بلادها وسياستها الاستعمارية بانها السبب الحقيقى وراء حرب الجنوب ...." وان عدد من سفراء الدول الغربية ادانوا مسلك السفيرة بمن فيهم السفير البريطانى الذى احتفظ بإسمه "لأنه تصرف تجافته الحكمة والحنكة الدبلوماسية". وهذا يدل على ان بركاوى الرئيس البشير لم يكن مقنعا للراى العام مما دعا السيد السفير خالد موسى بوزارة الخارجية الى الاشارة إلى المحضر مشيرا إلى جنوب السودان . ولا ادرى ما هى الصلة المباشرة للقاء الرئيس مع سفيرة بريطاينا وزيارته لمدينة ربك وهى زيارة خصصت لإفتتاح استاد كرة قدم ؛ ولم تخصص للقضايا الدبلوماسية اوالسلام. لقد اراد الرئيس البشير ان يشتم المعارضة السودانية ليؤكد لمواطنى منطقة ربك الذين ضيعتهم الانقاذ ان المعارضة تقودها سيدة بريطانية سبق ان قام بزجرها فى مقابلة رتبت لوداعه. اما كان الاجدى ان يخصص الرئيس البشير حديثه لمواطنى مدينة ربك حول الضائقة الإقتصادية وضنك العيش الذى يشكون منه وشهر رمضان على الابواب ؛ وكيف سيعمل الوالى عبد الحميد كاشا رجل المهامات الصعبة لحلها ؛ لا سيما الضنى الذى لحق بالقبائل العربية مثل التعايشة ونزى ورفاعة والفلاته ام برورو والتى عادت بدون كيل ملوة بلح بركاوى من الجنوب والتى تقيم فى حالة بائسة بمنطقة الجبلين بدون رعاية طبية ولا مدارس ولا مستوصفات ؟ ويعتقد بعض المواطنين إن بناء الاستادات وسيلة للالهاء وليست لتطوير رياضة كرة القدم ؛ بل الاجدى ان يتم صرف مبلغ 37 مليار وهى تكلفة الاستاد لتشيد مستشفى بدلا من ان يعول الناس على مستشفيات جموّعة الخيرية التى شيدها محسنون كصدقة فى مدينة ربك او على الاقل مد تلك المستشفيات بالمعدات والتجهيزات المختبرية . وكان الاجدى ان يفيدهم الرئيس البشير لماذا ارتفع جوال السكر ورمضان ليس ببعيد إلى (مليون واربعمائة الف بالقديم ) من سعره بواقع 700 ج وارتفاع رطل الشاى الى 120 ج وارتفاع اسعار عدد كبير من المواد الاستهلاكية بواقع 25% من سعره الاساسى.


مقابلة السفيرة مارسدن:
تتعدد الاسباب التى تنهى مهمة السفير المعتمد وفترة عمله المقررة فى السفارة المعنية ؛ بين التغيرات الكبيرة فى الدولة الموفدة والمتعلقة بالدولة المستقبلة وشخصية الدبلوماسى وغيرها. ولم يوضح الرئيس او المحضر الذى اجتزأ منه السفير خالد موسى إذا كانت السفيرة قد نقلت امتعاضا من موقف لحكومة السودان او اذا كانت الحكومة السودانية هى التى طلبت ذلك ؟ او إذا كان السودان قد كتب الى بريطانيا منوّها بعدم الارتياح لمسلك السفيرة لا سيما انه لم يقم بطردها بوصفا شخصا غير مرغوب فيه اسوة بما فعلته قيادة الانقاذ مع سفيرين بريطانيين سابقين هما بيتر ستريمز وألان غولتى. ونعزز مداخلتنا بأن السفيرة مارسدن التى التحقت بوزارة الخارجية البريطانية فى عام 1974 وامضت 40 عاما فى الخدمة الدبلوماسية والحاصلة على دكتوراة من جامعة اكسفورد ؛ الدمثة الاخلاق والحميدة الخصال حيث تعرفنا عليها خلال إقامتنا الطويلة فى بريطانيا ؛ والتى هى دائما فى حالة تعلم تسجل فى دفترها كل ما يفيدها حول السودان للتحقق من صحة معلوماتها ؛ انها قد تحولت إلى لبؤة قى لقائها مع الرئيس البشير وانها ارتكبت غلطة مسلكية فادحة يستأنس فيها السفير خالد بسفير بريطانى وبمحضر المقابلة ليؤكد على ذلك. هذا الكلام "لا يدخل فى الرأس" . السؤال هل رفض الرئيس البشير وحكومة الانقاذ التعاطى مع د.مارسدن بعد تعيينها بعد اربعة اشهر فقط من نهاية فترة عملها بالسودان ؛ مبعوثا خاصا للسودان وجنوب السودان من قبل الاتحاد الاوربى ؛ وهى المهمة التى بدأت فى سبتمبر 2010 وانتهت فى اكتوبر 2013 ؟ لا سيما اننا لم نقرأ ان الرئيس البشير قد تحفظ على هذا التعيين او ان السودان رفض التعاون معها. ولذلك نفترض عقلا ان شيئا من ذلك لم يحدث نظرا لتحميل الرئيس رسالته التى اشرنا إليها. لقد تم لقاء سفيرة بريطانيا السابقة مع الرئيس البشير فى وقت كانت الدول الغربية والاتحاد الاوربى والولايات المتحدة يقاطعون الرئيس البشير وكذلك سفراؤهم المعتمدين فى الخرطوم . فإن حرص سفيرة بريطانيا على توديعه خطوة كان من المنتظر ان تلقى الثناء العطر لأنها كسرت طوق العزلة المراسمى - من سفيرة دولة عضو بمجلس الامن وبثقلها الدولى المعروف- الذى فرض على الرئيس البشير بعد صدور عريضة إتهامات المحكمة الجنائية الدولية بصدد جرائم الحرب فى دارفور ولم يوضح خطاب الرئيس البشير ماهية "التعليمات والتوجيهات" التى قصدها ؛ مما حدا بسعادة السفير خالد موسى بالتدخل بوصفه الذى كان يقوم بكتابة محضر الاجتماع مشيرا إلى ان بعض سفراء الدول الغربية ومن بينهم سفير بريطانى حجب اسمه قام بإنتقاد تصرف السفيرة البريطانية. فكيف علموا بمجريات المقابلة؟ هل بعثت لهم الخارجية بنسخة من محضر المقابلة ؟ وهذا نعتبره مجافيا للمسلك الدبلوماسى المحترف ان يتصدى دبلوماسى لتعزيز مقالة رئيس الدولة مشيرا إلى محضر مقابلة جمعته بموفد اجنبى بمرتبة سفير. وحسب مطالعاتى المتواضعة لم اعثر على سفير يشير إلى محضر مقابلة بهدف مناصرة مسؤول حكومى او رئيس دولة ولو كانت تلك الدولة فى حالة حرب مع الدولة الموفدة ؛ وذلك ضمن مسعى مبتسر لتطويق انتشار الاثر السالب الذى احدثه خطاب الرئيس فى الاسافير. كما جرت التقاليد الدبلوماسية الراقية وفى غالب الاحيان ان يقوم رئيس الدولة بدعوة السفير المنقول وطاقم سفارته إلى مأدبة غداء او عشاء ويهديه وساما لا سيما انه اشاد بالدور الايجابى الذى لعبته بلادها فى تحقيق اتفاقية السلام الشامل ووقف الحرب فى جنوب السودان ؛ ولكن يبدو من واقع السياق ان الرئيس البشير قد اكتفى بعطية البركاوى. كما ان التقاليد الدبلوماسية لا تسمح بنشر المحاضر من اجل تثبيت الاتهامات الجزافية بحق سفراء الدول المعتمدين ؛ ولذلك امتنعت السفيرة البريطانية مارسدن عن إصدار بيان بإسمها والخوض فى لغو الحديث والتخريجات الرسمية للمواجهة البركاوية بالاشارة إلى ما دار بينها وبين الرئيس البشير تمسكا بالتقاليد الدبلوماسية المرعية فى بريطانيا والتى لا تسوغ للدبلوماسى ان يكشف للاعلام حقيقة مادار بين رئيس دولة وسفيرة بريطانيا بخلاف التقرير الذى اعدته لوزارة الخارجية. وفى المقابل كنا نتوقع ان يتمسك سفراء وزارة الخارجية ايضا بهذه التقاليد بالكف عن الكلام المباح . لا سيما ان المادة 29 من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية تشير إلى صيانة حرمة شخص المبعوث الدبلوماسى ...كما يجب ان تعامله الدولة المعتمد لديها بالاحترام اللائق واتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع اى اعتداء على شخصه او حريته او كرامته. ومن بدهيات واجب السفير المعتمد ان ينقل وجهات نظر حكومته فى القضايا المشتركة ومتابعة تنفيذ الدولة المعتمد بها لالتزاماتها تجاه الدولة الموفدة . وحسب مداخلة السفير خالد فإن المقابلة تطرقت للقضايا الخلافية مثل جنوب السودان. لنفترض ان السفيرة قياسا بتصريحات الذين تعاقبوا على منصب سفير بريطانيا فى الخرطوم أشارت إلى القضايا السودانسة التى تهم بريطانيا مثل قضية دارفور واوضاع اللاجئين والمشردين فى المعسكرات والقصف الجوى المستمر من الطيران السودانى وإلقاء القنابل على المواطنين فى جبال النوبة ووضعية حقوق الانسان فى السودان ؛ والتوتر القائم بين الحكومة والحركة الشعبية قبيل الانفصال ؛ فإن جميع هذه القضايا اساسية بالنسبة للدور البريطانى واسهاماته فى حلها والمساعدات الانسانية التى تقدمها بريطانيا خصما على دافع الضرائب البريطانى الى الاهالى فى مناطق النزاع . ولا يصنف ذلك من شاكلة التقحم فى الشؤون الداخلية اوامتهان شخص رئيس الدولة. وفى غالب الاحيان تبعث وزارة الخارجية البريطانية بالنقاط الواجب تناولها فى مثل هذه اللقاءات . ولا اعتقد بإن السفيرة المذكورة قد شذت عن الاعراف الدبلوماسية فقط لأنها نقلت بإمانة رسالة حكومتها الى رئيس الدولة المضيفة ؛ وهى الرسائل التى كانت تنقلها خلال فترة عملها لكافة المسؤولين فى الحكومة السودانية ؛ وهو الشىء الذى كان يفعله سفراء الولايات المتحدة الى هذه اللحظة. لا سيما ان الرئيس البشير قد طلب عون بريطانيا فى حل القضية السودانية أسوة بموقفها الايجابى تجاه اتفاقية السلام الشامل. ولعل الرئيس قصد بالبركاوى رده على السفيرة بإنتقاده للسياسة الغربية فى كل من العراق وأفغانستان. وكل الذين يعرفون السفيرة مارسدن يؤكدون على انها صارمة وحازمة ولربما حسب الرئيس البشير تحت وقع المقاطعة المفروضة عليه من قبل السفراء الغربيين آنذاك متأثرا بمهنته العسكرية ان ما نقلته من موقف لحكومتها يمثل توجيهات وتعليمات وهى عبارات كثيرة الاستخدام ضمن القاموس العسكرى. ولقد أصدرت وزارة الخارجية السودانية آنذاك بيانا صحفيا رقيقا يشير إلى ان اللقاء قد سار سيرا حسنا ؛ ولم يشر ذلك التصريح الصحفى ولا خبر وكالة السودان للانباء ان قول الرئيس البشير " جات تودعنى وتعطينى توجيهات وتعليمات ؛ لكن صرفت ليها بركاوى صاح وندّمتها على اليوم الذى ولدت فيه". وفى الواقع تعددت مدلولات البركاوى العبارة التى طارت سمعتها مثل الرؤيه المنامية على جناحى طائر حتى وقعت بتعبير الاستاذ مصطفى عبد العزيز البطل المستشار الاعلامى بالسفارة السودانية فى لندن بحكم قربه من الرئيس ومعرفته بمصطلحات القاموس الرئاسى ؛ وذلك فى مقاله المعنون مع الرئيس وكاشا والحالة ماشة (١-٤) : حديث البركاوي ؛حيث يشير إلى كثرة إ ستخدام العبارة بكثافة في أوساط القوات النظامية، وفى معسكرات القوات المسلحة يقول ضابط الصف التعلمجي مهدداً: (الليلة حأفضي فيكم خزنتين بركاوي لامن تعرفوا حاجة) مضيفا عراقة هذا الاستخدام في الجيش السودانى. ثم يستطرد قائلا ان عبارة "صرفت ليهو بركاوي" تعادل في الفصحى عبارات مثل "كلت له الصاع صاعين". أما في عامية السوادنة فربما وجدت ما يقابلها في عبارات شعبية من شاكلة (وريتو المكشن بلا بصل) او (أديتو السم القدر عشاهو). وكنت قبل الاطلاع على هذا التأويل اعتقد بأن الرئيس البشير قد اهدى السفيرة السابقة كيسا او كيلة من التمر البركاوي المعروف بجودته وهذه مناسبات بغض النظر عما يدور فيها مدعاة للتهادى. وفى الثقافة البريطانية الحالية يمكن تصنيف هذا القول من شاكلة العبارة التى استخدمها الرئيس ترمب لوصف الدول الافريقية ؛ ولو حملناها وفق إستخدامها فى القوات المسلحة ؛ فإنها قطعا ستصنف من ضمن العبارات النابية او من ضمن الافعال التى تروج للارهاب بشانىء القول او العدوان اللفظى وانما نقول هذا على سبيل المقارنة لا التنابذ . كما ان الطريقة التى تحدث بها الرئيس البشير فى حق السفيرة البريطانية وهى " امرأة " تعمل على تشجيع الرجال للانتقاص من كرامة المرأة مطلقا وهذا فاشى فى سودان الانقاذ ؛ حيث قال الرسول ص: ما اكرم النساء إلا كريم وما اهانهن إلا لئيم. ورغم ان خطاب الرئيس البركاوى قد حقق رواجا فى الاسافير ولكن ليس لصالحه بل لصالح السفيرة البريطانية السابقة ؛ والتى اتهمها الرئيس البشير بتوجيه المعارضة المؤتلفة ضمن منظومة نداء السودان شمالا ويمينا. وهذا ايضا يجافى حقيقة الواقع والشخصيات التى تقود المعارضة وكلهم يعرفهم البشير شخصيا ومنهم من نفض يده من نظامه . ان السفيرة مارسدن التى احبت السودان من واقع تجربتها حتى وصفت بانها سودانية الهوى لا تعمل بالسياسة ولا تتولى حاليا منصبا حكوميا ؛ وليست هى عضوا بالبرلمان ولا عضوا بمجلس اللوردات ؛ وانما حضرت اجتماع باريس اسوة بزميلها كريس تروت المبعوث البريطانى لدولتى السودان وجنوب السودان من واقع الاهتمام بالتطورات السودانية ومحاولة الوقوف على وضعية الأزمة السودانية فى منعطفها الحالى والخطير؛ وان دورها يقتصر على تقديم المشورة الفنية البحته. كما انها تعمل مستشاره بمركز الحوار الانسانى السويسرى وهو المركز الذى ظل يقدم التسهيلات لفرقاء النزاع فى القضية السودانية. وهى حاليا زميل مشارك فى برنامج إفريقيا بالمعهد الملكى للشؤون الدولية ( تشتام هاوس) الذى استضاف عددا من المسؤولين الحكوميين آخرهم وكيل ووزير الخارجية ؛ عبد الغنى النعيم وبروفسور إبراهيم غندور وذلك قبل إستضافة السيد الصادق المهدى فى 22 مارس 2018. ان المركز السويسرى المذكور يقوم بالدور التسهيلى والحصول على التأشيرات لاجتماعات نداء السودان وظل يقدم هذا التسهيلات منذ ابوجا الاولى والدوحة واديس ابابا. فإذا كانت الوحدة الامنية فى سفارة السودان بباريس بعثت بتقرير مفاده ان مارسدن هى المحرضة والموجهة لفعالية ونشاط منظومة نداء السودان فإن ذلك عين الخطأ وهو خطأ فى المعلومة وفى التحليل ويدل على ان ذهنية نظام الانقاذ لم ولن تتغير. انهم يريدون فرض التعامل النزق والاشكاس على سفراء الدول الغربية ؛ فى الوقت الذى بدأت فيه الحكومة البريطانية ما اسمته الحوار الاستراتيجى مع حكومة السودان ؛ وهى تعمل بجد لتجيير الحوار الاستراتيجى وموقف الاتحاد الاوربى فى التعاون معها لمكافحة الهجرة غير المشروعة وعمليات الاتجار بالبشر لدعم شرعية نظامها المتآكلة.


السفيرة مارسدن ونداء السودان:
لم يكن الرئيس البشير محقا فى قوله " السفيرة دي هي الجمعت في باريس ناس المعارضة وهي البتدي ناس باريس – تحالف قوى نداء السودان – التعليمات وتدعمهم " والحقيقة هى ان الكل يعلم ان الحكومة السودانية قبلت بالآلية الافريقية رفيعة المستوى المنبثقة عن مجلس الامن والسلم التابع للاتحاد الافريقى المنشئة فى عام 2009 وخارطة الطريق التى وضعتها بقيادة الرئيس السابق لجنوب أفريقيا تابو مبيكى ؛ وتعلم ان خارطة الطريق قد صادق عليها مجلس الامن الدولى فى قراره رقم 2046 ؛ لمعالجة القضايا العالقة بين السودان ودولة جنوب السودان قبل الانفصال. ثم بعد ذلك ابتدرت الآلية بموافقة فرقاء النزاع السودانى بمن فيهم الحكومة معالجة الازمة بين الحكومة والحركة الشعبية – قطاع الشمال ومشكل المنطقتين على إثر الهجوم الذى شنته قوات دولة جنوب السودان على منطقة هجليج ليتدخل مجلس الامن والسلم الافريقى ليعلن عن وقف جميع الاعمال العدائية ودخول طرفى النزاع فى عملية تفاوض فورى والدخول فى مفاوضات مع الحركة الشعبية قطاع الشمال. ولقد قامت بريطانيا وبعلم الحكومة السودانية بتمويل اعمال الآلية وفرق التفاوض كما مدت الآلية بفريق استشارى لتقديم النصح حول القضايا الامنية وغيرها. قرار مجلس الامن الدولى المذكور هو الذى منح التفويض للآلية الافريقية هو لمعالجة الازمة القائمة بين الحكومة السودانية وقطاع الشمال وبقبول الحكومة لهذا القرار. ولقد دعا مجلس الامن الافريقى فى 2016 الى معالجة الازمة السودانية بكليتها مما ادى الى اشتراك المعارضة الشمالية التى وقعت هى والحكومة اتفاقا مع الآلية. ولذلك اصبحت منظومة المعارضة فى نداء السودان وهو المسمى الجديد الذى سبقه مسمى الجبهة الثورية ؛ ضمن نطاق صلاحيات الآلية الافريقية التى بدات اجتماعاتها التحضيرية فى اديس ابابا. بخصوص إجتماع باريس الاخير. ولما تعثرت المفاوضات ووصلت الآلية الافريقية لطريق مسدود حول وقف العدائيات ووقف غطلاق النار ومناقشة القضايا الخاصة بالمنطقتين توطئة لخلق الاجواء لتناول القضية الرئيسة وتخطى مرحلة المفاتوضات التحضيرية أخطرت الادارة الامريكية الحكومة السودانية رسميا بتعثر المفاوضات وانها سوف تقوم بتمويل مؤتمر نداء السودان فى باريس بأعتبار ان منظمة الحوار الانسانى السويسرية التى تعمل بها د. روزاليند مارسدن مستشارة فنية سوف تشرف على الاجتماع لمراقبة عملية التفاوض. وهذه المنظمة تقوم بذلك الدور منذ مفاوضات نيفاشا. وان الاتحاد الاوربى وبريطانيا وامريكا يقدمون تسهيلات لانجاح المفاوضات التى لا تريد الانقاذ نجاحها لتركيزها على حوار الوثبة التى نعتبرها وثبة فردانية تحت رعاية الانقاذ وحتى مخرجاتها ظلت حبيسة الادراج حتى قال الامين العام للمؤتمر الشعبى د. على الحاج محمد وهو حليف للحكومة بتقاعس المؤتمر الوطنى فى تنفيذ مخرجاته والانفراد بالقرارات وان الحديث عن تنفيذ 50% من المخرجات مجرد كلام ساكت. الشاهد كيف يصف ان الصهيونية هى الداعمة لنداء السودان واجتماعاته فى الوقت الذى اكد فيه د. امين حسن عمر يوم امس بوصفه ممثل الرئاسة المكلف بملف قضية دارفور ان الحكومة تلقت دعوة للمشاركة فى إجتماع برلين - المانيا للقاء حركات دارفور فى الاجتماع المرتقب عقده فى يومى 16-17 من ابريل الجارى؛ وانها سوف تلتقى حركات دارفور وتستمع إليها ؛ وهذا الاجتماع سوف تشارك فيه السفيرة السابقة روزاليند مارسدن بوصفها مستشارة فنية لمعهد الحوار الانسانى.


طرد سفراء بريطانيا من السودان:
أشار الرئيس البشير فى خطابه الى طرد سفيرين بريطانيين سابقا مؤكدا عدم التقصير فى حماية كرامة الشعب السودانى. خلال الفترة الراسبوتينة من مراحل نظام الأنقاذ والتى شهدت تفاقم حرب الجهاد ضد الجنوب وتوسع نطاق الحرب فى منطقة جبال النوبة كما شهدت تحول السودان إلى ما وصفه وزير الثقافة والاعلام حينها إلى "محطة وقود كبرى لتحرير كامل تراب فلسطين والقدس". وكان سفراء امريكا وبريطانيا خلال تلك الحقبة وما بعدها اقوياء الشخصية يفهمون ان الدبلوماسية ليست ارضاء الحكومة او اجهزة اعلامها ولكن إبلاغ رسالة الدولة الموفدة ضمن الاطار المتوفر للتواصل وعبر القنوات الدبلوماسية الذى يعد رئيس الدولة قناته الرئيسة من حيث ان السفير فى واقع الامر هو ممثل رأس الدولة. وفى هذا السياق اورد السفير الامريكى السابق بالخرطوم " دونالد بيترسون" فى كتابه المعنون ؛ داخل السودان: الاسلام السياسى ؛ النزاع ؛ والكارثة ؛ ان زميله السفير البريطانى بيتر ستريمز كان شخصا يتمتع بالصراحة والقدرة على إبداء الرأى والانتقاد وهذه لعمرى هى الصفات النموذجية للشخصية البريطانية التى خبرناها خلال ربع القرن الماضى ؛ وهى المتزنة فى احكامها والخالية من التطرف والممسكة عن الانتقاد بالبذاءات والمكتفية بالتلميحات والاشارات. لذلك كان يتوقع ان يعمد نظام الانقاذ على طرده قبل صدور القرار بعدة أشهر. ولقد تم طرده من السودان فى ديسمبر 1993 بجريرة انه يدس انفه فى اشياء لا تعنيه ؛ حيث كان احد بيوت الاشباح الذائعة الصيت مجاورا لسفارة بريطانيا فى الخرطوم. ويومها كان د. نافع على نافع مدير جهاز الامن يبرر لعملية " تأصيل ظاهرة بيوت الاشباح" بأنها تدبير تلجأ إليه أجهزة امنية عالمية مرموقة". وتزامن طرد السفير بيتر ستريمز من السودان فى باكورة عام 1994 بالتزامن مع زيارة د. جورج كيرى اسقف كنيسة كانتربرى إلى جنوب السودان ؛ وهى زيارة لم تنل رضاء نظام الانقاذ. وكانت مفعمة بالدلالات الرمزية ضمن سياق تداعيات المواجهة بين النظام " الاصولى" السودانى وجهاده الدينى فى حرب الجنوب والكنيسة الانغليكانية حامية رعاياها الكاثوليك فى جنوب السودان. كما حملت الزيارة نوعا من مؤشرات التضاد الايدولوجى بين جهادية الانقاذ فى طورها الاول وصلبان المسيحية والتباين فى المواقف بين مرشد الاسلامويين شيخ حسن الترابى وأسقف كنيسة كانتربرى د. جورج كيرى الذى قابله الرعايا المسيحيين فى جنوب السودان بلافتات كتب عليها " ربما لن نبقى هاهنا خلال الايام القليلة القادمة لأن السودان سوف يكمل تدميره العسكرى للجنوب". ويبدو ان الخلاف احتدم حول موقف حكومة الانقاذ الذى وصفه كيرى بمحاولة تقييد برنامج الزيارة. وكرد فعل لذلك اقدمت حكومة الانقاذ على طرد السفير البريطانى بيتر ستريمز بتهمة التعاون مع الاسقف الانجليكانى ضد مصالح السودان ؛ لترد بريطانيا ايضا بطرد السفير السودانى فى لندن واظن انه كان الاستاذ محمد عثمان يسن الذى خلفه سعادة السفيرعمر يوسف بريدو فى ابريل 1994 فى وقت ارخى الليل الكونى سدوله واحكمت العزلة الدولية وطأتها على سودان الانقاذ . وفى عام 1996 بلغت العلاقات السودانية البريطانية حد التوتر مجددا عقب سحب بريطانيا عددا من دبلوماسييها من الخرطوم وطرد دبلوماسيين سودانيين من لندن امتثالا لتنفيذ عقوبات قام مجلس الامن بفرضها ضد نظام الانقاذ بعد اتهاه بالتورط فى عملية إغتيال الرئيس المصرى السابق حسنى مبارك حيث تم إرسال الاسلحة والذخيرة التى استخدمت فى العملية عبر إحدى سفريات سودانير وفى حقيبة دبلوماسية. وفى يونيو 1995 تم طرد السفير البريطانى من الخرطوم وقام السودان بسحب سفيره من لندن عقب تأييد رئيس وزراء بريطانيا العمالى تونى بلير للضربة الصاروخية الامريكية التى استهدفت مصنع الشفاء لإنتاج العقاقير الطبية ؛ الذى اتهمته امريكا بتخصيب اليورانيوم ثم أقدمت على تعويض رجل البر والاحسان الاستاذ صلاح إدريس تكلفة المصنع حسب ما قرأت فى صحيفة واشنطن بوست. وما يجدر ذكره ان الانقاذ قامت بطرد السفيرالبريطانى ألآن غولتى ( 1995-1999) من السودان بعض حادثة قصف الولايات المتحدة لمصنع الشفاء للعقاقير الطبية ووقوف بريطانيا مع التدابير الانتقامية الامريكية. إلا ان عادق وقبلته فى عام 2002 فى مهمة الممثل البريطانى الخاص لدى السودان ؛ وأسهم فى مفاوضات نيفاشا إلى مرحلة التوقيع على اتفاقات السلام. فكيف تسهم بريطانيا فى وقف حرب الجنوب فى عام 2005 ؛ وتواجه سفيرتها د. مارسدن بالخرطوم فى عام 2010 بأن دولتها هى التى خلقت أزمة الجنوب؟ ومن الملاحظ ان الخطاب الرئاسى دائما ما يلجأ إلى غليظ القول والتهديد والوعيد بحق بريطانيا وسفرائها فى كل مرة لا تروق فيها الاشياء للانقاذ ويبدو ان ذلك حالة نفسية خاصة ترمى إلى إهانة سفراء بريطانيا وبشكل مباشر تؤدى إلى وضع بريطانيا ثقلها ضد السودان لا سيما انها واحدة من الدول الاعضاء الدائمين بمجلس الامن. وانها لعبت دورا فى رفع العقوبات الامريكية وللعبت دورا فى اتفاقات السلام ولا تزال.
وان قطع العلاقات مع بريطانيا كان دائما يتم بناء على ردود أفعال وعاطفة جياشة تعتمد خطاب المعطيات الاستعمارية بعيدا عن اعتبارات المصالح القومية للسودان. بل يتم بدافع من تفعيلات مصالح النظام الايدولوجية التى حلت محل المصالح القومية ولما تزل.
وفى عام 2006 اكد الرئيس البشير رفض حكومته دخول قوات أممية إلى دارفور، لأن مشروع القرار البريطاني - الأميركي المقدم إلى مجلس الأمن يشكل "مشروع وصاية على السودان". كما اكد:" لن نسمح لبريطانيا بالعودة إلى استعمار السودان مرة أخرى بعد أن استقلت البلاد عنها منذ أكثر من 50 عاماً". ثم هدد بطرد السفير البريطاني من الخرطوم إذا تم إقرار مشروع القرار. واستشاط الرئيس البشير غضبا وهو يقول "في حال تمرير مجلس الأمن المشروع البريطاني سنكون احراراً في قرارنا وسنقاومه وأول ضحايا ذلك ستكون العلاقات بين البلدين وسنطرد السفير البريطاني من الخرطوم كما طردناه مرتين من قبل ومستعدون لطرده ثالثة ورابعة" وان " السودان"ركّع الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، و"مستعدون لتركيعها مرة أخرى ولن نسمح لها بتدنيس أرض بلادنا مرة أخرى ". تلك هى بريطانيا " الاستعمارية" التى تتوافد إليها وفود الخرطوم الرسمية تحت إطار ما يسمى بعملية الخرطوم والتماسا لفك العزلة الدولية الطويلة التى فرضت على السودان وبهدف البحث عن شراكة استثمارية. وكنت ارى ان عملية طرد سفراء بريطانيا لم تخدم مقاصد الإنقاذ الذى طغت الايدولوجيا على دبلوماسيته بطرد الدبلوماسيين المحترفين ؛ بل اضرت بالسودان على عهد الانقاذ التى ظلت تتعامل مع سفراء بريطانيا من منظور خطاب ايدولوجيا الاستعمار وبشكل سلفى. لقد غيرت وسائل الاتصال الاجتماعى والإنترنت من طبيعة العمل الدبلوماسى التقليدى فلجأت سفارات الدول الكبرى إلى نشر وجهات نظرها حول الاحداث على مواقعها الالكترونية الخاصة بالسفارات مثل سفارتى الولايات المتحدة وسفارة بريطانيا فى الخرطوم. ولم تعد الدبلوماسية فى جوانبها الاعلامية عملا سريا يهيج خواطر الدول المضيفة ولا يتعارض ذلك مع اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية ؛ فمن حيث الشكل المراسمى فإن العلاقة الدبلوماسية تنحصر فى حكومة البلد المضيف ؛ للرمزية السيادية للحكومات إلا ان العلاقة الدبلوماسية العفيّة لا تقتصر على الوجاهات التشريفية بل ترمى إلى النفاذ إلى صميم الشعوب لخلق العلاقات الودية لان ذلك من صميم اهداف اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية . كما ان المنظور الكوسموبوليتانى والعولمة والتكنولوجيا غيرت من طبيعة وزارات الخارجية واجهزة الدولة ذات الصلة بالعمل الدبلوماسى التى تبدو فى السودان وكأنها منكفئة متربصة بكل زلة لسان او تعليق إعلامى فتحسبه صيحة عليها وتطاولا على السيادة وبالتالى يطفح خطاب التهديد بالطرد والثبور بغض النظر عما يجلبه ذلك المسلك من مضار. تعزيز العلاقات الثقافية المشار اليها فى المادة 2 -هاء- من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لا يتم بدون التداخل مع الشعب المضيف وخلق التواصل مع اجهزة اعلامه وفضائياته ومسرحه وكتابه وفنانيه ومبدعيه وشعرائه ونشطاء المجتمع المدنى والفعاليات السياسية. وهذا الحراك الدينامى قد تحسبه اجهزة الامن من الافعال المشينة لا سيما اذا كانت الاجهزة الامنية هى التى تضع اولويات السياسة الخارجية وتشاطر وزارة الخارجية فى تنفيذها مثل ما هو الحال فى السودان. ان الاعراف الدبلوماسية المشار إليها ليست هى الاعراف المعروفة بل هى اعراف الدبلوماسية الرسالية المشحونة بالادلجة والعنجهية السيادية والقطيعة مع المجتمع الدولى اسوة بالقطيعة الداخلية مع المجتمع السودانى إلا فى اطار الترهيب او الترغيب. عندما كانت سياسة السودان الخارجية خلال الفترة 1989-1999 ؛ منكفئة ومحازبة لمنظمات الرفض العربية ادى ذلك ضمن مواقف اخرى إلى إدراج السودان فى قائمة الدول الراعية للارهاب فى عام 1993؛ حينما كان الاعلام الرسمى يصف الولايات المتحدة بالدولة الكارهة للاسلام وانها تشن حربا دينية ضد نظام السودان وتوجهاته الاسلامية. ولقد كانت السياسة الخارجية خلال بعض فترات تلك الحقبة مهيمنا عليها من قبل هواة وجهاز امن فى مرحلة التأسيس العقائدى والبروغراطى ولاتزال ؛ ما ادى إلى تفسير سلوكات السفراء بدوافع الريبة والشك والعداء الضارى بفعل الحمية العقائدية لا الوطنية وشتان ما بينهما. فى تلك المرحلة كانت انتقاد امريكا لسجل حقوق الانسان ومطالبة امريكا بإطلاق سراح رئيس الوزراء السابق السيد الصادق المهدى تعد تدخلا فى الشأن الداخلى ؛ وكان الشيخ الراحل حسن الترابى كثيرا ما يلجأ إلى الخطاب الاستعمارى عند إنتقاد بريطانيا بصفته المرشد الاعلى للنظام . إلا ان هذه السياسة او الموقف النفسى استمر بعد وقوع المفاصلة فى عام 1999 ولا يزال فاعلا الى اليوم. وفى سبتمبر 2015 استدعت وزارة الخارجية السفير البريطانى مايكل آرون استاذ اللغة الانجليزية السابق فى شمال السودان ؛ لتعبر له عن استيائها من تصريحاته فى مقابلة نشرتها صحيفة المجهر السياسى حول موضوع ديون السودان الخارجية والاوضاع فى دارفور. ويكاد لا يعرف ان مسمى الصحيفة ملحق بعبارة السياسى ما يعنى بادى الرأى ان الصحيفة متخصصة فى الشأن السياسى السودانى. وفى وقت لاحق برر الناطق بأسم السفارة البريطانية بقوله " كنا واضحين بالتأكيد، إن تصريحاتنا لم يكن هدفها الإساءة، لكن السودان يواجه حاليا تحديات كبيرة... وان بريطانيا تتطلع إلى العمل مع حكومة السودان وشعبه، من أجل تسوية سلمية لمشاكله ". ومن الواضح ان نظام الانقاذ وهو يقبل العون الانسانى لمنطقة دارفور الذى تقدمه الحكومة البريطانية ؛ إلا انها لا تريد من سفراء بريطانيا ذكر اسم دارفور او جبال النوبة او جنوب السودان بإى شكل من الاشكال بحجة ان ذلك ليس من الاعمال التى تليق بسفير دولة معتمد. وإذا كانت هذه الدولة بريطانيا فإن ذلك يعد حتما ضمن تدخلات الحنين للعهد الاستعمارى. ثم برزت مسألة طرد السفير فى الاعلام رغم ان خيار الطرد حسبما أشار المحلل الدبلوماسى والسفير السابق الطريفي أحمد كرمنو مبديا رأيا هو عين الصواب إلى صحيفة " اليوم التالى" وهو ان الحكومة حينما قامت بطرد السفير البريطانى فى المرة السابقة تعرضت لمشاكل كثيرة وردود افعال سلبية، أثرت على طبيعة التعامل بين الدولتين ناصحا بالاكتفاء بقبول الاعتذار. وان بريطانيا وامريكا تؤثران بوزنها فى مجلس الامن وعلى القرارات المتخذة من خلال حق (الفيتو)، بجانب التأثير الكبير على كثير من الملفات المتعلقة بالسودان. وما ينبغى ان تدركه الانقاذ ان من صميم عمل السفير المعتمد رصد المواقف والتطورات ليست فقط من جهة الحكومة او ما يكتبه اعلامها الرسمى وانه يحق له مقابلة نشطاء المعارضة والاحزاب السياسية وقادة المجتمع المدنى وغيرهم حتى ينقل لبلاده الصورة الحقيقية. وفى لقاء صحفى آخر وصف السفير البريطانى "نيكولاس كاى" علاقة بريطانيا بالسودان بأنها علاقة دم لا تنفصل فى الوقت الذى يصف فيه رئيس السودان العلاقة بأنها علاقة استعمار واستكبار. وعن سؤال حول دارفور قال السفير: من الواضح ان الاوضاع الانسانية وأوضاع العمال والموظفين في هذا المجال صعبة جدا . منذ وصولي الى السودان تمت عملية اختطاف احد عمال الاغاثة.. وهذه الظاهرة مستمرة.. وأوضاعهم غير آمنة ...ونحن من جانبنا ندعو يوناميد والحكومة السودانية الى مضاعفة الجهود لتوفير الامن للمواطنين ولعمال الاغاثة. وعن سؤال حول الحريات وحقوق الانسان: أجاب السفير " مسألة الحريات وحقوق الانسان والديمقراطية مثار اهتمامنا.. وهناك جوانب تدعو للقلق.. والحكومة البريطانية وامريكا اصدرتا بيانا في هذا الشأن وعبرتا عن قلقهما الشديد من التضييق على الحريات عقب الانتخابات الاخيرة...وهذه مواضيع نبحثها دائما في اطار العلاقات الاخوية مع الحكومة السودانية وندعو الى حماية الديمقراطية واحترام الحريات وحقوق الانسان. إن العلاقات مع بريطانيا سوف تظل متأثرة بالحامل الاستعمارى الذى يبرز فى طليعة حجج نظام الانقاذ وقد دخلنا استعمارا تكنولوجيا جديدا طوى بصفحته الماضى رغم انعكاساته بين الحين والآخر طالما ظلت الانقاذ وإعلامها تخطان للسفراء ما يقولونه وما لاينبغى ان يقولونه. ان السفير المطرود لا يفصل من خدمته الدبلوماسية حالة عدم ارتكابه لجرم مشهود بل يكرم بإرساله إلى بعثة اكثر اهمية ولذلك رفض السودان التعامل مع غولتى واستقبله مبعوثا خاصا فى قضايا اكثر اهمية وهى القضايا الخلافية نفسها ؛ وامتعض من تناول السفيرة السابقة روزاليند لتلك القضايا وقبلها مبعوثا خاصا للاتحاد الاوربى الذى يضم 28 دولة اوربية . ان وسائل الاعلام الحكومية اصبحت راصد بالمرصاد ومؤشر يقّوم اعمال السفراء وتتبارى فى إصدار الاحكام على تصريحات السفراء وتحدد هل يستحق بموجبها الطرد ام لا. وهذا ايضا عنصر مؤرق يعوق وزارة الخارجية عن اداء مهامها فى الاشراف على العمل الخارجى والدبلوماسى وتقويمه بوسائلها بدلا من ان تلجأ لفعل ذلك منجرة بالتأجيجات الاعلامية وغالبا ما يكون رئيس الدولة هو السبّاق فى هذا المضمار . وقد قرأت تصريحات السفير البريطانى ما يكل آرون الذى انتهت فترة عمله مؤخرا إذ أعلن فى فبراير 2018 عن اسفه لمغادرة السودان ولكنه قال انه خرج منه اكثر تشويشا. وطالب بالافراج عن المعتقلين بأسرع وقت ممكن معربا عن قلقه تجاه طول امد الاعتقال بدون تهم موجهة او محاكمة " ... أنا وزملائي من سفراء الاتحاد الأوروبي هنا في الخرطوم نشعر بالقلق إزاء طول فترة احتجاز العديد من القادة السياسيين والناشطين والمواطنين العاديين دون تهمة أو محاكمة وأصدرنا بيانا بهذا الشأن في 30 يناير ودعونا فيه الحكومة إلى الإفراج عن المحتجزين فى اسرع وقت ممكن". وحول موقف بريطانيا من السلام فى السودان وهو الموقف الذى عابه الرئيس البشير على السفيرة السابقة روزاليند مارسدن قال السفير " في فبراير (2018) ، نأمل كثيرا في إحراز تقدم في أديس أبابا مع خارطة الطريق التي وضعها الاتحاد الأفريقي فيما يتعلق بالمنطقتين و دارفور. سيكون مبعوثنا الخاص كريس تروت مع زملائه في الترويكا لدعم جهود الرئيس امبيكي وفريقه" . ان السفيرة السابقة مارسدن كانت تنشط ضمن استراتيجية بريطانيا التى تعمل على ايجاد حل دائم لقضية السودان عبر دعمها الثابت لجهود الوساطة التى تقوم بها اللآلية الافريقية رفيعة المستوى بقيادة تابو مبيكى. وان السفير آرون هو الذى رعى المنتدى الاستثمارى البريطانى الذى شارك فى فعاليته وزير الخارجية ابراهيم غندور ؛ وان استراتيجية بريطانيا الحالية هى تقديم اولوية الشراكة الاستثمارية والتجارية والاسهام فى ايجاد حلول دائمة لمشاكل السودان الرئيسة عبر التوافق السودانى لا التدخلات الاستعمارية والاشادة بالثروات البشرية والموارد الطبيعية التى حبى الله بها السودان والاشارة لأهمية السودان الاستراتيجية لموقعها الرابط بين الشرق الأوسط وأفريقيا والتوطئة للاستثمارات البريطانية بتهيئة البيئة الاستثمارية السودانية لنظم الاستثمار الغربية التى تحارب الفساد وتطالب بالشفافية.
ولقد بادرت بريطانيا بلعب دور ايجابى ضمن عضويتها فى نادى باريس بمناقشة مسألة الديون الخارجية ولكن المطلوب من نظام الانقاذ الاستجابة الى الشرطية الحسنة بوقف انتهاكات حقوق الانسان وابتدار برامج الاصلاح الاقتصادى وآليات مكافحة الفقر. وكنت احسب ان ذلك قد تم حصره ونقاشه ضمن السياسات الجديدة وموجهات السياسة الخارجية لفترة ما بعد رفع العقوبات ولكن يبدو ان " الولِف كتّال". وان الانقاذ بحاجة إلى تغيير جذرى لثقافتها السياسية وتحديث مصادرها وتغيير الرقائق الذهنية وابدالها باخرى مستجدة قبل فوات الاوان.


خلط العمل السياسى والعسكرى:
واورد الرئيس البشيرفى خطابه قوله ” عمل سياسي وعسكري مابتلموا، دايرين العمل العسكري ناس الجيش والأمن والشرطة والدعم السريع جاهزين لتأديب كل دخيل ومرتزق يأكل في أموال الخواجات.” الرئيس البشير هو اول ضابط عسكرى يجمع بين الرئاسة والعسكرية فقد قام بتنفيذ إنقلاب الجبهة الاسلامية فى يونيو 1989 وهو برتبة عميد وهو الآن برتبة مشير. ولم يفصل بين العمل العسكرى والسياسى فتارة بالزى العسكرى واخرى بالزى المدنى. وانه فى نظم الجيوش لم نسمع بفريق او مشير بالمعاش بل سمعنا بلواء بالمعاش. هذا يعنى ان الرئيس البشير لا يزال وفق نظم الجيوش المحترفة " سيرفينغ اوفيسر". لقد تخلى تشرشل عن رتبته العسكرية عندما عمل بالسياسة وكان رئيسا لوزراء بريطانيا ؛ وتخلى الجنرال ديغول عن رتبته العسكرية فى فرنسا وتخلى كذلك كل من الجنرال إيزنهاور والجنرال ماكنمارا عن رتبهم العسكرية فى الولايات المتحدة ؛ وأقتصر الرئيس الليبى الراحل معمر القذافى على رتبة العقيد اكثر من ثلاثين عاما إلى حين وفاته. إن الجمع بين العسكرية والعمل السياسى حرفة تخصص فيها عمليا سيادة الرئيس عمر احمد حسن البشير. وانه هو الذى طلب الى كل راغب فى السلطة ان يحمل السلاح. وان نظام الانقاذ هو الذى قام بتسليح القبائل العربية فى دارفور وهو الذى سلح الجنجويد ومن بعدها قوات الدعم السريع التى يأتى سلاحها وزيها العسكرى من روسيا. نسأل الله ان يجنب السودان بغتات الامور وعاديات الدهر وان يوفق حكامه واهله الطيبين إلى تدارك الاوضاع قبل ان نسمع ان السودان قد ضاع. السؤال الاخير هل سيحضر وفد نظام الانقاذ الدورة الثانية من اجتماعات نداء السودان التى ستعقد خلال الاسبوع القادم فى برلين ام سيقاطعها لمشاركة السفيرة السابقة روزاليند مارسدن فى فريقها الفنى؟؟؟؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.