الأستاذ الروائي السوداني الكبير، إبراهيم إسحاق إبراهيم، (آيقونة دارفور الثقافية)، يتلقى الآن العلاج بالهند، إثر سقوطٍ أحدث إصابة كبيرة في رأسه، وهو الآن يتعافى، تحيطه دعوات أهله وأصدقائه ومحبيه وقرائه وتلاميذه، خارج وداخل السودان. نسأل الله أن يعجل بشفائه ويعيده سالماً معافى، ولابد هنا أن نشيد بمساهمة شركة زين للهاتف السيار، وأصدقاء ومعارف الأستاذ داخل السودان وفي المهاجر، وبخاصة الذين أسهموا في تكاليف العلاج، وبالسؤال والاستفسار عن صحته ومتابعة حالته، والدعاء له، وما زالوا.

هذه ورقة كتبت في تكريمه قبل أعوام خلت، ننشرها هنا في حلقتين، مع دعواتنا أن يسبغ الله على أديبنا الكبير ثوب الصحة والعافية

شوقار الخريف الّليِّن

(.. يا منجوهة، يا عايبة، يا فتّاشة تقول منخاس. زي السحاب حايمة، ما بتقعدي في الوطا.. لمّن داهو عرب الخلا شافو ولادتك...) ابراهيم اسحاق" الحلول عند القيزان 17

أبو الشمقمق:
لم يكن حدثا عاديا لتلامذة السنة الأولى بمدرسة الفاشر الأهلية الوسطى من شهر أغسطس عام 1960م. ففي عصر ذلك اليوم كان عليهم للمرة الأولى حضور الجمعية الأدبية بالمدرسة، تلك كانت من الأمور المدهشة لنا والتي كنا نتوق إليها بشغف واستغراب، فهنالك الكشافة بزيها وطوابيرها، ودراسة اللغة الإنجليزية، والتعرف على أمبو وبمبو (وأيام سيتنق آب Sitting up وأيام استاندنق داون) Standing down !!.

في الساحة الشرقية أمام فصل السنة الأولى شمال مكتب المدرسين الشرقي كان الأستاذ محمد عبدالكريم، المشرف على الجمعية، جالسا على كرسي غير بعيد. أما نحن، فقد جلسنا على الأرض، أكثر من ستين تلميذا من مختلف الفصول وأمامنا منضدة أحد الأساتذة جلس عليها الطيب عبدالمجيد، طالب بالسنة الرابعة. رئيس الجمعية، وعلى يمينه هارون أبو بكر من نفس الصف، سكرتيرا. كانت كلمة سكرتير جديدة علينا ولم نستوعبها، وفي الخلف، من جهة اليمين كانت السبورة منصوبة وعليها التاريخ الهجري والميلادي، ثم في منتصف السطر التالي كلمة واحدة هي (لبرنامج)! لم نتعرف على معناها بعد. ثم الأرقام, (كل رقم في سطر)،1- القرآن الكريم 2- الوقائع 3- نشيد من تلاميذ السنة الأولى 4- كلمة المشرف 5- أبو الشمقمق 6- حكم وأمثال 7- قصة قصيرة 8- نشيد 9- …10- الختام.

... كلمة عن أبي الشمقمق يلقيها الطالب إبراهيم اسحق، هكذا قدمه رئيس الجمعية. انفجر التلاميذ ضاحكين عند سماعهم أبا الشمقمق فهو غريب الجرس, هل هو قرد أم لعبة، أم خرافة من الخرافات؟ لم نتوقف عن الضحك والهرج إلا بعد أن زجرنا الأستاذ. صعد الطالب إبراهيم اسحق، وكان ضئيل الحجم مثلنا، لا ينبئ أنه في السنة الرابعة. صعد إلى حيث جلس على الكرسي وبدأ يقرأ من ورقته التي أعدها يحدثنا عن أبي الشمقمق وحكاياه. منذ تلك الأمسية صار لقبه عندنا هو أبو الشمقمق. ما رأينا إبراهيم ألا تذكرنا أبا الشمقمق!!.

عندما يتحدث تلميذ بالمدرسة المتوسطة في نحو الرابعة عشر من عمره عن أبي الشمقمق، فسيستطيع المتأمل أن يسبر أغوار ثقافة هذا التلميذ و اهتماماته منذ تلك السن المبكرة، ولأنباه حدسه من أية بيئة ثقافية خلفها معرفة وافية بالتراث العربي تنشّأ هذا الفتى، ذلك أنه وحتى اليوم فإن قلة من المهتمين هي التي تعرف عن مروان بن محمد (ابي الشمقمق)، ربما عبر معاصريه من أمثال أبي العتاهية وأبي نواس وبشار بن برد. أقول لا بد من بيئة ثقافية تسمح لمثل تلك البذرة أن تزدهر وتنمو، فكيف كانت بيئته الثقافية آنئذ؟

المشهد الثقافي للفاشر عام 1960
على بعد بضع وسبعين كيلومترا جنوب شرق الفاشر، تقع قرية ودعة الوادعة عند المصب الأخير لوادي ساق النعام حيث أقام الأهالي سدا يروضون به الوادي في رحلته الأخيرة يسقون به زراعتهم. الوادي والسد جعلهما إبراهيم بعدئذ مسرحا لروايته الأولى (حدث في قرية). بين الخلوة والمدرسة الصغرى انتقل إلى مدرسة الفاشر الأولية المزدوجة، لعام واحد، قادماً من مدرسة قريته الصغرى ( (Sub grade امتحن بعدها و قبل بمدرسة الفاشر الأهلية الوسطى.

من المشهور عن الفاشر أنها مدينة العلم وحاضرة سلطنة الفور حتى سقوطها، وحتى عندما قهرها الاحتلال (1916 – 1956)، فما زالت مدارسها القرآنية تمارس دورها العلمي دون تدخل يذكر. وعندما شيدت بعض المدارس مثل المدرسة الأولية المزدوجة وبعدها المدرسة الأولية الشمالية، فإن المدارس الصغرى كان منتشرة حتى في القرى، إضافة إلى الخلاوى التي كانت لا تقتصر على تحفيظ القرآن فحسب، وإنما تعلم أيضاً الحساب وبعض علوم الفقه. كانت هنالك خلاوى مشهودة مثل خلوة الإمام عبدالماجد، وخلوة الفكي سليمان وخلوة الفكي عبدالمجيد نور الدين والفكي عبدالله البنحاوي وخلوة حي التجانية ، وخلوة الفكي حميدة وخلوة الفكي بشير وخلوة جامع الفيزان،و بعض المدارس الصغرى، وكثير غيرها. كان هنالك معهد الفاشر العلمي العريق، حيث يلتحق الكثير من طلابها بعدئذٍ بالأزهر الشريف وجامعات مصر، والمدرسة الأهلية الوسطى والتي بناها الأهالي عام 1945م والمدرسة الأميرية الوسطى، إضافة إلى مدرسة كمبوني و التي بدأت في كنيسة الفاشر لبعض الوقت ثم لم تستمر طويلاً. وفي عام 1960 تم افتتاح مدرسة الفاشر الثانوية.

كانت في المدينة مكتبات عامرة تأتيها الكتب مباشرة من بيروت والقاهرة ، مثل مكتبة حسين عبود ومكتبة عبدالله الكتبي ومكتبة النهضة ومكتبة الجماهير وفيها كانت كتب مارون عبود وجبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، وكتب دار العودة ودواوين أيليا أبو ماضي، والياس فرحات، ونزار قباني. كانت هنالك مجلة الآداب والطليعة والحوادث وكانت تأتي من مصر مجلات الهلال والمختار من ريدرز دايجست و المصور وآخر ساعة والاثنين وروزاليوسف وصباح الخير، وروايات إحسان عبدالقدوس، والسباعي، ونجيب محفوظ. تتنافس في ذلك مكتبة النهضة ومكتبة الجماهير الثقافية. كانت مكتبة الشيخ الصالح عبدالله الكتبي (والد المذيع المعروف محمد الكبير الكتبي)، المعروفة بتخصصها في كتب علوم الدين والفقه واللغة العربية، يقصدها طلاب المعهد العلمي وشيوخها وعلماؤها. وكان ثمة أنواع أخرى من الكتب من منشورات مصطفى البابي الحلبي وغيرهم، والتي تباع في أكشاك ومحلات عديدة، مثل قرة العيون ومفرح القلب المحزون والحصن الحصين وأبو زيد الهلالي، وعنترة، ومتن العشماوي و ابن الجزري، وفصوص الحكم، والأجرومية و السيرة النبوية، وبعض دواوين الشعر، ذات الطبعات الرخيصة و الورق الأصفر، وبعض الكتب ذات الخط المغربي و الرموز الغريبة، منتشرة عند بعض الباعة القادمين من غرب افريقيا. كانت الأندية الرياضية، المريخ و الهلال والأهلي والاستبالية، تقوم إضافة لنشاطها الرياضي بنشاط ثقافي و مسرحي يقوم بها الرياضيون من الطلاب و التجار و أصحاب الحرف، وخاصة ابناء الفاشر الذين يدرسون في حنتوب وبورسودان وخورطقت ووادي سيدنا، حيث كانت إجازاتهم مهرجانات ثقافية ورياضية عامرة وبهيجة. كانت الأندية رياضية وثقافية بحق، وكان الطلاب الذين يدرسون في مصر( الأزهر ودار العلوم و عين شمس)، يقيمون المحاضرات الثقافية و يحركون النشاط السياسي في المدينة وقتذاك. كان هنالك نادي الفاشر والذي بناه الأهالي أيضا ويحوي ملعبا للتنس ومسرحا ضخما وسيعا على الجانب الشمالي منه، أما الجزء الجنوبي فيضم مباني الأنشطة الاجتماعية والثقافية الأخرى، كالمكتبة وأماكن للعب الورق وتنس الطاولة والدومينو والطاولة ..الخ، كما كان هنالك نادٍ للعمال، جنوب شرق السوق الجديد. كان، كأنه شرط لازم أن يضم كل نادٍ مكتبةً مسؤولٌ عنها أمين من إدارة النادي. كان بالمدينة ملعبان للاسكواش. وملاعب للتنس في معسكر الجيش و بعض المدارس والأندية، وملاعب للسلة وكان هنالك نادٍ للصبيان، إضافة إلى دار ضخمة للسينما، حلت محل سينما نصار المتجولة. كانت هنالك المظاهرات التي يسيرها طلاب المدرسة الثانوية في كل عام يقام في نقعة الفاشر احتفال بثورة نوفمبر، فتطاردهم الشرطة، ويحتمون ببيوت الأهالي فلا تجرؤ الشرطة على ملاحقتهم.

كان ذلكم هو مشهد المدينة بعد أربعة أعوام من استقلال السودان حيث شارك أهلها بحرق العلم الإنجليزي للمرة الأولى ، ذلك الحدث المشهود الذي سارت به الركبان .

رواية حدث في قرية:
تم قبول إبراهيم اسحق بمدرسة الأحفاد الثانوية بأم درمان فانقطعت أخباره عنا، بعدها تخرج من معهد المعلمين العالي (كلية التربية بجامعة الخرطوم) أستاذا للغة الإنجليزية وخلال دراسته بالاحفاد تفتقت عبقريته في الكتابة، فلقد كانت مدرسة الأحفاد غنية بحق. فمن أساتذتها، عبدالله الشيخ البشير، ويوسف بدري، عبد الله البنا، علي عبد الله يعقوب، موسى المبارك، محمد الجاك عامر وعلماء مرموقون عديدون. وكان طلابها يشاركون في المناشط الثقافية والصحف بشكل لافت في حين كان أقرانهم في الأهلية أم درمان ومدارس الخرطوم أقل مشاركة آنذاك في المناحي الثقافية العامة، و أكثر عناية بالمقررات المدرسية، هكذا حدثني ابراهيم.

ونحن في سنواتنا الأولى في الجامعة نشرت رواية (حدث في قرية) عام 1969م في طباعة ببروتيه أنيقة ضمن عدة أعمال قام بها القطاع المسؤول عن الثقافة والنشر بإحدى وزارات الحكومة في نهايات العهد الديمقراطي الثاني ضمن أعمال قليلة مختارة.

وإذن فلم تكن مصادفة أن يتم اختيار رواية حدث في قرية ضمن تلك الأعمال القليلة التي انتخبت، ليتم نشرها وطباعتها في بيروت، ذلك أن اللجنة كانت تضم أدباء مرموقين ممن لهم إسهام مشهود ورؤية نقدية بصيرة، كالمرحوم عبدالله حامد الأمين والدكتور عبدالله علي إبراهيم أمد الله في عمره وآخرين، ولا بد أنهم أدركوا التمايز والجدة والمقدرة الفنية العالية في تلك الرواية عندما أجازوها للنشر، رغم لغتها غير المعتادة والتي قد تبدو عسيرة لأول وهلة.

الصدمة:
عندما صارت الرواية في أيدينا نحن ابناء دارفور، كنا أقل الناس احتفاءً بها، و للأمانة، فإنه يمكن القول بأنها كانت صدمة للكثيرين منا، و تبرأ بعضنا منها كأنها معرَّة! لم ننتبه إلى فنياتها و لا إلى غناها ولا إلى لغتها المدهشة. لا، بل أكثر ما أثار حنقنا، تحديداً، هي لغة الحوار فيها. ذلك أن اللغة العربية الدارجة في دارفور، وتحديدا في بعض البيئات التي لم تتلق حظا من التعليم، كان مما نشَّؤُونا على النفور منها نفوراً سافرا،ً لذا فقد كان استفزازاً مباشرا لناً أن نراها موثقةً في كتاب ! لم ينشأ هذا الحنق وهذا الغيظ من غير مسوّغ، و لفهم الأسباب، ينبغي إدراك ما يلي:
دارفور تضم داخلها عشرات القبائل، وأغلب هذه القبائل لا تتحدث العربية، وإنما لها رطانتها التي تميزها و لسانها غير العربي. و لأن أغلبها تدين بالإسلام، فقد كانت العربية هي لغة الدين و العلم و التواصل بين القبائل، و لقد شجع سلاطين دارفور تعليم اللغة و جلب العلماء من مختلف الأمصار، و بالخصوص، المغرب العربي، فصارت الفاشر العاصمة الحضارية لتلك السلطنة حيث ازدهرت فيها المساجد و مؤسسات التعليم فبلغت شاوا بعيداً، و لأن العربية هي لغة القرآن و الحضارة و الثقافة السائدة الغالبة، فقد عني بالإهتمام بها عناية فائقة. و يتعجب المرء إذا تيسر له أن يرى عن كثب، كيف تتحايل و تخترع هذه القبائل من الوسائل المدهشة في سبيل اتقان هذه اللغة، وخاصة فيما يتعلق بالقرآن وحفظه، إلى درجة أن يخبرك تلميذ منهم، على سبيل المثال، كم مرة وردت في القرآن لفظ "أن"َّ وكم لفظ "إن"، وما هي الآيات التي تبدأ بلفظ" و لقد"، وفي أي السور، وكم مرة ورد لفظ الجلالة مجرورا، وذلك عبر رموز يكتبونها في أسفل اللوح يسمونها حبالاً! و مع ذلك فستجد أن في لسانهم بعض عجمة، وأن بعض مخارج الحروف عسيرة عليهم وتحتاج بعضها إلى دربة. ولأن مدينة الفاشر هي عاصمة الثقافة فكان الحرص على سلامة اللغة يتم تعهدها وسط الطلاب و التلاميذ، الذين يفدون من كل أنحاء السلطنة ومن مختلف القبائل قادمين برطاناتهم وأساليب نطقهم، مما يستوجب قدراً ضرورياً من الصرامة حتى تستقيم ألسنتهم، سيما وأن أكثر القادمين من القرى، تتراطن و لا يتم استعمال العربية إلا عند أداء المناسك أو التعامل مع القبائل الأخرى. لذا فقد نشأت في الفاشر لغة هي أقرب للفصاحة ، يحرص المعلمون على أن يتجنب التلاميذ لغة العامة، وخاصة لهجة وطريقة أهل القرى، سكان القيزان أو (القوَّازة) كما يسميهم أهل الفاشر، لذا كان مصدراً للسخرية كل من يتحدث بعبارات (القوازة) باعتباره شخصٌ جاهلٌ غير متحضر. تغذي هذه النزعة الوالدة في المنزل، والأب، والمدرس والأخ الأكبر، بل والشارع داخل المدينة. ومع الزمن فقد نشأ حاجز من النفور ضد تلك اللهجة الدارجة في أوساط المتعلمين من ابناء الفاشر، أعماهم عن تفحصها وإدراك غناها و مقدرتها الفائقة على التعبير. فإذا أضفنا إلى ما تقدم، المكانة السامية التي تحتلها الكلمة المطبوعة في وجدان أهل الفاشر باعتبارها اصفى و انقى صور التعبير، فذلك ما قد استقر في الوجدان في بيئة تجل الكتاب، وتعنى به غاية العناية، و إذن فلم يكن من اليسير تقبل تلك الصدمة دفعة واحدة، بأن نرى ما تربينا على ازدرائه مطبوعاً في كتاب!!. بدا لنا أن هذا الكتاب (الرواية) يفضح كل ما جهدنا أن نحاربه و نتعالى عليه! كأننا كنا نريد أن نقول إن هذا الكتاب يسيء إلينا ونحن لا نتحدث هكذا!!

الذائقة الرفيعة
غيرأن فتىً نابهاً من ابناء دارفور، حباه الله ذائقةً رفيعة وناضجة، رأى في الرواية عند صدورها، فتحاً جديداً في الروايات. انتبه إليها بحسه الناقد و تبين له مكمن الجمال و الابداع فيها فاحتفى بها أي احتفاء، وجرد قلمه الفصيح منافحاً عنها، مستجلياً جمال السبك و روعة الحوار و حيوية اللغة غير المألوفة في أوساط متعاطي ثقافة تلك الأيام. ذلك هو الآستاذ شمو إبراهيم شمو، أحد أبرز أبناء دارفور، و اكثرهم عنايةً بتراثها، والمسحور أبداً باسلوب أهلها في التعبير. كان يومذاك في أواخر دراسته الجامعية في كلية الآداب جامعة الخرطوم، ولقد سجل شمو مقالات نقدية للرواية تعد، و حتى اليوم، من اعمق الدراسات النقدية التي تناولت رواية (حدث في قرية)، و رواية (أعمال الليل و البلدة).
و تتالت الدراسات و المقالات النقدية عن الرواية، وبينما ركزت بعضها في غموض اللغة و عسرها، كان آخرون، يدافعون عن تيار الرواية الجديدة و لغتها، و أساليبها. و من حسن الحظ، في تلك الأيام، و عقب ثورة اكتوبر فقد برز تيار ثقافي في السودان يحمل لواءها جماعة "أبا دماك" و أهل التيار الاشتراكي، يحتفي بالتعبير باللغة العامية، و خاصة في مجال الرواية والقصة القصيرة و لغة السرد و الشعر، ولذا فقد وجدت تلك اللهجة في الرواية من الأنصار ما حيّد به الفئة التي ترى في التعبير بغير الفصحى خروجا عن قواعد الإجادة والقدرة، أو هو صنو الإخفاق و العجز! أقول من حسن الحظ لأنه لو لم تكن تلك الظروف مواتية، لما أجازتها اللجنة لتطبع، كما أن اختيار اللجنة ذاتها جاء من عناصر و في ظروف و متغيرات سياسية مواتية. عندئذٍ انتبه المثقفون من ابناء دار فور إلى ما بين أيديهم، و عندما صدرت الرواية الثانية (أعمال الليل و البلدة) كان الانطباع جد مختلف، واكثر قبولاً وترحابا، بل تجلى للكثيرين مكامن الجمال في اللغة والسرد و بدا الاحتفاء الحقيقي بالروائي ابراهيم اسحق.

في رفقة الشاعر الإنسان النبيل:
توطدت صلة ابراهيم بالنور عثمان ابكر، حين نقل الأخير رئيساً لشعبة اللغة الانجليزية بمدرسة محمد حسين الثانوية حيث كان يعمل ابراهيم آنذاك. قبلها كان ابراهيم قد التقى بالنور في الندوة الأدبية التي كان يديرها في منزله كل جمعة، الاستاذ المرحوم عبد الله حامد الأمين. كان النور في تلك الفترة محرراً للصفحة الأدبية بجريدة الأيام وكانت في أوج ازدهارها.

بعدئذذٍ توطدت الصلة فخلال تلك الفترة نشرت الرواية الثانية لإبراهيم (أعمال الليل و البلدة)، كما نشرت له عدة مقالات في الصحافة. وهكذا جمع كليهما اهتمام واحد، ضاقت المدرسة بنقاشهما واتسعت الدائرة وانتقل الحوار و الاهتمام إلى منزل النور.

كان النور نعمة كبرى على كثير من الأدباء الشباب في ذلك الوقت الجميل من بداية السبعينات. فأضافة إلى المنبر النقدي الذي يوفره للموهوبين وجلسات الاستماع والحوار المثمر الذي يتهيأ لهم في ابراز ابداعهم، كانت مكتبته الغنية لايبخل بها على أحد يلتزم باحترام الكتاب و إعادته. و كعادته فهو صارم مع بعض و متساهل مع الآخر وفق مقتضيات الحال. و كان كريماً إلى أبعد الحدود ونبيلاً إلى حد مدهش، ومتسامحاً و منفتحاً، وحسه النقدي لا يخيب. بيته مفتوح لأصحابه في كل وقت. وهكذا بدا بديهياً أن تتوثق المودة ، فقد كان النور مفتونا بقدرات ابراهيم و إمكاناته الروائية، كان للنور القدرة في الصبر على لغة الحوار والألفاظ "الدارفورية" التي تطرق اسماعه للمرة الأولى، وافتتاح مغاليقها، ومن شدة ولعه بذلك زار الفاشر و استمع و خالط الناس هنالك مما يسر له الأقتراب أكثر من عالم ابراهيم والدائرة التي تحيط بأحداث و شخوص رواياته، فازداد افتتاناً وصار اكثر النقاد عمقاً في معرفة أعمال ابراهيم و مزاجه. كان النور يقول لي أنه ينتظر اليوم الذي يدخل فيه شخوص ابراهيم المدينة وينالون قدرا من التعليم وينتظر بفارغ الصبر كيف يتكلمون حينذاك!! وليس غريباً أن تجد لدى النور الكثير من أصول أعمال إبراهيم الروائية و القصصية، ربما لم يحتفظ بها حتى ابراهيم نفسه. وهكذا حين يتعذر لدى ابراهيم العثور على بعض نصوصه، فإن أول ما يستنجد به في الكربات ، هو النور وحقيبة أوراقه التي كجراب الحاوي، يستخرج لك منه ما لا يخطر على بال!

النور وإبراهيم ما زالا على صلة رغم المسافات( النور في الدوحة و ابراهيم في الرياض)، وما يفتأ ابراهيم يلهج بذكر النور، وأثره على النطاق الشخصي و الابداعي، ولم يكن حين أهداه روايته ( أخبار البنت ميا كايا) ، إلا عرفان منه ببعض جميله وتعبيرا للمحبة والوفاء، فكلاهما يكن للآخر الود والاحترام العميق.

عثة الكتب (The Book worm):
الذين التحقوا بالمدارس من الخلوة بينهم وأقرانهم شأو بعيد، خاصة فيما يتعلق بالقراءة و الكتابة. ولأنهم يدرسون صباحا و ظهراً و عشاءً، فمجال اللعب لديهم جد محدود، و أقل هؤلاء حظاً من كان ذووهم هم أهل الخلوة، أو المعلمون فيها، عندئذٍ تتضاعف أعباؤهم، وعقوبتهم أنكى إذا ما تقاعسوا أو تراخوا في التحصيل. أمام جفاف حياة الطفولة هذه، المحظوظون منهم يجدون كتباً، ربما في السيرة أو الأخبار، وبعض التفاسير سواء في المنزل أو الخلوة، وعندئذٍ فالعثور على شيءٍ كهذا كالعثور على كنز! ينفتح أمام الطفل عالم من السحر والاكتشاف في تلك السن المبكرة، و مجال للمتعة ينسيه عن أي حرمان يعانيه من اللعب و معايشة طفولته، و يسلم من أي انتقاد أو توبيخ طالما ظل و في يده كتاب، حتى و إن كان الكتاب قد لا يلائم سنه! مشهد تتباهى به الوالدة، و يشجعه الأب، ويلاقي الاعجاب و التشجيع من الجميع.

مدرسة الفاشر الأهلية الوسطى في أواخر الخمسينات و أوائل الستينات، كانت بها مكتبة زاخرة، تحوي كتباً عديدة باللغة العربية و الانجليزية. قرأ ابراهيم الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني تجريد ابن واصل، و الكثير مما تضمنته تلك المكتبة، وكان مما يعاقب عليه الطالب، إذا تم ضبطه وهو يقرأ إحدى روايات الجيب، و قد كانت آنذاك منتشرة و رخيصة، ذاك لم يمنعنا من قراءة الكثير منها، و خاصة روايات اللص الظريف أرسين لوبين و التنافس في كثرة القراءة. ولتلامذة حرموا من الكثير من متع الطفولة، سواءً في القرية أو المدينة، فقد كان الكتاب، هو اللهو المباح والسمير و النجي و الملاذ الآمن و وغاية المتعة.

وهكذا فإنك لا ترى إبراهيم على حالٍ ما، إلا و رأيت وفي يده كتاب وقلم رصاص. من الطريف أن وجود القلم مع الكتاب لدى ابراهيم هو أكثر تلازماً من القلم و الورقة! ابراهيم يقرأ بقلم الرصاص، و إذا رأيت كتبه فستجد أنك أحياناً تقرأ في كتابين، أحدهما خطه ابراهيم، معلقاً أو مستدركاً على المؤلف، أو تنصيصاً يعود إليه ذات يوم. ولديه قدرة نادرة في تذكر ما يقرأ. تتعجب أكثر حين تعلم ما يقرأ و اهتماماته في القراءة! كتب لم تسمع عنها، مخطوطات لا تعرف من أين يأتي بها وعناوين في غاية الغرابة، ومواضيع، تتعجب كيف يجد الوقت لقراءتها و من أين وكيف اهتدى إليها!!

كثيراً ما يكتشف أثناء قراءته، كتاباً أو صحيفة، أن هذا الذي يقرؤه كان قد صادفه في مكان ما، ثم ما يلبث أن ينقب، إن لم تسعفه ذاكرته في التو، ثم يجد الاقتباس أو السرقة، حدث ذلك كثيرا مع عديدين. على سبيل المثال، نشر سمير عبد الرازق القطب كتابه المسمى " أنساب العرب"، فبالإضافة إلى ما أورده من سرقات في هذا الكتاب, فقد زعم أنه زار بادية السودان ، و كان ما كتبه حول هذا الأمر مسروق بالكامل ، حوالي ستين صفحة، من كتاب حسن نجيلة " ذكرياتي في البادية". نشر ابراهيم هذه الفضيحة في صحيفة الجزيرة السعودية.عدد 9 يناير 1983، وغير هذه كثير.

المرحوم الدكتور محمد عبد الحي يسميه "عتة الكتب" وكان بينهما نقاش طريف، سيما، و كلاهما متخصص في اللغة الانجليزية و آدابها، و لا يخفي ابراهيم اسحاق إعجابه و تأثره بالروائي الأيرلندي "جيمس جويس". و حين أشرف د. عبد الحي على مصلحة الثقافة أول إنشائها، و تأسست مجلة الثقافة السودانية، تلك المجلة الثقافية رصينة ترأس تحريرها وسكرتارية المرحوم الشاعر عبد الرحيم أبو ذكرى. وبدءاً من العدد الثاني كان ابراهيم اسحاق من أكثر المساهمين في الكتابة فيها، ولسنوات حتى توقفت مؤخراً عن الصدور مع الأسف!!

زرته، لعل ذلك كان عام 1971 لإجراء مقابلة معه للملف الأدبي بمجلة الشباب. المجلة نفسها التي نشر فيها الأستاذ شمو أبراهيم شمو، عام 73 أفضل دراسة نقدية قدمت لرواية" أعمال الليل و البلدة "، استخدم شمو كل التقنيات النقدية التي توفرت له، و قراءته العميقة لأعمال ابراهيم، و ربطه لأحداثها و الشخصيات و الحيل الفنية الرائعة التي يستخدمها في رواياته، و اطلق شمو عندئذٍ نظريات عديدة للرؤية الروائية، وبناء الشخصيات، وما سماها بنظرية الإلغاز "PUZZLING" في البناء الدرامي للرواية. ...

أقول، عند زيارتي إليه آنئذٍ، و حين استضافني في غرفته بمنزله في الحارة الخامسة بمدينة الثورة، هالني أكوام الكتب التي ضاقت ا الغرفة عنها وعن مكتبه المنزوي في الركن القصي منها. بدا لي يومذاك، أن الغرفة على سعتها قد ضاقت، بحيث أنها قريباً، ستلفظ أحدهما خارجها، إما الكتب و إما ابراهيم! قلت له إن لم ينتبه، فسيلاقي وشيكا، مصير جده أبو عثمان الجاحظ!!

(يتبع)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.