مبدأ غاندي عن اللا عنف هو أن تجعل الخصم في موقف لا أخلاقي ومناقض لكل القيم البشرية والحضارية."

زهير الذوادي

إن جُلَّ ما يتمناه السُّراق الحقيقيين للثورات، رغم تلبسهم بالعفة والنضال والوطنية، هو أن تكون هبة ديسمبر عبارة عن "انتفاضة" قد تستحيل إلى مجرد ورقة يمكن أن تستغل كرت ضغط في وجه حكومة اتوها طائعين. هؤلاء الشباب الثائرين يرفضون هؤلاء الساسة الخانعين، الذين لا يختلفون عن الحكام الحاليين إلا من حيث الدرجة. يسعي الساسة عبثاً اللحاق بهذا الركب، وجل ما يمكن أن يفعلوه هو تملقه، آو تجاوزه إلي القصر وذاك أمر لم يحن أوانه. إن التظاهرات لا تسقط نظاماً شمولياً، لكنها تُحدث من الإرباك ما يحفز أحد الفاعلين الاساسيين علي التحرك بغرض الانقضاض علي الأخر قبل أن ينقض عليه. وهذه الحركات يخضعها اللاعبين الاساسيين لاحتمالية وفرضية عصية علي الكمان.


يستنكف قادة المؤتمر الوطني أن تطالب الجماهير البشير بالتنحي علما بأن الشعوب تطالب أبطالها بالتنحي إذا ما أخفقوا، دعك من بالخونة؟ رفض الجمهور الفرنسي حزمة الإصلاحات التي قدمها الرئيس ديغول فما كان منه إلا أن قدم استقالته عام 1968 شاكرا الشعب الفرنسي الذي أعطاه الفرصة لخدمته وخول له شرف التواصل مع الجموع الكريمة، وهو من حرر فرنسا من النازية، جدد ميثاق الجمهورية وحرس حدودها، ورعى إرثها ومبادئها.


كما تستنكف العاصبة أن يكون الحراك من الارياف، وأن يكون هؤلاء الشباب ممثلين لأنفسهم، من منطق: من تكونوا ومن أنتم؟ شيء أشبه بقول الفرعون: "أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ" (الشعراء ١٨) يعضد هذا الموقف الاستعلائي -- الذي أعجز المراقبين سيما اللاعبين الإقليمين، عن قدرة علي استقصاء الحقائق -- موقف القنوات الإعلامية التي لا تفتأ تستضيف مجموعات فكرية وفئات عمرية أقل ما يقال عنها أنها لا تمثل الجهات التي ثارت ولا الفئات التي اقتحمت المعترك بجسارة وأكثر ما يقال فيها أنها باتت مستهلكة، إذا لم نقل منغمسة في ذات المنظومة والإرث المؤسسي التليد. هل هي مؤامرة أم كسل من هذه الجهات الإعلامية؟ لماذا لا تستضيف القنوات الإعلامية هؤلاء الشباب، أو من لهم صلة مباشرة بهم؟ لماذا يستعيضوا عن اللاعب الاساسي بلاعب لم يعد حتى في خانة الاحتياطي؟ ما الذي سيحدث بعد أن سحبت الدولة السودانية رخص بعض المراسلين رغم منهيتهم العالية؟ هل يمكن اعتماد الاسكايب وسيلة للتواصل المباشر مع الجمهور؟


إن المعارضة مرتبكة كما الحكومة، لأن الفاعلين الاساسيين في هذه المظاهرات غير منظمين، والمنظمين لا يتجاوز عددهم ال 20%. ولذا فهي لا تملك حيلة للتواصل معهم ناهيك عن التفاعل، فتكتفي فقط بالمكابرة: كأن يقول قائلهم نحن من حرضناهم! أمَّا الحكومة ففي حالة ذهول، لأن كل التدابير التعليمية والإعلامية والتي استمرت لثلاث عقود لم تنجح في تزييف إرادة الأجيال التي تربت في كنفها، كما لم تنجح في محو إرادة النشء علي المقاومة بل المقاومة هذه المرة قد أتت للفرعون من عقر داره ولم تأته من معسكرات اللجوء أو الحزام الاسود في الخرطوم، والذي يتربصون للفتك به هذه الايام. وإذ كانوا يستخدمون المكونات المحلية ضد بعضها البعض في الريف فالثورة هذه المرة قد اندلعت في أماكن تتمتع باستنارة نسبية ولا يمكن تخويفها بعدو قادم وهم يقتلونهم، بل يصطادونهم كالأرانب.


لقد سقطت ورقة التوت ولم يجد الملك الكذّاب ما يغطي به عورته، هذه المرة. فما عادت المفاصلة المناطقية أو العرقية أو الجهوية، أو العنصرية أو الايدولوجية تجدي. ظل النظام يستمد شرعيته من منطق أمني مفاده أن الزرقة بقيادة عبدالواحد يمثلون خطرا على أبناء السودان الشمالى النيل وسطي، لم تمر أيام من أحداث الثورة الأولى حتى رأى المواطنون في المركز بأنفسهم عينة من الجرائم التي ظل النظام يرتكبها في حق الزرقة لسنوات خلت دون أن ندري عنها، أو لعلنا تعامينا بدواعي الخمول أو العنصرية، والثانية أقرب. فلما يئس النظام من إمكانية تفعيل كرت العنصرية واستشعر خطورته رجع لخانة الاستقطاب الأيديولوجي، التي تجاوزتها البشرية لأعوام، فأراد أن يحدثنا عن خطورة التماهي مع الشيوعيين وبرر ذلك بأنهم أناس غير أخلاقيين. ليته اختار غيرها لأن الشعب يعرف جيد جدا من وقفوا معه في "خندقه" (خندق الكرامة) ومن تخاذلوا، بل يدري عمن من ألبوا عليه جموع "الأحزاب" (أحزاب الفكة) وفي لحظة حرجة من تاريخه. ليس بمقدور النظام أو العصابة متمثلة في جهازها الأمني أو العسكري استحداث ألية أو منهجية تناسب هذا الوعي الحادث، كما ليس بمقدور جهازها السياسي، إن وجد، أدوات أو قنوات تسهل التواصل مع المنصة الفخمة العالية التي انتقل إليها الشعب. كلما حاولوا راعهم السقوط (تسقط ... تسقط ... تسقط ¬_ بس)، كما شهدنا وسمعنا في خطاب الجنرال الخائر في الكريدة، وفي التنوير الذي أجراه سعادة الفريق غوش لجهازه الأمين (فيلم "البندقية والبنت الشيوعية"، إنتاج المخيلة المريضة والألية العقيمة). أرجو أن لا نضيع جهدنا من الأن فصاعدا في المحاولة لتحليل خطابات هؤلاء المرتكبين، وأن ندخر جهدنا في التخطيط للثورة ومستقبلها.


لم يعد هنالك حيلة إلا الاستسلام دون اي شروط فقد انتهى عهد المناورة وحان وقت المقاومة بامتياز، أو المضي في فصل الإبادة حتى النهاية. وها هو علي عثمان على دهائه المزعوم قد ورط نفسه قانونياً، فقد فتح أكثر من أربعين محامي وقاضي سابق ومهتمين بالشأن العام ضده بلاغ ووجهوا له تهم تتعلق بإنشاء وإدارة منظمة للإرهاب والإجرام؛ التحريض على ارتكاب جرائم إرهاب والإخلال بالسلام العام (راجع مقالة الأستاذ عبدالوهاب همت بالراكوبة، 16 يناير 2019). خاتمة علي عثمان وشلته هي أشبه بنهاية الرجّال وعصبته. جلس النبي صلى الله عليه وسلم يومآ مع اصحابه فقال: إن فيكم لرجلا ضرسه في النار اعظم من جبل احد ... فارتعد جميع الحضور خوفا من سوء الخاتمة ... إلا ان جميعهم كتب الله لهم الشهادة في سبيل الله وتبقى منهم حيآ أبو هريره رضي الله عنه و الرّجّال بن عنفوه ... وبقي ابو هريره قلقا مرتعدا .. حتى ارتدّ الرجّال عن الإسلام والتحق بمسيلمة الكذّاب وشهد له بالنبوة ... عندما رآى كثرتهم الهائلة و ظنّ أنهم الغالبون، فحدّثته نفسه الغادرة أن يحتجز له من اليوم مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة وآتية، فترك الاسلام، وانضمّ لصفوف مسيلمة الذي سخا عليه بالوعود.


جل ما تريده المعارضة "إسقاط النظام"، وبقية الجموع الثائرة تريد "دحر المنظومة". وقد تصطدم هاتان الغايتان، لكن الغاية الأخيرة ستحقق بالمثابرة وإدراك الكل إن الاتفاق علي الغاية أجَّل من التوافق علي المنطلقات. قد يغري البعض فشل النخب الي مركزيتها، وقد يعزي البعض الاخر ذات الفشل إلي أنانيتها. الأول إشكال بنيوي والثاني إشكال سلوكي . لكن المهم اتفاقنا علي ضرورة ذهاب الليغ السياسي برمته، ووضع أسس مؤسسية بعد معالجة تلك البنيوية تُقوَّم سلوك الفاعلين القادمين. ليس للشعب أي رغبة -- علي الاقل الان -- في تقبل أي إسلامي مهما بلغ مبلغاً في عفته وأمانته وصدقه وعلمه ووطنيته، لأنهم حتي هذه اللحظة لم يتخذوا موقفاً فكرياً واضحاً من الإسلام السياسي ولم يعلنوا براءتهم من مشروع الدولة الدينية -- كما فعل راشد الغنوشي في تونس الخضراء -- التي لا تتوافق مطلقاً مع فكرة الدولة لحديثة (أنظر كتاب "الدولة المستحيلة" للفيلسوف وائل حلاق). بل هي مدعاة لإفساد كليهما: فلا الدين اصبح عقلاني، ولا السياسة أصبحت أخلاقية. هذا ما يقف دون ذكره حديث بعض صحفيهم المخضرمين، رغم موضوعتهم وجديتهم. ماذا عليهم لو هدموا مشروعية "الاسلام السياسي"، وأثبتوا دينامية النص الالهي الذي يكتسب قيمته من التدافع البشري والإنساني؟ تندرج تحت هذا السؤال الكبير أسئلة عديدة نورد منها ما يلي:


• ما الذي ينقمه الاسلاميون من عمر البشير: "طهرانيته" التي أعلن بها حرباً جهادية علي الجنوب، "عدوانيته" التي بررت له قتل شوقي وابن خالته (وهما لم يتجاوزا بعد عمر الحادي عشر عاماً)؟

• هل هنالك ثمة مسافة فقهية - سياسية بين تلك "الطهرانية" وهاتيك "العدوانية" أم هي مجرد مبررات ظرفية وحدثية (دون الداعي للخوض في موضوع القصاص)؟

• لماذا قرر "شرفاء الإسلاميين" التبرؤ من أفعال وأقوال شيخهم علي عثمان في هذا الوقت بالذات، واستنادا علي أي منطق: أخلاقي أم ديني؟ وإذا تعارض الديني والأخلاقي، فأي سبيل يتبعون؟

• هل للضمير الاسلامي متمثلاً في الاسلام الإيدلوجي-- موقفاً أخلاقياً من القتل، أم هي حالة انتقائية، ومجرد انتهازية سياسية؟

• حال زعمنا بأننا تجاوزنا حالة الاستقطاب الأيديولوجي بين اليسار واليمين التي سادت في فترة ما بعد الاستقلال إلي نهايات القرن الماضي، ماهي طبيعة الدستور الذي يمكن أن يوازن بين الحقوق والواجبات ويسهل أمكانية تحقيقنا لغايتنا الإنسانية؟.


يخشى البعض ردة فعل تبعد الإسلام ليس فقط من السلطة ولكن أيضا من الحياة العامة نتيجة العلمانية الوجودية التي مارسها الإسلاميون. لن تكون هناك ردة فعل على الإسلام، إنما على الإسلاميين لأن اكثرنا لا يحسن بل لا يجب أن يميز بين الإسلاميين والإنقاذيين، هما سيان من الناحية التداولية العملية، أمَا مصيرهما فيختلف من الناحية القانونية والجنائية. لأن الأفق الفكري الذي شرعن وما زال يشرعن للعصابة إجرامها يجب أن يكون في موضع مُسَآلة، لا أن يعامل معاملة من يطرح فكره في المنتديات تاركا لهم حرية إعتناق نائيا بنفسه عن الإرغام الذي هو في خانة التعدي أسوة بالتحريض والتخطيط. هل هذا إقصاء؟ نعم، فيجب أن يستثنى من الممارسة السياسية من هنا فصاعدا من لا يؤمن بالديمقراطية والّا تؤمّن له حرية يستغلها مناخا للتخريب، تحريضا وترويجا للأكاذيب التي لا تتوافق والمقاصد الكبرى.


عندما تولّى مهاتير محمد رئاسة الوزراء في ماليزيا لم يتحدث في خطابه *إلا عن الاقتصاد والتنمية والتعليم والتطوير والحداثة وبناء الانسان*

وعند نهاية خطابه سأله أحدهم :
" *وماذا عن الإسلام والدين ؟*"

فقال مهاتير محمد :
*كنت أتحدث عن الإسلام !!!*

إن السودانيين اصحاب حضارة روحية تستهويهم الترانيم الصوفية ويتفاعلون مع الدين كمنظومة قيمية وليس كمسودة فقهية جامدة تعطلت قبل قرون وأصبحت سبباً في تعطل المجتمعات. إن الاسلام بشقه السلفي الذي وفد الينا من السعودية، وذاك الأخواني الذي وفد الينا من مصر لا يتوافق مع نفسيتنا، بل يهدد كياننا وهويتنا وكينونتنا. أما من يبحثون عن بديل يناسب طموحاتهم ويراعي مصالحهم، مثل "جماعة الشعبي" فقد سقطوا سقوطاً أخلاقياً ليس بعده سقوط، لأنهم بتواطؤهم إنما يركنون لنظام يستهوي قتل الاخرين، الأدميين الذين يقاسمونهم حرمة الوطن والدين. يقول الدكتور النور حمد: "حديث المؤتمر الشعبي عن الاستمرار في مسار الحوار الوطني، بصورته التي رأيناه بها، ليس سوى فرشٍ لبساطٍ زلق، يحاول أن يجتمع فيه مع المؤتمر الوطني، لإنقاذ تجربة الإسلام السياسي الفاشلة، في السودان، عن طريق إخراجها في ثوبٍ جديد. هذا البساط، الذي يفرشه المؤتمر الشعبي للمؤتمر الوطني، مغازلة لإنشاء تحالفٍ جديد، يرى الشعبي أن حالة الهوان والضعة، التي دبَّت في أوصال المؤتمر الوطني، حاليَّا، تجعله أكثر إمكانا. فالجماهير رفعت، بخروجها الملحمي هذا إلى الشوارع، في مدن وقرى السودان، سقف المطالب إلى علوٍ شاهق. ولم تعد جالسة في انتظار تحقق الوعود المخاتلة، التي أفرزتها مماحكات الحوار الوطني، التي استمرت لسنوات، لتنتهي إلى إبقاء كل شيء في محله، كما كان."


إن رفض الشعب للإسلاميين لا يعني وقوعه في أحضان اليسار (الأب غير الشرعي لهم؛ إذ هم اعتمدوا أساليبه في القمع ولم يتمثلوا قيمه في النضال، فالشيوعيين ارتبطوا في ذهنية الشعب وخيلته بالبسالة والنزاهة رغم ما ارتكبوه من أخطاء فادحة ذات طبيعة تقديرية ولا أظنها تآمريه كما يراد لنا أن نصدق)، كما أن رفض الشعب للنخب المركزية لا يعني تلهية بفكرة الهامش التي نجحت فقط في خلق مركزيات بديلة. أمَّا فكرة التكنقراط التي يتم تسويقها هذه الايام، فلابد من تمحيصها، لأن جل هؤلاء كانت أجندات وتسميات مختلفة خولت لهم التعامل مع الانظمة الشمولية، خاصة أولئك الذين يدخلون في بيات شتوي حتي يتم استدعائهم لتولي المناصب غير مسنودين بأي تضحيات أو مجاهدات فكرية، إنما فقط شهادات لم تغن عنهم، لا سيما أن السياسة كانت الرافعة الحقيقة لبراعتهم، ولم يكن الفكر منصة حددوا علي ضوئها مواقفهم مع شتى القضايا. بمعني أخر، أمثال هؤلاء مضوا تسبقهم طموحاتهم ولم يُمَكَّنوا تسندهم كتبهم وآرائهم. الأخطر أن بعضهم اختار التُقية وسيلة لتحقيق أهدافه، ومن وضِع على المحك أو أُجبر على الإفصاح عن مواقفه، كان مع البؤس والخسة والندالة على موعد.


لا يتهيب الانقاذيون ملاقاة الديان قدر خشيتهم الرجوع في الفقر والذل. ولذا فهم يستشرفون المستقبل برؤي عقيمة ونفس سقيمة تجعلهم يظنون إن تخلصهم من البشير قد يعفيهم من غضب الجماهير. وفي خضم المحاصصة العسكرية الامنية، قد لا يجدون بداً من التحالف مع غوش الذي يبغضه الجماهير بغض "الحِدية لابون دولك". (سمعت مؤخرا عن مشادة كلامية حصلت بين المدعو قوش وقائد الدعم السريع تزمّر فيها الأول من وجود قوات الأخير في وسط الخرطوم. وانا أتسال من أين لغوش هذه الأنفة التي يتطاول بها على حميتي؟ لماذا لم يخرج للدفاع عن جنده عندما فر جنده فلحقهم البطل خليل ودعس أجسادهم بعرباته؟ وإذا نجح حتى زمن قريب في إستخدام الغرابة كفزاعة، فما الذي سيفعله لردع جموع الغلابة؟). فكيف إذا اختلت الرصة الأمنية ووجدوا انفسهم في مواجهة القوات النظامية كافة، بما فيها الدعم السريع؟ يومئذ وقعت الواقعة، واقعتهم هم وليس واقعة الشعب السوداني الذي ارهقوه إيما إرهاق بحيلهم الماكرة ودعواهم الزائفة. كم مرة تلاعبوا فيها بقوت المسكين وعُمْلَته، دسوا عيشه وغلته، وهذه المرة هم لا يراهنون فقط علي "جهله وغفلته" إنما أيضاً يقامرون علي أمنه وسلامته بل ويمعنون في إهانته؟


هم ما زالوا يفتئتون عليه فيتهمونه بالتخريب وأنا أعجب من المخرب؟ المخرب في نظري ونظر الكثيرين من أبناء الشعب الحادبين هو من دمر مشروع الجزيرة، غلة اهل السودان ... المخرب من جنب ذهب الشرق وتلذذ لمنظر اهله يموتون بالسل وامعن في زرع البغضاء بين اهلنا في الغرب ولم يكتف بحرق حقولهم، بل لم يراع حرمة لأجسادهم ... المخرب من ادخر خيرات الوطن لخاصته ... المخرب من ورث وطنا فأضاع نصفه الجميل ... المخرب من اشتري سيد قومه بدراهم معدودة ... المخرب من اتخذ التخريب منهجا لسياسة الوطن ولم ير بدا من تشريد النخب ... المخرب من طرد الضباط الشرفاء واستبدلهم بخراف هوجاء ... المخرب من طلب الدنيا بعمل الاخرة ... المخرب من سلب الياقوت ارضه واحالها سندسا يباب ... المخرب من اصبحت الدياثة في عهده كياسة ... المخرب من استفزته المزامير فأضاع هيبة الملك ... المخرب من احدث شرخا في عميق الفؤاد بإستدافه فلذات الأكباد ... المخرب من اتخذ الشعب رهينه واتخذ الامانة غنيمة ... المخرب من اظهر السماحة واضمر كرها وبغض لكل من له ولد ... رب لا تبتل هذا البلد بعاقر ولا عقيم ولا فاجر ولا زنيم "إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ" (الأعراف ١٥٥).


صَعًّد خطباء المساجد لهجتهم في تلك الأيام التي حضرت، خاصة أولئك الذين ينتمون إلي الشعبي، وحرضوا الجماهير علي الخروج إلي الشارع. وهم بذلك إنما يريدون أن يتخذوا خطوة إستباقية تقيهم شر التواطؤ مع الطاغوت. وقد كانوا في معيته لمدة ثلاث عقود، بل هم من جاءوا به وحرضوه علي الاستبداد وظلم العباد. هم لا يريدون إصلاحا، هم يريدون استبدال "هبنقة" بأخر يوفر لهم الحماية للاستمرار في السرقة بعد أن استنفدوا حيل التمكين كافة. هم كانوا دوما في رحلة البحث عن ساذج مثل النميري (رحمه الله) يسوغون له فكرة التواصل مع الملائكة أو لص يستحوذ على موارد البلاد ويحيل أشواق العباد إلى الأخرة (أنظر قوله: الدنيا دار ابتلاء؛ قال كوميدي مصري، عندما أسمع المشير لا ادري إن كانت هي خطبة عيد أم هو خطاب رئاسي: الله أكبر الله أكبر ... لا إله إلا الله ... مخلصين له الدين ولو كره الكافرون). لا مرحبا بهم في جموع الثائرين لانهم اصحاب غرض تمرسوا علي الإتجار في الدين(لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ( (التوبة ٤٧). من الان فصاعداً يجب أن لا تهمل هذه المنابر، بل يجب أن تعهد إداراتها كما كان في السابق لوعاظ متمرسين وأصحاب يقين مهمتهم تبصير العباد بشؤون دينهم وإعانتهم علي تنقية بواطنهم.


لقد برهنت ثورة 19/ديسمبر وما صحبها من إطلالات علي الفيس بك وقنوات التواصل الاجتماعي علي قدرة القيادات الشبابية متمثلة في خطاب محمد ناجي الأصم، والقيادات العسكرية/السياسية متمثلة في خطابي الحلو وعبد الواحد، وهتافات الشباب الثائرين في عطبرة (يا العسكري المغرور كل البلد دارفور) ونيالا والفاشر (يا عطبرة الطيبة يا منجم الثورات كل البلاد ام در والشعب حي ما مات)، وجميع بقاع السودان، علي قدرة السودانيين علي إيجاد حلول للصراعات الناجمة عن التمييز العنصري ضد الهامش، وتلك الناجمة عن التمييز الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ضد النساء والشباب والفقراء عامة، متما توفرت الإرادة اعتمدت الامانة وسيلة لطرح القضايا بالوضوح والصراحة اللازمين، واستحدثت آلية لتحقيق السلام، ودرء اسباب الكراهية بين الاطراف المختلفة.


إن جذور المشكلة السودانية تكمن في الانقسامات الفئوية، القومية والأثنية، وكافة الإشكالات التي تعمقت بسبب الصراع الناجم عن احتكار فئة معينة للسلطة، بل عزمها حتي زمن قريب علي التعويل علي هذه الانقسامات وتعويلها للبقاء في الحكم أبد الابدين. كل يوم من أيام الثورة يمر يبرهن على (لا) أخلاقية هؤلاء القوم ويبرهن على عدم سودانيتهم. يجب الّا ينظر إلى هذا الأمر كسلوك عارض أو طارئ، إنما كمنهجية إعتمدها شيخهم الكبير الترابي في التعامل مع الخصوم السياسيين. وقد ثبت أنه من أشار إليهم – رغم الخلاف المستعر بينهم يومها – بعدم التهاون في قمع متظاهري سبتمر 2013 واعتماد التصويب الدقيق فوق الصدر وسيلة لصد المتظاهرين وإخافتهم تمشيا مع زعمه أنهم "خوّافين ونسَّاين." هل هذا حال أناس متدينين أم شواطين آدميين؟


يجب أن نستذكر هذه المقولة كي ندرك مرجعيتهم في استباحة البيوت والحرمات وحتى المستشفيات. في عهدهم لم تعد هناك حرمة حتى للمستشفى ولا حتى الإطباء. أنظر واستشعر هذه السطور التى اختطتها أقلام أحد الناشطين في الفيسبوك كي تدرك فداحة الأمر وتستخلص العبر:

يا الله يا الله
شهيدنا الطبيب
كان يعالج في الأبطال المصابين في بري داخل منزل
حاصر المجرمين الرّبّاطة المنزل .. وأطلقوا عبوات الغاز
المسيل للدموع داخل المنزل
خرج إليهم الشهيد رافعا يديه
طلب أن يتحدث إليهم
فطلبوا منه التقدم
خاطبهم معرفا نفسه: أنا طبيب وهنالك مصابين في الداخل
في حالات حرجة
فقال له الذي يقف مقابله مباشرة: أنت الطبيب البتعالج في الناس الجوة
وتراجع خطوتين وأطلق عليه النار مباشرة في صدره
وإذا كانت "العقرب بتلد سمّها"، فإن من المتوقع أن يتطور التدافع إلى إشتباك بين "القوات النظامية" و"المليشيات الحزبية" التي لم تعد بإمرة أحد (بالبلدي لن تمض مدة قبل أن "يتجاغموا المرغة")، حتما ليس الرئيس، الذي منعه كبريائه الزائف من الإعتراف بذلك. حينها سيرجع الشعب إلى خانة المتفرج وسيقنع فقط بترصد من يتعدون على عرضه ويدخلون ساحته دونما إذن ويترك الأمر برمته لأبنائه المسلحين للدفاع عنه ضد الدخلاء والمتغولين من الإسلاميين.


التاريخ في حالة ترصد ... من يلتقط القفاز ليدخل سجل الخالدين من الإبطال القوميين؟ المهمة محددة: سحل الإنقاذيين ومن والاهم من الإسلاميين والطائفيين والإنتهازيين عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. بات الشعب يلاحقهم باللعنة التي يستحقونها (العار العار يا كيزان)، والهتاف الذي يرهبونه (سقطت سقطت يا كيزان) وهم في جحوررهم لا يستطيعون صرفا ولا نصرا فإنهم يعرفون جرمهم ويقدرون بأنهم بتخازلهم هذا، بل بتعاونهم مع الطاغوت، قد أحرقوا كل الجسور رغم وهنها التي كانت تربطهم بالشعب ولم يبق لهم غير التمادي في الباطل وسيلة للبُعاد.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.