بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لا شكّ أنّ حاجة القائد المُجدِّد للاستقلالية الفكرية مهمة، إذا كان سيظهر رأيه ويثبت عليه ويعضّد موقفه بالصبر والمصابرة لمقاومة المحافظين التقليديين والمقلدين المعارضين أو المثبطين، وبهذا يربط بين الفقه والعمل حسب منظور الإسلام الذي يربط العلم بالعمل ولا تستهويه الأفكار المجرّدة المحضة ولذلك فقد استعاذ من علم لا ينفع. ﷺ المصطفي
وهذا ينطبق على أي مجدّد فكري أو ثوري، حتى وإن كان في فكره أو ثورته نفع أو ضرر، فلا بدّ له من المغامرة بالتفكير خارج الصندوق أو تحريك الثابت التليد من العادات ومواجهة الرافضين من الذين ستتضرّر مصالحهم بظهور الفكر أو الفعل الجديد. ولكن لأنّ الجديد قد يكون بديلاً جذّاباً لقديم فاسد ليس لأنَّ الجديد أكثر نفعاً ولكنَّه قد يوقظ في النفس الأمل في الأفضل ولذلك جاءت شرائع الإسلام في حكمتها لتعطي معايير محدّدة للناس لتعينهم على قياس ووزن الشيء الجديد حتى لا يقع الناس في ظلام أكبر في مستقبل أيامهم ويغتروا بضياء البروق العابرة.
ولذلك فهذه الشرائع لم تقصد غير درء مفسدة، أو تقليل ضرر، أو علاج مرض، أو إصلاح حال واعوجاج، أو سدّ منقصة، أو مقاومة عجز، أو تطهير مثلبة، أو شحذ همّة، أو جلب منفعة، أو تعزيز صحّة، أو زيادة عافية، أو إتمام نعمة. وبهذا يكمل الدين وتتم النعمة التي هي قمّة الصحة البدنية والنفسية والاجتماعية والروحية متكاملة وبه ينال الرضا:
‫الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا"‬ "‬‬‬‬
وقد حدّد علماء الشريعة أولويات الحفاظ على الأشياء فقدّمت الدين على النفس، والنفس على العقل، والعقل على النسل، والنسل على المال. وقسمت المباحات إلى ضرورية وحاجية واستحسانية. ولكن يبدو أن الإمام المهدى رأى أنّ الدين في خطر فقدّمه على النفس وأعلن الثورة، بينما الشيوخ رأوا أن الرضا بالواقع أقل ضرراً على النفوس من محاربة ظالم ظاهر عليهم من الأتراك لربما أدّى إلى مفسدة للنفوس عظيمة خاصة وأنّه يدّعى الإسلام وينتمي إلى خلافة إسلامية. وهذا النزاع بين العلماء، الذين يرون في ثبات الحاكم درأ للمفاسد وبين المتمردين منهم الذين يرون في رفع الظلم أصل الجهاد، قديم جديد متجدِّد وما أشبه اليوم بالبارحة.
وقد تحدثت فيما سبق عن إحجام رجالات الطرق الصوفية عن الجهاد المسلّح قبل ظهور الإمام المهدى واختيارهم لحياة مدارسة القرآن الكريم والسنّة والذكر وقضاء حوائج الناس بديلاً عنه. وساعدت طريقة تفكير الإمام المهدى النقدية تجاوز ما سبقه من فكر إسلامي، معتبراً نفسه مجتهداً مطلقاً أو مستقلاً، فردّ الأشياء إلى أصولها كما رأى وعيّن نفسه المسئول عن تغيير الواقع بأمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
والمجتهد المطلق أو المستقل هو المستقل عمّا سبق بقواعد خاصة يضعها لنفسه فيستطيع استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية على وفقها، وذلك يعنى أنّه غير مقلّد لغيره في الأصول أو الفروع. وفى هذا دليل على استقلاليته التي تحدّثت عنها.
إن أهمّ ما أنجزه الإمام المهدى، في اعتقادي، هو حقنه لسائد الفقه بجرعة حياة تجديدية وتحريك بركة الفكر الراكدة لأكثر من قرنين، برفضه للتقليد والإذعان لسلطانه، سواءً أكان اجتهاده محموداً أو مذموماً، وأدّى ذلك بإلمامه أوّلاً بفقه السلف وسعيه لتنقيته من الشوائب وردّه إلى الأصل باجتهاده الفقهي، وبذلك ربطه بحياة الناس كما يجب أن يكون.
ولا تزال مدرسته لم تظهر معالمها أو قواعدها الخاصة التي وضعها لنفسه لاستنباط الأحكام الشرعية بعد، وذلك في تقديري لعدم جمع تراثه ومراجعته ووضع معالمه الفكريّة المتفرّدة وما ذلك إلا نتاج المجتمع البدوي الذي لا يعنى بالتدوين ويعتمد على الحكي وأيضاً لعدم استقرار الإمام المهدى والتفرّغ، بسبب الجهاد وأعباء القيادة، للتأليف بصورة مؤسّسة ومن الواضح أنّ العمر لم يمهله للقيام بهذا الدور حينما لاحت الفرصة. وحتّى تكتمل معالم مدرسته الفقهية تماماً يظلّ القطع ببلوغ الإمام المهدى مرحلة المجتهد المطلق غير مثبتة علميّاً ولربما كان مجتهداً مطلقاً غير مستقل.
وقد كان للكتب التي اطّلع عليها الإمام المهدى، والتي كانت خلطة فريدة من المراجع الدينية، التي نعرف عنها النذر اليسير، والتي اشتملت على التأويل الصوفي، والفلسفة، وفقه أهل السنّة والجماعة، أثر كبير على تفكيره فشكّلت هيكل وعيه الفكري وساعدته، علاوة على تفكيره النقدي، على التحرّر من قيود المذاهب وتوسيع رؤياه وسعيه للتجديد.
هذا يفسّر تأثّره بفكرة المهدية في فتوحات ابن عربي، التي قرأها في بيت أستاذه محمد شريف نور الدائم، وذلك يرجّح عزم الأستاذ لإعلان المهدية قبل التلميذ، ولربما سمع التلميذ الحوار الذي جرى بين الأستاذ وأخيه الشيخ عبد المحمود فالتقطت أذنه فكرة المهدية. ومع المطالعة نمّا وعيه الفكري بالتأثّر بأبواب مجاهدة النفس والزهد في إحياء علوم الدين وفكر ابن القيّم. وأكاد أجزم أنّه قرأ (بدائع الفوائد) و (مدارج السالكين) لابن القيّم الجوزية واتّخذه دستوراً أخلص اتّباعه. فابن القيّم، بعد أن بيّن طريق الارتقاء لدرجة الكمال، وهي تماهى نفسية الإمام المهدى، أكّد أنّها لا تكون إلا باجتماع الهمّة العالية والنيّة السليمة، ووضّح شروط الحصول على هذا المطلب بقوله:
"ولا يتمّ له مطلوب إلا بترك ثلاثة أشياء:
الأوّل: العوائد والرسوم والأوضاع التي أحدثها النّاس (فالعوائد ما اعتاد عليه النّاس من رفاهية ودعة والأوضاع ما اتّبعوه بدلاً عن الشرع بل لربما جعلوا له قيمة أكبر من الشرع).
والثاني: هجر العوائق التي تعوقه عن إفراد مطلوبه وطريقه وقطعها (والعوائق أنواع المخالفات ظاهرها وباطنها وهي الشرك والبدعة والمعصية).
والثالث: قطع علائق القلب التي تحول بينه وبين تجريد التعلّق بالمطلوب (والعلائق ما به القلب دون الله ورسوله من ملاذ الدنيا وشهواتها ورياستها وصحبة الناس والتّعلّق بهم)".
فمن الواضح أن ثورة الإمام المهدى على المفاهيم والأوضاع السائدة التي اتّبعها شيوخه، ما عدا أستاذه محمد شريف نور الدائم، والتي أعطت المبرّر لاستمرار الظلم بفقه القبول بأقلّ الشرّين. هذا الموقف قد يكون نتاجاً للقهر والعجز، فكلّما زاد القهر الخارجي كلّما ازداد العجز النفسي، وكلّما أدّى ذلك لازدياد اللجوء لمجاهدة النفس لتحريرها بالانعزال والذكر، وجعل مجاهدة النفس أولوية أكبر من مجاهدة الظلم والطغيان لتحرير الأمّة وعقيدتها. والجهاد ضدّ الظلم فرض كفاية ولكنّه يصبح فرض عين إذا لم يكن هناك من يقوم به.
والانعزال وسيلة دفاعيّة معروفة ضد العجز إذ لا يحبّ إنسان أن يشعر بالعجز أبدًا فيلجأ لأىّ عملٍ مهم، يصرفه عن الفعل الحقيقي الأهم، حتى يشعر بأنّ له قدرة، ولربما يبرّر به انصرافه وإحجامه.
وقد قيل: (ليس الفقيه من يعلم الصواب والخطأ ولكن الفقيه الحقيقي من يعلم خير الخيرين وشرّ الشرّين) وقد صاغها الإمام ابن تيمية تبياناً لمقاصد الشريعة فقال: (أنّ الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنّها ترجّح خير الخيرين وشرّ الشرّين، وتُحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما) والإمام المهدى رجّح بينهما ففوّت فاختار أعلاهما واختار شيوخ زمانه أدناهما وإن نصره أكثرهم حين حانت الفرصة.
صفات الإمام المهدى القياديّة، والقيادة تعتمد على السلوك أولاً ثمّ المهارة ثانياً، التي شملت الأمانة والتواضع، والشجاعة والثقة بالنفس، والتصميم وقوّة الإرادة، ووضوح الرؤية في المدى القريب، مع الكاريزما القوية، جعلته مميّزاً وجذّاباً في نظر النّاس. وهذه الصفات أعطت دافعاً قويّاً لقيادات من الطرق الصوفية للانضمام تحت لوائه عندما سنحت الفرصة لقتال الطغاة، حتى وإن اختلفوا معه في بعض الأشياء، ومنها مهديته، بعد أن كان معظم فعلهم هو الدراسة والذكر وقضاء حوائج الناس على نطاق ضيّق.
وقد اشتهر الإمام المهدى بتطبيقه لمبدأ (سيّد القوم خادمهم)، وهو مذهب جديد في فنّ القيادة يجد رواجاً في هذه الأيام. ولكن يجب أن ندرك أيضاً حاجة الإمام المهدى النفسية لخدمة الناس. فالذي جرّب الحرمان العاطفي لا يقاوم خدمة الناس، تعويضاً عن الفقد وإذكاءً لروحه المعنوية، خاصة إذا كانت خدمة الناس مقنّنة ومستحسنة في تعاليم الدين لنيل خيري الدنيا والآخرة.
هذه الطبيعة المساعدة الخدومة تسمى بالطبيعة القهرية لخدمة الناس، لكنّها في نفس الوقت لا تسمح لصاحبها بسؤال الناس لمساعدته في أمر شخصي، ممّا يعزّز استقلاليته، وينتج عن هذا السلوك عادة تعلّق الناس به لأنه زهد فيما عند الناس ولم يبخل بما عنده حسب وصية المصطفى صلى الله عليه وسلّم.
لقد نقل الإمام المهدى الفقه من مجالس العلم والذكر للحياة العامّة فبدلاً من التصدي للمشكلات الفردية كقضايا الزواج والورثة وقضاء حوائج الناس، حوّله للقضايا العامّة التي تصلح أو تفسد الأمّة كلّها ويكون أثرها أكبر.
إنّ أوّل ما يجلّى البصيرة هو امتلاك عقلٍ ناقد يرى الأشياء كما هي ولا يأخذها كمسلّمات يقينية وذلك يؤدّى للوعي النشط والرؤية الواضحة. والإمام المهدى لم يشكّك في تقوى شيوخه وإنّما لامهم على هنّات تنقص قدرهم في نظره وخالفهم في فهمهم لمفهوم التديّن وهو، في رأيه، تعلّق النّاس بهم وبالبدع على حساب التعلّق بالدين ممّا ساعد في طمس روحه الحقيقية بالقشور.
وهذا مثال لاستخدام التفكير التجريدي عند الإمام المهدى قصد به ترفيع وعى الناس وفهمهم لإدراك الحقائق المجرّدة الغيبيّة، كما هي رسالة السماء، لإبعادهم عن التفكير الصلب المادي الذي يتعلّق بالمشاهد والمحسوس على حساب الغيبي. وكما نعلم أنّ الحرص على الموجود يؤدّى للخوف من فقده لذا فقد آثر شيوخ الطرق الصوفية التّمسّك بما عندهم، حتّى ولو كان تقليداً، وفى هذا فقه أولويات له دعائمه وحججه. ولا يزال الناس مختلفين في كيفية الإصلاح أهي باستلام السلطة أم بتربية الناس؟ وفسحة العمل الإصلاحي واسعة من بداية التغيير باليد مروراً باللسان وانتهاءً بالقلب ويبدو أنّ الإمام المهدى قرّر إزالة المنكر باليد.
ولكن حتى يظهر لنا مذهب الإمام المهدي في مستقبل الأيام فهو قد قدّم نفسه كمفكّر مُجدِّد تجديداً جذرياً لا تجديداً تحسينيَّاً، فكان أن خيَّل له ذهنه أنَّه الوسيلة الوحيدة لبعث الدين وتحقيق صيرورته الأخيرة قبل يوم الدين بحيث يتمّ السلام العالمي الذي سيعقبه ظهور المسيخ الدجال وظهور السيد المسيح ليقتله.
وليفعل ذلك نسخ ما سبق من الإسلام، ما عدا القرآن المجيد، لإعادة دورة الإسلام كما بدأت وبدأ في تطبيقها باستخدام التفكير التذكّرى، وهو مرحلة تقع أسفل من التفكير التجريدي ولكنَّها أعلى من التفكير التردُّدي والانفعالي. ولكن تأثير حياة الحرمان تؤثّر في طريقة التفكير وليس في نوعه فقد يكون الإنسان تجريدي التفكير أو تذكّرى التفكير ولكنَّه لا يستطيع أن يتعامل مع هواجس الشك فيتّبع التفكير الانشقاقي الذي لا يري في الأشياء إلا اللون الأبيض والأسود، وهو نمط تفكير المتشددين المتطرفين في آرائهم أو تصرفاتهم وينعكس ذلك في سلوكهم تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين. وإذا تأملنا سلوك الإمام المهدي في عبادته نجد تطرّفاً أو إفراطاً في إظهار خشوعه ونجد مثالاً لذلك أيضاً في مظهره بالغ الخضوع والمسكنة عند زيارته لأستاذه محمد شريف نور الدائم.
هذا السلوك نهي عنه الرسول صلى الله عليه وسلَّم وسمّي هذا الإفراط في العبادة تنطّعاً وكان أشدّ ما يكون عليهم وقال فيهم: "ألا هلك المتنطعون"، وقال أيضاً: " إِنَّ هذا الدينَ متينٌ، فأوْغِلُوا فيه بِرِفْقٍ". فهذا السلوك غير سوي وينتج عن نوع التفكير الانشقاقي غير السوي ويستخدمه من يعاني من أمراض الاكتئاب أو القلق وأنواع العصاب.
والأسئلة العلمية الموجّه للذين يؤمنون بما قاله الإمام المهدي عن تلقيه الشريعة عن المصطفي صلى الله عليه وسلم هي كيف ينْهي الرسول صلى الله عنه وسلَّم عن سلوك أو خلق وهو يؤدي ما أمر الله به حتى فارق حياة الناس ثمّ يغيّر رأيه بعد ظهور الإمام المهدي ويبدأ شريعة جديدة؟ وكيف لا يعترض على سبي نساء المسلمين أو تكفير المسلمين وقتلهم وهو القائل: " كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ؟
وكيف لم يظهر قرآن جديد منزل إذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يحدّث الإمام المهدي مباشرة؟ وهل يحقّ تكفير وقتل المسلمين اليوم الذين لا يؤمنون بزعمه أو الذين رجعوا للأسانيد القديمة وتركوا شريعة الإمام المهدي المستحدثة؟ وما هو الفرق بين هذا التفكير الانشقاقي الذي سالت دماء المسلمين على أساسه والتفكير الانشقاقي لجماعة الدولة الإسلامية أو طالبان أو القاعدة أو الإخوان المسلمين أو الوهابيين؟
إن كان هناك فرق فيجب إعلانه وإن لم يكن هناك فرق فكيف نأمن بأسهم إذا تسلطوا على رقاب الناس كما فعلوا عندما كان الخليفة عبد الله التعايشي رجل الدولة الأوحد الذي فعل رجاله من الجهادية بالناس ما يفعله اليوم رجال المشير البشير بهم؟
وسنواصل إن اذن الله سبحانه وتعالي
ودمتم لأبى سلمى.