* رحم الله يوسف حسين الذي هد برحيله الفاجع ركناً عزيزاً، شغلنا تواتر الأحداث السياسية في الفترة الماضية، عن رثاء هذا الانسان النادر الوجود، فقد تمثلت فيه المقولة الصارمة أن الانسان هو مجموع أقواله وأفعاله، وإن طبقنا هذه القاعدة فسنكتشف أن يوسف قد التزم بقيمتها نصاً وفعلاً، في كل مسام حياته العامرة بحب الانسانية والكون والعمل من أجل أن يتفانى حد الفناء الذاتي في سبيل إسعاد الآخر الذي وهب جلً حياته العامرة من أجله، فقد كان إنسان السودان على وجه الخصوص بمثابة دائرة الاهتمام الأولى له في نشاطه العام والخاص، ولأجل ذلك تحول يوسف بانتمائه الطبقي الذي اختار الحزب الشيوعي السوداني لكي يصير الحاضنة الثورية لما آمن وعمل من أجله، فينجح أيما نجاح في نهاية عمره العامر بتعمير حياة إنسان السودان فيتحول لمتصوف ثوري يتبتل في محراب النضال الذي خاضه بلا هوادة حتى أفنى ذاته العاشقة في المعشوق!.

* أول عهد معرفتي بيوسف كانت في دار مديرية الخرطوم الحزبية التي كانت كائنة بمنزل الشهيد عبد الخالق محجوب في حي الشهداء فترة الانتفاضة عام 1985، رأيته بمكتبه الاداري يقلب أوراقاً أمامه، بينما كان المكان يعج بعدد من الشيوعيات والشيوعيين الذين تواجدوا لمختلف الأسباب والذين أذكر من بينهم الراحلة فاطمة أحمد إبراهيم، وكانت أول ملاحظاتي عنه صمته ذاك الذي يمكنك أن تفسره بالتعالي!، فحين كان الجميع يتجاذبون أطراف الأحاديث ويتبادلون الضحكات والقهقات العالية، كان هو منكباً على أوراقه معتنياً بها دون كبير إعتناء بهذه الأجواء الاجتماعية التي من حوله بين رفاق حزبه، ولا أخفي إحساساً إعتراني لحظتها بأني لم أستسغ ذلك، فنما عندي شعور بأن هذا (زميل) متغطرس!.
* مرت السنوات وغادرت للدراسة بجمهورية هنغاريا الشعبية وقتها، وأذكر أن زارنا الراحل في النصف الثاني من سنوات التسعينات والديكتاتورية العسكرية تنشر ظلالها القاتمة على الحياة السياسية في السودان، جاءنا لطواف حزبي كُلف به من قيادة الحزب بالداخل وكان وقتها خارج جديد لنج من (بيوت الأشباح) التي أُودع إليها بعد استطاعة أجهزة أمن نظام إنقاذ الأخوان المسلمين التوصل للمكان الذي كان يتواجد فيه وهو مختفي عن الأنظار منذ وقوع الانقلاب المشؤوم ووأده للديمقراطية الوليدة. حيث خضع لتعذيب وحشي سرد لي وقائعه لاحقاً بعد لأي وجهد جبار ومحاولات متعبة استطعت خلالها أن أنتزع تفاصيل واقعة التعذيب منه، وأظنها كانت من الحالات النادرة جداً ليوسف وهو يتحدث عن نفسه!. الشاهد أن أفراد الأمن الذين تولوا تعذيبه من أجل انتزاع أي معلومات تتعلق بحزبه وأجهزته وكوادره المختفيه وبعض الأسرار التنظيمية والادارية الأخرى، فلم يتوصلوا لشئ، وفي نهاية الأمر صاغوا تقريراً لنافع علي نافع مدير جهاز أمن النظام وقتها أشاروا فيه إلى أن الرجل لم يستجب مطلقاً لما طالبوه به من معلومات لا سلباً ولا إيجاباً، فتركوه لحال سبيله، معترفين ببطولته النادرة التي احتمل فيها بجلد كل ذلك التعذيب الذي وقع عليه، وهو ربما يكون فيه تبريراً لعدم اعتقال الراحل فيما بعد إلا لفترات محدودة وقصيرة!، وقد كانت أكثر جزئيات إفاداته حول واقعة تعذيبه غرابة وعجباً هي حضور نافع علي نافع (حفل الشواء) الآدمي الذي كان تعذيبه يتم في أجوائه، حيث كان نافع يتابع التعذيب بغبطة وسرور!.
* كلفني وقتها فرعنا فرعنا بهنغاريا لملازمته والاشراف على إقامته، وبهذه الصفة تقربت منه أكثر، لأكتشف ما جعلني أراجع إنطباعاتي السابقة عنه حينما رأيته لأول مرة بمكتبه في مديرية الخرطوم، فيما يخص ما خرجت به من أن (الزميل) متغطرس ومتعالي، حيث اكتشفت إنساناً بالغ الرقة والظرافة، وأن خلف شخصيته تقبع خصال أخرى من القدرة على المؤانسة وخفة الظل والتهكم غير الضار، عكس ما كنت أعتقده بأنه شخصية بمحمولات دم من الوزن الثقيل!.
* وهكذا ظللت متقرباً أكثر لحسين طيلة الفترة التي مكث فيها معنا والتي امتدت لبضع أسابيع، فتنزهنا سوياً وطفت معه معالم العاصمة بودابست وجمالها الفائق الذي جعلها تحمل لقب (عروس الدانوب)، تسكعنا وساهرنا وتآنسنا وتحاورنا فأصبح بالنسبة لي أحد أقرب الأصدقاء الذين استمتع أيما استمتاع بالعديد من موضوعاته وونساته الشيقة، وأذكر حين عملي معه فيما بعد في صحيفة الميدان التي كان أحد من أقنعوني بان أعمل فيها والتعاون مع هيئة تحريرها إضافة لمهامنا الحزبية المشتركة معاً أن اصطفاني وأصبح يخصني برائق الموضوعات والطرائف التي كان يرويها لي بمتعة مشتركة.
* أعطى يوسف إنطباعاً لدى قطاع عريض من الزملاء أعضاء الحزب وبعض المعارف، أنه شخص جاف وناشف في التعامل مع الآخر، حدثني الصديق بروف محمد المهدي بشرى أنه فى سنوات النظام المايوي ويوسف مختبئ عند أحد الزملاء، ذهب لزيارة ذلك الصديق فوجد معه يوسف الذي لم يكن بشرى يعرفه، فسلم عليه بشكل عادي باعتباره ضيفاً على ذلك الزميل الذي تداول معه موضوعاً يتعلق بصحيفة الميدان السرية وقتها، وفيما بعد عرف من ذاك الزميل أن من كان متواجداً معه هو يوسف حسين وأنه قرر الانتقال من منزله ذاك مفضلاً تغييره إلى أي منزل آخر ليس لأي سبب سوى أن الزميل سمح بأن يناقشة مهدي بشرى حول الميدان السرية في حضوره!. والواقع أن شخصية الرجل تحمل بالفعل ملامح الصرامة والجدة والمبدئية في كثير من القضايا والمواقف والموضوعات، وأنه عند بعض الحالات يبدو شرساً وصعب المراس، لا يقبل بالفوضى والتسيب والاهمال، خاصة فيما يتعلق بالتراخي و إهمال إنجاز التكليفات الحزبية والمهام التنظيمية، وعرف عنه قلة الكلام والثرثرة التي لا لزوم لها والزائد من المتن والحواشي عند الكتابة أو المشافهة، ينفذ لمعالجة الموضوعات بمباشرة ودون تعقيد أو تقعير، فتراه يساهم في الحلول دونما مشقة كالسهل الممتنع، الذي يترك انطباعاً بالادهاش كون أن ما توصل إليه قد فات على الآخرين مع أنه كان في متناول اليد!.
* ولكنه من الجانب الآخر وكما سبق وأن أشرنا أعلاه يملك صفاة نادرة من الرقة واللطافة والظرافة المدهشة، وفي ذلك يكمن سر امتلاكه للعديد من الصداقات المختلفة في الحزب بين زملائه وفي حيه ونادي البحراوي وبين الجيران وأهل حيه بالدناقلة شمال.
* يا ريت أركز لكم قليلاً لأنقل لكم ظرف الرجل بنماذج قد تبين أكثر أنه يملك في واقع الأمر شخصية جديرة بأن تكون فاكهة مجالس للانس والأخوانيات.
* ففي أولى سنوات إختفائه مع آخرين من قيادات وكوادر الحزب في أعقاب الهجوم الضاري على الحزب، إثر فشل انقلاب 19 يوليو عام 1971، حدث وأن يوسف كان يستقل عربة تاكسي هي عبارة عن طرحة وليس كطلب (بمعنى أنها تحمل خمسة ركاب دفعة واحدة لتكون وجهتها مكاناً مشتركاً لهؤلاء الركاب وقد توقفت هذه الخدمة مع نهايات الثمانينات مع أنها اقتصادياً تناسب هذه الفترة تماماً!) وتصادف أن استقل معه د. عبد الله علي إبراهيم نفس الطرحة، وكان أيضاً ضمن المختفين، الراحل يوسف كان يجلس بالمقعد الأمامي وأستاذنا عبد الله كان بالمقعد الخلفي، أخذ عبد الله يثرثر حول موضوعات ما كان ينبغي التطرق لها في ظل ظروف استثنائية لكادرين حزبيين مختفين عن الأنظار، كان عبد الله يواصل ثرثرته بينما يوسف قابعاً في مقعده الأمامي وكأن الأمر لا يعنيه بشئ وهو في صمته المعهود ذاك!، وعندما زادت (طربقة) عبد الله، أوقف يوسف التاكسي في مكان معين وترجل عنه بعادية شديدة وكأنه وصل لمشواره، وبعد أن حاسب صاحب التاكسي إنحنى على نافذة العربة الخلفية التي كان يجلس بقربها عبد الله وهمس له قائلاً:ـ العمة اللابسا فوق راسك دي كان مفروض تلفها حول خشمك) ثم غادر لحال سبيله!.
* الحكاية الثانية كنت أستقل معه سيارته البيضاء المتواضعة بالمقعد الخلفي بينما العم محمد عمر الكابتن بالمقعد الأمامي، وأثناء استمتاعنا بأغنيات الحقيبة التي كان يوسف يحرص على الاستماع إليها في عربته بواسة تسجيل الكيتروني مدمج، توقفت العربة نتيجة لزحمة الطريق بشارع المك نمر وبدأت تزحف زحفاً ضمن صف طويل من العربات، في الأثناء حضر أحد باعة الخردوات الذين يعج بهم شارع المك نمر وهو يحمل (قبعات) فسأله الكابتن عن سعرها، فوجدها البائع فرصة ليبيع الكابتن واحدة منها كصيد ثمين وقع له في طريقه كعادة وإلحاح أؤلئك الباعة، فبدأ في مفاصلته حتى وصل معه لسعر مغري جداً للسلعة، إلا أن الكابتن رفض الشراء وأوضح له قائلاً :ـ يا ولدي أنا أصلو ما عاوز أشتري، بس سألتك ساكت لأنو الشارع واقف، أشتري كسكتة أعمل بيها شنو؟ فقال له البائع - في محاولة لكسبه كزبون - : تلبسا يا حاج في (راسك)، هنا وبسرعة بديهته وتهكمه رد يوسف حسين قائلاً للبائع بذاك الهدوء والسمت المتأني:ـ هو لو عندو (راس) كان سألك من تمن الكسكتة؟!.
* الثالثة ذهبت إليه في أيامه الأخيرة وهو بمكتبه، مقترحاً عليه منحنا (تعليقاً) كتصريح لصحيفة الميدان حول المرسوم الذي كان قد أصدره الفريق أول عبد الفتاح برهان بخصوص اللجنة التي شكلها صباح ذلك اليوم كما ورد بالأخبار والخاصة بمعالجة وضع الحركات المسلحة، وبعد أن استمع لي بذاك الهدوء – ويبدو أن أوجاعاً حول كتفه ورقبته قد عاودته بشدة ضمن الأمراض التي بدأ يحس بها واضطرته الاستشفاء بمستشفى تقى التخصصي بأم درمان ومن هناك غادر، رد علي قائلا:ـ طيب ،، حسع أنا مع مرسوم برهان ده ،، وجع رقبتي دي (أعلقو) في رقبة منو؟!.
* الأخيرة كنت معه بغرفته بمستشفى تقى قبل يوم واحد من مغادرته، وحدث أن رافقه حفيدة أيمن عبد الرؤوف إلى الحمام المرفق، وكان أيمن ملازماً له طيلة فترة مكوثه بالمستشفى، عند عودته من الحمام وقبل أن يعود مستلقياً على سريره لاحظت أن الملاءة غير مستوية على مرتبة السرير، فبدأت في معالجتها بينما الراحل يقف بقربي متكئاً على حفيده، ويبدو أنه لم يحتمل الوقوف طويلاً وكان في عجلة من أمره ليستلقي سريعاً على السرير، فانتهرني قائلاً :ـ يا حسن البتعمل فيهو ده ما عندو أي أهمية حسع!.
* كان عن حق صارم القسمات وحي الشعور ،، صارم القسمات وصافي البسمات ،، صارم القسمات وأخو أخوان في الملمات، كان ينشغل بألم الآخر حتى لو عندو شوية صداع!، رجل متواضع في حياته الخاصة والعامة ،، عاش على الكفاف وتنفس برئة حزبه وشعبه ووطنه، وفي شأن كفاف عيشة هل التقيتم بشخص يختصر وجباته اليومية معتمداً على كباية شاي حمراء وقطعتين من بسكويت مفضلاً كسب الوقت لانجاز واجباته الحزبية التي أمامه من إضاعته في البحث أو إعداد وجبة دسمة تقيم أوده! ،، لقد إفتقدت برحيله صديقاً حسن المودة للأبد ،، فرحم الله يوسفاً ويا للأسى والأسف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الصورة المرفقة للراحل وهو يقف على اليسار ضمن بعض زملاء الدراسة بجامعة الخرطوم أوائل ستيننات القرن الماضي ويظهر معه كل من عثمان جعفر النصيري أحد رواد المسرح الجامعي وقتها والمهندس هاشم محمد أحمد الكادر المهني بالسكة حديد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////