لا ينتج الظلم وحدة ثورة! لكن الوعي بالظلم!

لا ينتج الظلم، والفساد، والاستبداد وحدهم ثورةً؛ لكن الوعي بهذه المظالم السياسية هو الذي يصنع الثورات، ويوجه مسارها تجاه تطلعات الثائرين. ويتنامى مثل هذا الوعي عندما يعجز أهل السُّلطة الحاكمة عن تقديم أي أطروحات موضوعية لحل المشكلات الآنية المتعلقة بضرورات الحياة الإنسانية الكريمة، أو عندما يستخف صُنَّاع القرار السياسي بعقول الجماهير المطالبة بحقوقها، ويقدموا لها وعوداً فطيرة لا تحمل بين طياتها سوى المراوغة السياسية واستدرار العواطف الدينية، أو حينما يزعم دعاة السُّلطة ونصحاء السلطان في العلن بأن الثائرين "خونة"، و"مرتزقة"، و"عملاء موساد إسرائيلي"، وشرذمة من المندسين لتخريب مقدرات البلاد ومؤسسات العباد، أو عندما يستغفل الحاكمون عقول المحكومين، ويحثوهم على أكل صفق الشجر، في وقت يبيحون لأنفسهم أكل مال السحت، والتمتع بنعيم الدنيا وخيراتها المبذولة إليهم من مستحقات الشعب. هكذا يتسنمون المنابر العامة، دون استحياء، ودون أن يسألوا أنفسهم: من هم المتظاهرون؟ ومن أين أتوا؟ وبماذا يطالبون؟ وكيف تكون الاستجابة لمطالبهم المشروعة؟ لا غرو في أن أحداث التاريخ تكرر نفسها بأنماط مختلفة؛ والدليل على ذلك أنَّ الثورة الفرنسية عندما انفجرت عام 1789م، ارتبط انفجارها في المقام الأول باستحقار الحاكمين (الملك لويس السادس عشر والملكة ماريا انطوانيت) لمطالب المحكومين المشروعة؛ لكن نمو الوعي السياسي بين المحكومين دفعهم للمطالبة بحقوقهم جهراً، ونتيجة لذلك انتقل الثوار من مربعهم المطلبي القائم على ضرورات الحياة الإنسانية إلى المربع الذهبي الذي جسده شعار الثورة الثلاثي الخالد "الحرية، الإخاء، المساواة". لكن يبدو أن أهل السلطان وبطانتهم في السُّودان لا ينتبهون إلى عِبَرِ التاريخ، بل اكتفوا بالظن المجانب للصواب عندما عزوا الاحتجاجات التي انتظمت مدن السُّودان المختلفة إلى الأزمات الآنية (غلاء أسعار الخبز، شح المواد البترولية، مشكلة التداول النقدي) التي يعاني من شرورها شعب السُّودان الأبي، دون أن يذهبوا أبعد من أرنبة تفكيرهم السياسي ومصالحهم الذاتية، وينظروا في عمق المشكلة المتمثل في تراكمات الفشل السياسي والاقتصادي المتكررة، وانسداد أفق الانفراج في نظر المتظاهرين. والسبب في ذلك أنَّ الحاكمين مالوا إلى الفهلوة السياسية أكثر من البحث عن حلول موضوعية، تقي البلاد والعباد شر التظاهرات الشعبية وصدها وملاحقتها بعنف الأجهزة الأمنية المنظم. ينبغي أن يعلم الجميع أن العنف لا يولد إلا عنفاً مضاداً، والعنف المضاد يفضي إلى الفوضى. لكن قبل أن يبلغ السيل الزبى على الحكماء والشرفاء من أهل السُّودان أن يشرعوا في وضع حلول تقي البلاد وأهلها شر القتال.

من هم المتظاهرون؟
المتظاهرون هم أبناء الشعب السُّوداني، الذين وُلِدَ معظمهم في عهد حكومة الإنقاذ، وظلوا في صغرهم يرددوا شعاراتها السياسية "هي لله، لا السُّلطة، ولا للجاه"، والاقتصادية "نأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع"، والخارجية "لن نذل، ولن نهان، ولن نطيع الأمريكان." لكنهم عندما بلغوا رشدهم أدركوا زيف هذه الشعارات؛ لأنهم علموا أن السُّلطة أضحت مطية للثروة والجاه، ومن أجل البقاء في كنفها يُعدل الدستور، وفي سبيل التمسك بكراسي حكمها تتبدل المواقف الأخلاقية، فالذين وُصِفُوا بالأمس بالتآمر على السُّلطة الحاكمة نفسها، عادوا إلى حظيرتها صاغرين، وأجازوا لأنفسهم وصف المتظاهرين ضد السُّلطة اليوم بأنهم خونة وعملاء للموساد الإسرائيلي، دون أنْ يُحكِّموا الضمير الأخلاقي الحي الذي يحاسب صاحبه قبل أن يحاسب الآخرين؟ ولذلك تبخرت في أعين أنصار الأمس من الشباب الشعارات المضللة؛ لأن السُّلطة الحاكمة عجزت أن تقدم لهم لقمة العيش الكريم، في وقت أن كبراؤهم يأكلون من مطايب الدنيا التي تنتجها مصانع الغرب الذي وصفوه بالكفر والإلحاد، لذلك أعلنوا كفرهم الصراح بوعود الحاكمين، وخرجوا عليهم في الشارع العام وفي ذاكرتهم الجمعية أن الثورة هي المنفذ الوحيد للبحث عن الحرية والإخاء والمساواة، وعن ضرورات الحياة الكريمة، دون أن يخططوا لتلك الأهداف المنشودة بطريقة منظمة ومدروسة؛ لأن الإحباط أضحى سيد الموقف في كل فضاءات الحياة السُّودانية وأغلق النوافذ أمام تطلعات الشباب وطموحاتهم المستقبلية. استحلفكم بالله يا هؤلاء! أيجوز أن نصف مثل هؤلاء المتظاهرين بالخونة، أو المرتزقة، أو عملاء الموساد الإسرائيلي؛ لتبرير تعنيفهم وقتل بعضهم بدم بارد، دون تقديم حلول موضوعية لمشكلاتهم الآنية المشروعة، حقاً لا يستقيم الظل والعود أعوج.

ما مسوغات التظاهر ضد حكومة الإنقاذ؟
لعل المراقب الحصيف لحال البلد يجد كثيراً من المسوغات الموضوعية في هتافات المتظاهرين، وحوارات الوسائط الفضائية الهادفة، وفي الاقتباسات الواردة أدناه من نص البيان الأول "لثورة الإنقاذ الوطني"؛ التي وصفت واقع الحال السياسي والاقتصادي بالفشل الذريع الذي انتجته الأحزاب السياسية الحاكمة آنذاك؛ لتجد لنفسها مبرراً سياسياً للانقلاب على نظام الحكم الدستوري، دون استشارة أصحاب الحق الشرعيين (الناخبون السُّودانيون).

"أيها الشعب السُّوداني الكريم،
إنَّ قواتكم المسلحة المنتشرة في طول البلاد وعرضها ظلت تقدم النفس والنفيس حمايةً للتراب السُّوداني، وصوناً للعرض والكرامة، وتترقب بكل أسى وحرقة التدهور المريع الذي تعيشه البلاد في شتى أوجه الحياة، وقد كان من أبرز صوره فشل الاحزاب السياسية بقيادة الأمة؛ لتحقيق أدنى تطلعاتها في الأرض، والعيش الكريم، والاستقرار السياسي... لقد عايشنا في الفترة السابقة ديمقراطية مزيفة، ومؤسسات دستورية فاشلة، وإرادة المواطنين قد تمَّ تزييفها بشعارات براقة مضللة، وبشراء الذمم، والتهريج السياسي، ومؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحاً لآخر قرارات السادة، ومشهداً للصراعات والفوضى الحزبية... ولكن العبث السياسي قد أفشل التجربة الديمقراطية، وأضاع الوحدة الوطنية بإثارة النعرات العنصرية والقبلية حتى حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دارفور، وجنوب كردفان، علاوة على ما يجري في الجنوب من مأساة وطنية وإنسانية... لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية، وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف هذا التدهور، ناهيك عن تحقيق أي قدر من التنمية. فازدادت حدة التضخم، وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل، واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم؛ إما لانعدامها، أو لارتفاع أسعارها، مما جعل كثيراً من أبناء الوطن يعيشون على حافة المجاعة. وقد أدى هذا التدهور الاقتصادي إلى خراب المؤسسات العامة، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وتعطل الانتاج .... وانشغل المسؤولون بجمع المال الحرام، وعم الفساد كل مرافق الدولة.... قد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي إلى الشرفاء فشردتهم تحت مظلة الصالح العام، مما أدى إلى انهيار الخدمة المدنية. وقد أصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سبباً في انهيار المواصلات، والسياسات القومية، وافراط عقد الأمن حتى افتقد المواطنون ما يحميهم، ولجأوا الى تكوين الميليشيات، كما انعدمت المواد التموينية في الأقاليم إلا في السوق الأسود، وبأسعار خرافية.."

إذا احتكم دعاة الانقاذ إلى المبررات المذكورة أعلاه، فيجب عليهم أن يسألوا أنفسهم بكل شفافية وموضوعية، هل أفلحوا في انقاذ السُّودان من مشكلاته السياسية وأزماته الاقتصادية التي أشاروا إليها أعلاه؟ أم زادوا الخرق فتقاً؟ فمطالب المتظاهرين وحال البلد يؤكدان أنَّ الفَتْقَ قد اتسع على الرَّاتِقِ؛ لذلك يجب على الرَّاتِقِ أن يرحل، مادام شعار المتظاهرين "حرية، سلام، وعدالة، والثورة خيار الشعب". وبعد ذلك يعاد الحق المسلوب للمواطن السُّوداني؛ ليحدد خياراته الواعية التي يجب أن تنطلق من سؤال جوهري: كيف يُحكم السُّودان؟ دون أن يضعوا العربة أمام الحصان، ويعيدوا انتاج السؤال المشكل: "مَنْ يحكم السُّودان"؟ لأن معظم القيادات الحالية قد تمَّ تخريبها في الحكم، فلم تقدم لأهل السُّودان حلولاً مقنعة، سوى جدلية الدائرة الشريرة القائمة: "الديمقراطية، والدكتاتورية، والانتفاضة الشعبية." ولذلك على القيادات الشابة-الواعدة، بألوان طيفها السياسي المتنوعة، أن تفكر خارج صندوق الخيارات القديمة، الذي لا توجد بداخله مقترحات وحلول مواكبة لتطلعات العصر.

أزمة السودان: أزمة خبز أم سياسة؟
لا أظن أنَّ أزمة السُّودان في العمق أزمة خبزٍ، كما يعلل ذلك بعض المحللين السياسيين، بل أزمة سياسية بامتياز؛ لكن المعضلة الأساسيَّة أن البيئة الحاضنة للحراك السياسي بيئة فاسدة ومتأثرة بإسقاطات النظام الحاكم (الظلم والفساد والاستبداد)، وتشظي الأحزاب السياسية، وضعف النقابات المهنية والعمالية. ويقودنا هذا الواقع إلى طرح أسئلة جوهرية: ما الآليات المطلوبة لإصلاح البيئة الحاضنة لإنتاج فعل سياسي لحل الأزمة الآنية؟ ومن أين يبدأ الحل السياسي؟ وكيف تكون عملية الوصول إليه في ظل معطيات لا تُشبه معطيات أكتوبر 1964م ومارس/أبريل 1985م؟ نعم، أنَّ القاسم المشترك بين هذه الانتفاضة والانتفاضات السابقة يتمثل في توفر كل الظروف الموضوعية لاندلاع المظاهرات، والمطالبة برحيل النظام؛ لكن هناك متغيرات على أرض الواقع تحتاج إلى تعاطي سياسي مختلف، وتتمثل هذه المتغيرات في الآتي:
• أولاً: إنَّ السلطة الحاكمة في السودان تقوم على تحالف سياسي وعسكري بين حزب المؤتمر الوطني والمؤسسات الأمنية النظامية وغير النظامية التي أنشأتها حكومة الإنقاذ، أو دجنتها بعناصرها السياسية في الثلاثة عقود الماضية.
• ثانياً: إنَّ المعارضة السياسية للنظام الحاكم مقسمة إلى العديد من الأحزاب، المتناحرة مع بعضها، والتي لا يجمعها برنامج سياسي مشترك.
• ثالثاً: إنَّ الذين خرجوا من عباءة المؤتمر الوطني أضحوا يشكلون تياراً سياسياً معارضاً لسياسات حكومة الإنقاذ التي اشتركوا في صناعتها، أو أيدوها في بادئ أمرها، لكن بعض المعارضين يرفضون التعاون مع هذا التيار، ويحاولون إقصاءه بجريرة أن أعضاء كانوا جزءاً من النظام في يوم من الأيام.
• رابعاً: إنَّ الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية قد تراجع دورها من القيادة السياسية الفاعلة إلى المشاركة الجزئية والتأييد السياسي للمتظاهرين.
• خامساً: إنَّ قوام المظاهرات التي خرجت في الأسبوعين الماضيين يتكون من الشباب الذين لا ينتمون إلى أحزاب سياسية بعينها أو مؤسسات نقابية.
• سادساً: إنَّ المتظاهرين السودانيين في دول المهجر الغربي أضحى لهم صوت مسموع في المشهد السياسي داخل السودان وخارجه.
• سابعاً: إنَّ وسائل الاتصال الإلكتروني أسهمت بصورة جلية في تحريك الشارع السوداني، ونقل مشاهد التعاطي الأمني العنيف مع المتظاهرين العزل إلى منظمات حقوق الإنسان الدولية، وسائط الأعلام العالمية.
• ثامناً: إن بعض المساجد التي كانت منصات فاعلة في تأييد حكومة الإنقاذ، قد أضحت اليوم موطناً من مواطن المعارضة الجريئة وساحات التظاهر ضد النظام الحاكم ورموزه.

تدفعنا كل هذه المتغيرات إلى القول بأن الناشطين السياسيين باختلاف مدارسهم الفكرية يجب أن يخرجوا من دائرة الصراعات الثنائية العقيمة وغير المنتجة، مثل صراع الختميَّة والأنصار، والاتحاديين والأمة، ودعاة العَلمَّنة والأسلمة، إلى دائرة التفكير الإيجابي القائم على ثلة من القيم الأخلاقية-الوطنية والسياسية الواعية، والتي يمكن أن تؤهلهم لوضع أهداف مشتركة؛ لتصعيد الضغط على النظام الحاكم، أو للتحاور معه وفق ثوابت سياسية جديدة. وفي المقابل يجب على السُّلطة الحاكمة أن تحترم وعي المواطن السُّوداني وخياراته المشروعة، وتفتح أذنيها لسماع هتافات المتظاهرين، ونصائح الشرفاء من أهل الحكمة والدراية، قبل أنْ تُغلق المدارس والجامعات والمعاهد العليا، ووسائط الاتصال الإلكتروني، وقبل أن تُوزع قواتها النظاميَّة وغير النظاميَّة في الطرقات لفض المتظاهرين بالعنف. إنَّ الواقع السياسي يحتم عليها أن تعترف بتفاقم الأزمة السياسية دون الهروب إلى الأمام بمبررات غير مقنعة؛ لأن الاعتراف بالأزمة هو بداية الحل، والإقرار بالعجز عن حلها وحل تداعياتها جزء من الحل، والاصغاء لأطروحات الآخرين والتجاوب معها بجدية يفسح المجال للبحث عن حلول إيجابية، ربما تُسهم في الخروج من هذا النفق المظلم، قبل أن يدخل السودان في دائرة العنف والعنف المضاد.