قدح أهل عطبرة في ١٩ ديسمبر نارا عظيمة يهدي نورها كل ناظر. مجاز نار الحرية قديم في الذاكرة الوطنية، فقد قال الزعيم الأزهري عن الحرية أنها نور ونار من أراد نورها فليصطلي بنارها. طهارة النار هذه ربما علة إقبال المتظاهرين على إشعال الحريق في دور المؤتمر الوطني حيثما ومتى تيسر، كان ذلك في عطبرة والقضارف والرهد وربك وبربر والدامر وغيرها. طال هذا العنف الثوري مقرات الضرائب والزكاة والجباية، أي البنية التحتية للعنف الهيكلي لجهاز الدولة، كما طال أدوات القهر البوليسي ومقرات جهاز الأمن، أي القوة القسرية لجهاز الدولة. لم يكن هذا العنف الثوري إذن أعمى أو فوضويا بل دقيق التصويب ونافذ العقلانية.

ردت الدولة على هذا الجرأة العطبراوية بعنفها المعهود، حشدت للمتظاهرين العزل من السلاح الكتائب المدججة في مهرجان للعنف الأعمى تتلقط الأرواح الحرة برصاصها المأجور. تكرر هذا المشهد الفوضوي في كل بقعة خرج أهلها لنار الحرية. إذا كان من عنف لا دليل له فهو عنف جهاز الدولة الذي يرى الهتاف قذائف مدفعية والأجساد الضاجة بالحياة ألوية قتال. كما خرج الناس يدقون طبلا عظيما للحرية بأرجلهم طلبوا سلامة عقولهم من الدعاية الحكومية فحرروا مساجدهم من أئمة خرس يصمتون عن الحق وقد استبان شمسا.
إزاء هذه الفتوح الشعبية انقسم الرأى الحكومي بين لوم ولوم مضاد. تراجع رئيس الوزراء معتز موسى عن قراره المرتقب برفع الدعم عن الدقيق والمحروقات، القرار الذي زكاه الرئيس البشير بتصريح صمت بالكلية بعده، ثم خرج رئيس جهاز الأمن، الفريق صلاح قوش، بحديث مسيخ ومكرور عن مؤامرة صهيونية يقودها الموساد الإسرائيلي وعناصر مندسة من حركة عبد الواحد محمد نور المسلحة اخترقت صفوف المتظاهرين وتولت قيادة نشاطهم..إلخ. المهم أن صلاح حمل المسؤولية للجهاز التنفيذي فقال فشلت الحكومة في توزيع الدقيق المدعوم. بحسب صلاح لم يكن في عطبرة وبورتسودان شوال دقيق مدعوم واحد يوم ١٩ ديسمبر. لذا قامت حكومتا الولايتين بتوزيع دقيق تجاري (غير مدعوم) على المخابز التي طرحت الرغيف للبيع بسعر ٣ جنيه. أعلن صلاح في مؤتمره الصحفي مساء ٢١ ديسمبر أن جهاز الأمن تولى مسؤولية توزيع الدقيق التي فشلت فيها الحكومة. كتائب صلاح الذي مثله أحد تقتل وتوزع الدقيق وتصلح السراير.
بالمقارنة مع الارتباك الحكومي نسج المتظاهرون من نشاطهم المشترك علاقات تضامنية جديدة فهناك من فتحت دارها لاستقبال الطالبات المطرودات من الداخليات بعد أن قررت الحكومة تعليق الدراسة في جامعات الخرطوم جميعها وهنالك من تقدمت لعلاج المصابين في المستشفيات ومن تبرعت بالتوصيل وسوى ذلك من الفطرة الشيوعية السليمة، من كل حسب قدرته ولكل حسب احتياجاته. بإزاء هذا الروح التضامني العظيم تولى مثل صلاح مسؤولية الفتنة فقال اندس بين المتظاهرين متمردون من دارفور استهدفوا المواطنين كأن دارفور وأهلها غير الوطن وقال رصدت كتائبه الدموية مجموعات من "النيقرز" يحملون سكاكين وسواطير ويستهدفون المواطنين بينما الحقيقة أن الرصاص القاتل انطلق من مواسير الأمن فصلاح ساعي الفتنة ورسول العنصرية ومن خلفه رئيسه المرعوب اتخذا القتل حرفة.
نشأت بين المتظاهرين فكرة من المستقبل فراج بينهم مطلب تحرير المدن، أي أن يتولى مجلس منهم شؤون الإدارة المحلية بدلا عن السلطة القائمة، وهذا من براكسيس الثورة المجيد وعين الحل الديمقراطي لقضية السلطة بيد شعبية. غض النظر عن ميقات وعد مثل هذا فقد انفتح بهذه البشارة الثورية أفقا جديدا للسياسة بالناس بعد أن طال جمودها في صوالين السياسيين المحترفين ولقاءات المبعوثين الدوليين. لقت هذه الفكرة الطارفة والتليدة في آن هزءا شديدا واستغراب فهي إما غير عقلانية أو طوباوية مثالية غير قابلة للتطبيق. لكن ألا تواجه هذه الفكرة مباشرة وبلا تردد عقدة طالما اعتبرها الصف البرجوازي الصغير علة السياسة السودانية الأساس، حلقة الثورة والانقلاب الشريرة. إن العنف الشرعي هو عنف المتظاهرين الذين اقتلعوا دور الحكم ويحطمون بأياديهم جهاز الدولة القديم.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.