اهداني صديقي الاثيــر الودود لنحـو خمسين عاما اسحق القاسم شداد المحـامي كتابه الجديـد " مشوار حياة ". الكتاب يؤرخ لسيرة الاحداث التي شهدها معاصرا واحيانا مشاركا في صناعة بعضها، ولمحات من سيرته الشخصية وتاريخ اسرته وعشيرته ثم المدن التي نشا وعاش طرفا من حياته فيها : بارا والابيض وام درمان.
ليس الكتاب سيرة ذاتية محضة عن المؤلف وحياتت الخاصة ولا هو تسجيل وتوثيق للاحداث والحوادث كما يفعل المؤرخون، انما هو مزج بين هذا وذاك سمته الغالبة الموازنة بين الخاص والعام. ويغلب علي مذكرات وذكريات اسحق طابع الحنين لما أسماه السودان القديم يعني سودان الخمسينات والستينات :
سودان جيله وجيلي، جيل الحنين للزمن الجميل. وتسري في هذه المذكرات نبرات وسعرات الحنين العاطفية سريان الدم في الشرايين.
وفي الكتاب رصد رصين وتسجيل امين للاحداث الوطنية الهامة خلال العقدين المشار اليهما، واستطراد مفيد وممتع في التفاصيل التي لا تمل. انها تفاصيل عن المدن الثلاث التي عاش فيها الكاتب سنوات طفولته وصباه وعز شبابه في كردفان وام درمان.
وان جاء هذا الرصد للحياة السياسية ومراحل الحركة الوطنية ( ام درمان)، والاقتصاد والتجارة( الابيض) ، وعن الحياة الاجتماعية( بارا) في كبسولات فانه المختصر المفيد علي هامش الاحداث الكبري الني شهدها المؤلف والشخصيات الهامة الني عرفها وعاصرها.
امعنت النظر عند القراءة الثانية للكتاب في ماكتب اسحق عن الحركة السياسية الطلابية في جامعة الخرطوم زمان الستينات حيث عرفته وتعارفنا لاول مرة في رحابها ( الجميلة ومستحيلة!). كان اسحق وشخصي من المبادرين لتوحيد وتنظيم القوي الفكرية والسياسية الثالثة نداً لتنظيمي اليسار الجبهة الديمقراطية والشيوعين في جانب والاتجاه الاسلامي والاخوان في الجانب الاخر ، وكبحاً لجموح التطرف وتعبيرا عن الاغلبية الصامتة.
شرعنا معا في رفقة ثلة من قادة المستقلين لتوحيد تنظيمات الوسط السياسي والانصهار في تنظيم المؤتمر الديمقراطي الاشتراكي وقد استوفاه اسحق شرحا وابانة في بضع صفحات من مذكراته. الا انه للمفارقة استقال منه بعد عام واحد من قيامه وهو من مؤسسيه وقادته الاوائل... لماذا ؟؟
لم يخرج اسحق شداد علي ميثاق المؤتمر الديمقراطي ولا من التنظيم لخلاف حول المبادئ او اختلاف في الراي ولا لماخذ علي التجربة والممارسة فقد رشحناه وفاز ضمن قائمة الموتمر في انتخابات الاتحاد لعام 1962 لعضوية المجلس الاربعيني.... برلمان الاتحاد ؟
استقال اسحق استجابة لنداء داخلي ايقظ عقله السياسي وأحيا وجدانه العروبي/ العربي اثر انهيار اول تجربة للوحدة العربية بين مصر وسوريا ليؤسس مع صديق عمره و رفيق دربه المهني الصادق الشامي - رحمه الله - واخرين اول حركة وتنظيم طالبي سوداني باسم الجبهة العربية الاشتركية. وهنا يبدأ النصف الثاني من مذكرات اسحق الذي خصصه لسيرته السياسية في صف العروبة والوحدة العربية وسيرته المهنية في سلك المحاماة والعمل النقابي السوداني والعربي اضافة لنشاطه في منظمات المجتمع المدني مدافعا عن حقوق الانسان.
ختاما احسب ان هناك من زملاء اسحق شداد وقارئي هذا السفر القيم من هم اقرب مني اليه واقدر لتناول هذا النصف الثاني من المذكرات والذكريات بالتعقيب والتقييم.
هنيئا لك ايها الصديق العزيز فهذا الكتاب اضافة ثرية منعشة للمكتبة السودانية في ادب المذكرات والذكريات عن جيلنا ولجيل الشباب المعاصر تذكرة وقدوة وعن زماننا عطفا علي زمانهم املا وتفاؤلا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.