بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

القداسة هي الطُّهْرُ والبركة والإجلال والتبجيل. والسياسة هي نشاط الدولة أو هي جزء من محاولة الإنسان المستمرة لفهم نفسه ومحيطه، وعلاقاته مع الآخرين الذين يتعامل معهم وإدارة الاختلاف والنزاع. ويقولون السياسة لعبة قذرة لا أخلاق لها وبذلك فهي تختلف جذرياً عن القداسة التي ترتبط بالدين.
وهناك نوع آخر من القداسة يرتبط بالأشخاص وهي قداسة عقائدية دينية أو فكرية أو سياسية.

وقد تختلف درجة تقديس الشخص، فالبعض قد ينال تقديساً مطلقاً مثل آل الميرغني وأل المهدي في السودان، أو الخميني في إيران، أو البابا في الفاتيكان. ولكن هناك من ينال قداسة نسبية مثل الأستاذ محمّد أحمد محجوب، أو الرئيس إسماعيل الأزهري، أو الأستاذ محمود محمد طه، أو الأستاذ عبد الخالق محجوب، وغالباً ما تكون هذه القداسة نتيجة مقارنتهم مع المعاصرين لهم، أو المعاصرين لنا من السياسيين في الزهد والنزاهة، والمبادرة، والمهارة في التفكير والأداء، والموهبة. فتسمع مثلاً نريد وزير خارجية يماثل الأستاذ محمد أحمد محجوب والأستاذ جمال محمد أحمد والدكتور منصور خالد.

والقداسة والسياسة لا تجتمعان إلا إذا كان السياسي نبي يوحي له المولي عزّ وجل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " إنَّ بني إسرائيلَ كانت تسوسُهم الأنبياءُ كلَّما مات نَبيٌّ قام نَبيٌّ وإنَّه ليس بعدي نَبيٌّ". ونحن نعرف أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم في مسائل السياسة وإدارة شئون الأمّة في الحرب والسلم لم يخلط بين رأيه الشخصي والوحي المنزل إليه، أي أنّه يعرف الفرق بين السياسة العامة وبين سياسة المولي عز وجل للناس ولذلك رجع عن بعض آرائه أكثر من مرّة إذا أُوحي إليه أو قدّمت له المشورة.

ولكننا نجد في السودان شذوذاً لهذه القاعدة، فالإمام الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني يرأسان طائفتين دينيتين يقدسهما أتباعهما ولا يردّون لهما رأياً، أكثر ممّا فعل صحابة رسول الله معه، ويرأسان حزبين سياسيين حيث مجال الخطأ أكثر من الصواب.

هذا يجعل ولاءهما مُتنازع بين الطائفة وبين الوطن، وهو محض عبث لا منطق يسنده ويقوم على إرث تاريخي استخدم الدين ليعتلي عرش السياسة. مثل هذه الممارسة السياسية يجب أن تنال اهتمام الشباب وتصير محرّمة في دستور المستقبل.

والذين يقدسون الناس أُناس بدائيون يميلون للمثالية، فلا يرون في البشر إلا ملائكة أو شياطين فلا مكان للون الرمادي، والإنسان يرتقي أكثر من الملائكة ويسقط أسفل من الشياطين. وتسمع في هذه الأيام من يقول أنّ المشير البشير أخذ بفتوي الإمام مالك في قتل ثلث أو نصف الأمّة. هذا مثال واضح للقداسة التي يولّيها المسلمون للأمّة الذين لم يدّعونها لأنفسهم.

فلو افترضنا أنّ الإمام مالك أفتي بذلك فهي فتوي عالم يخطئ ويصيب، وليست بحديث رسول كريم، ويجب فهمها في سياقها الصحيح وعرضها على الكتاب والسنّة وفي هذا يقول:
" إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه".
والإمام أبو حنيفة يقول: " لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا". وهذا يعني لا يصح أن نجمّد عقولنا ونقبل ما نُقل إلينا من الأئّمة على أنّه الحقّ المبين. فالإمام مالك يربأ أن يقول ذلك وهو الذي رفض فرض الموطأ على الناس بطلب الخليفة المنصور خوف الفتنة وسفك دماء المسلمين، لأنّه يعرف الفرق بين الفقه والسلطة وأنّ الناس لا تترك ما تعتقده بسهولة، وأنّ السلطة أداة للقهر تسفك الدماء لتثبيت أركانها وتستخدم الدين في ذلك. والإمام الشافعي يقول:
" ليس أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم".
لا يجمّد عقله إلا من أراد استغلال الدين للدنيا فيُعمي الله بصيرته ويختم على قلبه وينزع منه الإنسانية.

ونسمع أيضاً من يقول أنّ الرئيس الجديد للسودان يجب أن يعمل بغير أجر، ويرون في ذلك منتهي التجرّد والكمال، وهو ضربٌ من التفكير المثالي السطحي المُضر، فالرسول صلى الله عليه وسلم فرض الله له خمس الغنائم، وكذلك ضُرب للخلفاء ما يكفيهم من بيت المال، منهم من أخذ منه القليل ومنهم من أخذ أكثر.

ويغيب عن هؤلاء أنّ السياسي بشر له أولاد يعولهم، وأنّه مثلهم حاجاته مثل حاجاتهم، ولكن له مسئولية أكبر، وتفتح عليه الدنيا بإغراء شياطينها، وعليه فيجب تحصينه ضدّ الفساد بعطاء مجز، كما يفعل أهل سنغافورة، والمسألة نسبية حسب البلد، وهم بذلك قلّلوا من فرصة فساده التي تُهدر البلايين كما رأينا في السودان. وأنا لم أسمع بشخص في وطننا قال لمُخدِّمه أنه لن يتقاضى راتباً عن عمله، أو أنّه سيعمل معه بأقلِّ راتب حتى يثبت له إخلاصه وأمانته؟

وقد سمعنا أنّ الدكتور مأمون حميدة لا يتقاضى راتباً عن عمله كوزير مثلاً وهو يستثمر في الصحة وهو وزير للصحة ودخله أعلى من دخل الوزارة بأكملها. ونسمع أنّ الأستاذ على عثمان محمد طه يتقاضى عشرة ملايين جنيهاً سودانياً في الشهر ثمّ يملك المزارع والقصور. أما كان الأسلم أن يرفض الدكتور مأمون حميدة الوظيفة وأن يجزي العطاء للأستاذ علي عثمان محمد طه، إن أحسن، حتى لا يتهمه أحد بالفساد؟

أيها الشباب لا تنظروا إلى كمال المسئولين الإنساني، فذلك مستحيل وغير مُستحب، ولكن ابتغوا الكفاءة واثقة بالنفس والأخلاق منهم، فإن أحسنوا فأوفوا لهم الميزان وإن أساؤوا فأقيموا لهم ميزان العدالة.

ودمتم لأبي سلمي