بسم الله الرحمن الرحيم
منشورات حزب الحكمة:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الفوضى تُعرّف سياسياً بغياب الحكم الذي يؤدي لاستتباب الفوضى في مجتمع ما. أمّا الفوضوية فتُعرّف على أنّها حالة جماعة لا رأس لها ولا سلطة تدير أمورها، والفوضوي هو مَنْ يُحْدِثُ الْبَلْبَلَةَ وَيُخِلُّ بِنِظَامِ الأُمُورِ، وَيُمَارِسُ الْفَوْضَى.

وقد كان السودان في حالة فوضى لما يقرب من الثلاثين عاماً لأنّ حكم القانون كان في حالة غياب، إذ أنّ غياب الحدود الفاصلة بين الحزب والحركة الإسلامية والحكومة أدي إلى تضارب القرارات، وفوضى سياسية ومؤسسية، لوجود حكومات مصغّرة متنافسة سرّاً ومتعاونة جهراً. لذلك تشطي الوطن وكثرت الحروب، ولم يبق له من أسباب البقاء إلا القليل الذي كان في طريقه للزوال.

وجاءت الثورة كردِّ فعل غريزي وطبيعي للبقاء بشعارات إنهاء حالة الفوضى وسيادة حالة النظام. والنظام يعني حكم القانون والمؤسسات لا حكم الأفراد، والتفكير في كيف يُحكم السودان لا من يحكم السودان حتى لا يكون ورثة بين الطامعين.

ولكن العجز الفكري المزمن، الذي ظلّ سيمة أهل السودان منذ قرون عديدة، أدّي إلى عجز قيادي ساد فيه النشطاء الحركيون، مدنيّون كانوا أو عسكريّون، الذين يغلّبون قيمة القوّة الخشنة على قيمة القوة الناعمة وقيمة التفكير الاختزالي لا قيمة التفكير التأملي والاستراتيجي.

ولذلك جنحوا للاستبداد الظاهر أثناء فترات الحكم العسكري، أو للاستبداد المُسْتتر اثناء ما يُسمّي بفترات الديموقراطية؛ إمّا بممارسة الحكم من خلال الأغلبية الميكانيكية للطوائف الدينية، أو من خلال التعاون مع العسكر كما فعل السيد عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني مع الرئيس إبراهيم عبود، أو ما فعل آل الميرغني وآل المهدي مع الرئيس جعفر النميري والمشير عمر البشير وما يحاولون اليوم فعله مع المجلس العسكري.

هذا العجز المتكرّر والإفلاس الفكري للنخب القائدة، وامتداد فترة الحكم الشمولي الأيديولوجي الظالم في فترة الإنقاذ، جعلت الجماهير تشعر بالغبن والضيق وتستعجل التغيير وتحقيق قيم العدالة الظاهرة التي تروي غليلها وتطفئ نار ثورتها فأدي إلى نشوء حالة من الفوضوية إذ بدأ المواطنون، في غياب الفعل السياسي أو ضعفه لقياداتهم، بتنصيب أنفسهم شرطة تعتقل، وقضاة يحاكمون، وحكومة تقتصّ وتدير البلاد.

إن حصيلة الفوضوية حرب أهلية لا محالة بحيث ينفرط عقد الأمن والوطن، وهذه الخلاصة أثبتها العلم وأثبتتها التجارب. والواجب الآن حثّ قيادات الشباب على الفعل الناجع لسدّ الفراغ السياسي بممارسة السياسة لا الغوغائية، أو التنحّي لمن يستطيع ذلك أو فسيجرفنا الطوفان.

ودمتم لأبي سلمي