اعادة قراءة التاريخ تحت اضواء الحاضر:

عكفت لبضع أسابيع من محبسي الكروني علي نبش اوراقي القديمة وقد اصفر بعضها واهتري ، واستنهاض ذاكرتي العتيقة وقد بليت ، فعثرت مصادفة ومفاجأة عَلِي محضر بخط اليد عن حوار سياسي بين زعماء وروءساء أحزابنا التاريخية حول ما سمي آنذاك " مشكلة الجنوب "....جنوب السودان .
جري الحوار مساء الأحد ٣١ يناير ١٩٦٥( قبيل مؤتمر المائدة المستديرة في مارس ذات العام )في دار / نادي اساتذة جامعة الخرطوم وبدعوة من مجموعة منهم . انتدبت المجموعة الدكتور عبد الوهاب عبد الرحيم المبارك أستاذ التاريخ الحديث لإدارة الحوار .
ما يلي بعض النصوص نوردها كما جاءت في المحضر لاطلاع من يرغب من المؤرخين واساتذة العلوم السياسية والمعلقين لإعادة القراءة في ضوء اتفاقيتي أديس أبابا ١٩٧٢ و نيفاشا عام ٢٠٠٥ ، والمواقف والمتغيرات المعاصرة ، وقد تحولت المسالة من مجرد مشكلة الي حرب أهلية ومحنة وطنية انتهت الي تقسيم السودان لسودانيين شمالي وجنوبي .

اسماعيل الأزهري ( الوطني الاتحادي ) : " أنا لا أخشي من تقرير المصير للجنوبيين وأري ان أعطوا ذلك سيطالبون بالوضع القائم لحمايتهم من المتمردين. أنا استبعد ان يطالب الجنوبيون بحق تقرير المصير ...الجنوبيون لن يطالبوا بشيء غير عملي وسيتركون الفيدريشن والانفصال. ولكن اذا طالبوا بتقرير المصير اري ان نعطيهم ذلك .
" كثير من مديريات السودان أقاليم نطبق عليها نظام إقليمي لا يقتصر علي الجنوب وحده وعلينا ان نخطط لهذا الحكم الإقليمي العام حتي لا يفاجاننا شرق السودان او غربه . ولكن يجب الا نتوسع في الحكم الإقليمي الي درجة القبائل او تعميق اختلاف اللغات . نضع النظام الذي يتفق مع احتياجات السودان وتوحيد الأمن والدفاع والسياسة التعليمية . "

علي عبد الرحمن ( حزب الشعب الديمقراطي ) : " أعارض حق تقرير المصير ولا نقبل بالانفصال ولا الفيدريشن . الجنوبيون لا يعبرون عن اراءيهم الأصلية فهم مرتبطون ارتباطا شديدا بالعناصر التي اثارت الاضطرابات والكنيسة ، وهم متنقلون خارج السودان وعلي صلة باصدقاءهم . تقرير المصير يقود للانفصال .
الحل هو إصلاح وتطوير الجنوب وإشباع طموح الجنوبيين بالوظائف في الحكومة المركزية والجنوب والبعثات .....وحكم ارفع من حكم محلي وأقل من حكم ذاتي . اَي حل اخر مثل الفيدريشن او الانفصال يهدد مناطق اخري كالغرب او الشرق الذين يحسبون ان اهتمامنا بالجنوب لانه قام بثورة : مؤتمر البجة وجبهة دارفور . "

عبد إلخاق محجوب ( السكرتير العام للحزب الشيوعي ) : " كيف السبيل الي الوحدة ؟ جربنا العمل باعتبارنا دولة ذات قومية واحدة فاتضح انها ليست الحل المناسب . لابد إذن من نظام جديد. يضع في اعتباره ان السودان ليس قومية واحدة ولكنها قوميات متعددة .
" الحكم الإقليمي قد يكون خطوة نحو الانفصال او الوحدة . المشكلة كيف تستجيب الحركة السياسية للجنوبيين وتوحدهم وإذا لم تسعي الأحزاب الشمالية لتوحيد الجنوبيين وعزل الاتجاهات الانفصالية فان اَي قدر من الحكم المحلي يوءدي للانفصال. . "

الصادق المهدي ( حزب الأمة ) : " المشكلة تمثل فشل قومي عام بالنسبة لنا كسودانيين . أرجو الرجوع الي كتيب اصدرته عن مطالب الجنوبيين : يجب ان نستبعد الفيدريشن والانفصال . الجنوب مختلف بتعددالقبايل واختلاف جغرافي ، ونفوذ ديني . التنظيمات الان في العالم متجهة لتركيز السلطة . حل المشكلة يكون بازالة الفوارق الاقتصادية .
" نطبق حكم إقليمي بحدود ...بشروط حتي لا يتدهور لقبلية . يبقي الأمن والجيش ، السياسة الخارجية والداخلية ، والتعليم والاقتصاد مركزيا . "

عثمان خالد ( جبهة الميثاق الاسلامي ) : " نرفض الانفصال للاسباب التي ذكرت : سوف يخلق دولة معادية ومشاكل حدود. الفيدريشن يعرض الجنوب للانفصال وخطورته في الاستقلال الثقافي - اللغة الانجليزية ، وربط الجنوب بالغرب والعالم المسيحي ، وعزله عن فلك السودان وافريقيا والعرب .
" الحل : دولة موحدة تحكم حكم مباشر من الخرطوم لن يقبلها الجنوبيون . الحكم الإقليمي مناسب اذا جاء بصورة تحفظ لهم حقوقهم . اقل ما نقبله هو ان يمنح الجنوبيون في الجنوب كل السلطات المتعلقة بالحكم المحلي وإرضاء طموحهم بالوظائف حسب الكفاءة والابتعاث. "

هامش :
* دعت مجموعة اساتذة من جامعة الخرطوم لذلك الحوار للاستعانة بما جاء فيه في إعداد دراسة عن " مشكلة الجنوب " تقدم لمؤتمر المائدة. المستديرة وهذا ما ورد في مقدمة المحضر .
* غاب عن اللقاء لسبب او اخر الدكتور حسن الترابي زعيم جبهة الميثاق الاسلامي وحل مكانه عتمان خالد مضوي احد قادة الجبهة .
* لم يشارك جنوبيون في اللقاء والحوار .
د. حسن عابدين
أستاذ التاريخ الأفريقي بجامعة الخرطوم
( سابقا ) سبتمبر ٢٠٢٠
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.