عرضنا في الجزء الأول من هذا التقديم لكتاب محمد المصطفى موسى، الموسوم بـ "الأصداء العالمية للثورة المهدية"، المحورين الأول والثاني. إذ تطرقنا في المحور الأولى إلى الاهتمام الواسع الذي حظيت به الثورة المهدية خارج السودان، بحكم أنها استمدت شرعيتها من فكرة المهدي المنتظر (أو المُخَلِّص)، ذات الحضور الكثيف في أدبيات التراث المسيحي والإسلامي، فضلاً عن أنها كانت تشكل تهديداً حقيقياً للحدود الجنوبية لمصر مع السودان. وفي المحور الثاني، سرد المؤلف نماذج متعددة للأصداء المؤازرة لانتصارات المهديَّة في إيرلندة، وشبه القاهرة الهنديَّة، وجنوب شرقي آسيا، وبعض البلدان المسلمة. وكان معظم هذه الأصداء ينطلق من واقع كراهيَّة الشعوب المستعمرة لسيادة البريطانيين على أراضيها، ويبدو أنَّ انتصارات المهديَّة قد خاطبت أشواق تلك الشعوب المُسْتَعمَرة وأحلامها بالتحرر من سطوة النفوذ البريطاني. ونتناول في هذا الجزء الثاني من تقديم كتاب أصداء المهدية العالمية المحور الثالث الذي يتجسد في الأصداء العالميَّة لمعركة كرري (أو أمدرمان)، والتي شكلت نهاية الدولة المهديَّة، وإعادة الاعتبار للإمبراطوريَّة البريطانيَّة، التي كانت تنظر لوجود الدولة المهديَّة في السُّودان جرحاً لكرامتها، وتهديداً لمصالحها في مصر الخديوية. وبالرغم من هزيمة المهدويين في كرري؛ إلا أنَّ ونستون تشرشل، الكاتب الحربي الذي رافق الحملة آنذاك، قد وصف المهدويين بـ"أنهم أشجع رجال مشوا على وجه الأرض"، وإن القوات الغازيَّة لم تهزمهم لكن حطمتهم بقوة الآلة العسكرية. أما أنصار المهديَّة في الصحافة البريطانيَّة فكان لهم رأي آخر، إذ سخروا من النصر الذي تفاخر به الجنود البريطانيون. وعلَّق على ذلك كويليام بمقالٍ محتشدٍ بالأسئلة الاستنكارية في صحيفة الهلال (The Crescent)، بتاريخ 21 سبتمبر 1898م، وجاء في إحدى فقراته:

"هذه الشجاعة التي يتبجح بها البعض بكثرة، وينسبونها للجنود البريطانيين، أين هي؟ أليس هؤلاء هم الذين أغواهم الشغف بأسلحتهم الإجراميَّة، فطفقوا ينشرون الموت والدمار على كل ما حولهم؟ ألم تكن القوات البريطانيَّة هي التي احتمت بمساحة آمنة من عدوها؟ وهي تنثر وابلاً من الرصاص على هذا الحشد من المقاتلين الوطنيين النبلاء، الذين امتازوا بالبسالة الكافية بذات القدر، الذي أعوزهم فيه حسن التسليح. ضعوهم معكم في مكان واحد، بحيث يكون كل رجلٍ منهم في مواجهة رجلٍ منكم، بفرص متساوية وأسلحة مماثلة، وعندها من منكم يستطيع أن يشكك في النتيجة التي ستنتهي إليها تلك المواجهة؟ لا شك في أنَّ صيحات النصر كانت ستصدع بها حناجر المهدويين عندئذ. هذا النصر الذي حققه الجنود البريطانيون، هو ذات النصر الذي يستطيع أن يحوز عليه القراصنة واللصوص والناهبون لأراضي الشعوب. نعم، من الممكن القول بأن النصر قد وقف في صفوف البريطانيين بذلك اليوم؛ ولكن الشرف والكرامة سيرقدان للأبد مع أولئك العشرين ألف من الرجال، بأجسادهم الصريعة التي ستستحم ببياض ثيابها رمال الصحراء... إنَّ الدخان المنبعث من حروب السُّودان هو ليس بشاهد على شيء، بقدر شهادته على مقدار الجرم الإنجليزي هناك."

واضح من هذا النصّ والاقتباسات الأخرى التي أوردها المؤلف في متن كتابه القيم، أن هناك صوت آخر كان يُفاخر بالنصر الذي حققته الجيوش البريطانيَّة على "أعراب السُّودان المتوحشين"؛ والسبب في ذلك يُعزى إلى الإعلام الدعائي الذي روَّجت له صحائف المخابرات البريطانيَّة، لكسب الرأي العام لغزو السُّودان، وبعض الأقلام الصحافيَّة والرسميَّة التي كانت ترى في هزيمة المهدويين رد اعتبارٍ للقوات البريطانيَّة، التي فقدت سمعتها العسكريَّة في شيكان والخرطوم.
وفي المحور الرابع حاول محمد المصطفى أن يُقدِّم قراءةً نقديَّةً لأدبيات الحرب الدعائيَّة التي أدارها الجنرال فرانسيس ريجنالد ونجت (Francis Reginald Wingate)، رئيس قلم المخابرات بالقاهرة، مُوظِّفاً مجموعة من التقارير والكتب الدعائيَّة المناهضة للمهديَّة؛ لحث الحكومة البريطانيَّة على غزو السُّودان والانتقام لدم الجنرال غردون، الذي سال على أعتاب سرايا الحكمداريَّة بالخرطوم. ومن أهم الكتب التي صدرت في هذا الشأن، كتاب الأب جوزيف أوهرولدر "عشر سنوات في أسر معسكر المهدي"، وكتاب رودلف سلاطين، "السيف والنار في السُّودان." وفي قراءته النقدية للأدبيات الاستخباراتية-البريطانية المناهضة للمهدية، استند المؤلف إلى فرضتين، ومنهج-إجرائي تلامس أطرافه ما يُعرف بمنهج "نقد النقد" في العلوم الإنسانية المعاصرة. وتُمثِّل الفرضيَّة الأولى "بنية الوعي النفسية" في العهد الفيكتوري، المتكئة على روح الاستعلاء، والتفوق الاستعماري، والنظرة الدونية للآخر. ولذلك يرى جنرالات الجيش والاستخبارات البريطانية آنذاك أنَّ انتصارات المهدية على قادة عسكريين بريطانيين عظام، أمثال هكس وغردون، قد أثارت شكاً ذاتياً (Self-Doubt) في قدرة الإمبراطورية العسكرية، وإعادة التوزان النفسي من هذا الشك الذاتي (أو رد الكرامة) كانت تعني من وجهة نظرهم استنهاض الرأي العام البريطاني للقضاء على الثورة المهدية بشتى الوسائل والسبل المتاحة. وتجسِّد الفرضية الثانية تراث الحروب الصليبية المعادي للإسلام والمسلمين، والذي بزر بجلاء في كتابات القساوسة الذين عزوا فشل حملاتهم التنصيرية في السودان إلى اندلاع الثورة المهدية وسلوك قادتها البربري. ويظهر هذا النمط الاستعلائي-الكنسي في قول القس أوهرولدر: "إلى أي مدى سنسمح باستمرار هذا الوضع؟ إلى أي مدى ستصمت أوربا، ومن قبل ذلك بريطانيا صاحبة الحق الأول في مصر والسودان؟ بريطانيا التي تقف باستحقاق في المرتبة الأولى للأمم التي يقع على عاتقها جلب المجموعات العرقية المتوحشة نحو رحاب الحضارة. إلى متى ستراقب كل من أوربا وبريطانيا العظمى انتهاكات الخليفة عبد الله وتدميره الممنهج لشعب السودان، دون أن تحرك ساكناً؟" وحسب وجهة نظر المؤلف أنَّ هتين الفرضيتين قد شكلتا القاعدة التي انطلق منها السير ونجت باشا، عندما أشرف على تحرير كتاب الأب جوزيف أوهرولدر "عشر سنوات في أسر معسكر المهدي"، وكتاب رودلف سلاطين، "السيف والنار في السُّودان، كجزءٍ من أدوات حملته الدعائية لتجيش الرأي العام البريطاني والأوروبي ضد الدولة المهدية في السودان. وعند هذا المنعطف يبرز موقف سلاطين كرجل سياسية ودولة، يخاطب الرأي العام الأوروبي "عن السيف والنار في السودان"، والقس أوهرولدر كرجل دينٍ سيتعطف الرأي السياسي والديني في أوروبا بمعاناة أسره في المهدية. لأثبات صحة هذه الافتراضات، استأنس المؤلف بآراء بعض المؤرخين البريطانيين الذين انتقدوا أدبيات الحرب الدعائية ضد المهدية، أمثال بيتر مالكوم هولت (Peter Malcom Holt)، الذي يرى أنَّ أدبيات الحرب الدعائية ضد المهدية قد ركَّزت على "المشهد التصويري الحافل بالرعب والأعمال الوحشية، التي كان يعتقد أجدادنا البريطانيون أنها لا ترتكب إلا بواسطة رجال برابرة"؛ ونورمان دنيال (Norman Daniel) الذي وصف والسير ونجت باشا بأنه: "كان شغوفاً بأمر المهدية لدرجة الهوس، قبل أن يصبح لاحقاً محارباً صليبياً (Crusader) يخطط ويسعى للقضاء عليها"، وكذلك الصحافي فيرغيس نيكول (Fergus Nicoll)، الذي صنَّف مؤلفات الحرب الدعائية ضد المهدية بأنها: "كانت تنضح بالمرارة، وكان غالباً ما تنم عن الاحتقار السافر للمهدي ورسالته." وباستخدام منهج "نقد النقد"، استطاع محمد المصطفى أن يؤكد ويثمن نظرة ثلة من المؤرخين السودانيين الذين قيَّموا أدبيات الحرب الدعائية ضد المهدية، أمثال البروفيسور يوسف فصل حسن، الذي وصفها بأنها مؤلفات:

"كُتب أغلبها بواسطة أناس تمَّ توظيفهم بواسطة الحكومة المصريَّة، أو ناشطين في الحملة الدعائيَّة التي مهدت للحملة العسكريَّة ضد السُّودان، وبالتالي جاءت تلك الكتابات متسمة بالجنوح نحو الإثارة، وفي بعض الأحيان أحاطتها النيات الجائرة المبيتة. كانت تلك الأقلام واقعة تحت تأثير الحملة الدعائيَّة الرامية لقمع الثورة المهديَّة، والحملات الإعلاميَّة ضد تجارة الرقيق، والحركة الاستعماريَّة ذات الدوافع المسيحية."

وتعبير الفرضيات التي استند إليها محمد المصطفى وعضدها بمنهج "نقد النقد" في تقييم محتويات نصوص الأدبيات الدعائية مدخلاً مهماً لفهم الدوافع النفسية والسياسية والعسكرية المتعلقة بصوغ "النص الدعائي" ضد المهدية، وإعادة موضعتها في السياقات العامَّة التي شكَّلت بطريقة انتقائية معظم مفرداتها لاستنهاض الرأي العام الأوروبي ضد الثورة المهدية من زاوية، وتبرير الأفعال الوحشية وغير الإنسانية التي ارتكبها الجنود البريطانيون لاحقاً ضد المهدويين من أجل "رد الكرامة" البريطانية من زاوية أخرى. كما يساعد هذا المداخل الباحثين بألا ينظروا لأدبيات الحرب الدعائية بأنها أدبيات محايدة وموضوعية، بل يجب أن تخضع لعملية "نقد باطني" دقيقة، قبل أن تُوظف محتوياتها توظيفاً مصدرياً في أي دراسة ذات صلة بتاريخ المهدية.

خاتمة
وفي الختام تبقي ليَّ كلمة أخيرة، مفاداها أنَّ هذا الكتاب "الأصداء العالميَّة للثورة المهدية" قد قدَّم عرضاً تحليلياً لنظرة الآخر تجاه الثورة المهديَّة وانتصاراتها، وأضاف معرفةً تاريخيَّةً لما كتبه سلفاً ب. م. هولت، "المهديَّة السودانيَّة والعالم الخارجي، 1881-1889"، ودي. ني. مايكل "أسرع أيها المهدي! الصحافة الإيرلنديَّة والإمبراطوريَّة أثناء صراع السودان، 1883-1885م"؛ وأحمد الأمين البشير، "ردود الفعل في الولايات المتحدة الأمريكية للثورة المهدية بالسودان"؛ كما أنه فتح آفاقاً جديدةً للباحثين الذين غابت عن مدوَّناتهم المصدريَّة بعض الوثائق والصُحف المحفوظة في أضابير الأرشيف البريطاني. وبذلك استطاع النَطَاسِيُّ محمد المصطفى موسى أنْ يقدِّم إضافة نوعيَّة إلى المكتبة السُّودانية، ويضع اسمه في قائمة أساتذة الطب والصيدلة السُّودانيين الذين اهتموا بالدراسات التاريخية، ونذكر في مقدمتهم العالم الموسوعي الجليل الدكتور التيجاني الماحي (1911- 1970م)، الذي أفرد كتاباً مرجعياً للمكتبة العربيَّة بعنوان "مقدمة في تاريخ الطب العربي"؛ وكذلك الأستاذ الدكتور بدر الدين حامد الهاشمي، الذي برع في ترجمة العديد من المقالات التاريخيَّة إلى اللغة العربية، ونشرها في أثني عشر مجلداً، بعنوان "السُّودان بعيون عربية". ويقول الهاشمي في تقديم إحدى مقالاته المترجمة:

"ونترجم هذا المقال من أجل نشر الوعي ببعض آراء الغربيين في الماضي القريب، وما سجلوه في كتبهم وصحافتهم عن جزء مهم من تاريخ السُّودان؛ ألا وهو تاريخ الدولة المهديَّة وقادتها. ولا يجد المرء حاجة ليذكر بأنَّ ذلك التاريخ مكتوب بأقلام المنتصرين، ويغلب على كثير منه الغلو، والتحيز، والميل، والهوى، وعدم الإنصاف، تماماً كما هو الحال مع التاريخ الذي يكتبه ويحفظه ويردده المناصرون (دون تبصر)، والذين لا يرون في قادتهم الوطنيين التاريخيين إلا أبطالاً عظاماً، لم تشب أفعالهم وأقوالهم شائبة، ولم تكن أفعالهم إلا خدمةً خالصةً للدين والوطن، بل وقد يلتمسون لهم الأعذار فيما ارتكبوه من انتهاكات، ومخازي، ومجازر."

والنموذج الثالث الأستاذ الدكتور موسى عبد الله حامد، الذي ذكر في مقدمة كتابه الموسوم بـ "استقلال السُّودان بين الواقعيَّة والرومانسية":

"إنَّ كاتب هذه السطور لا يزعم أنه "عالم تاريخ"، بالمعنى الذي تضفيه على الإنسان الإجازة الأكاديميَّة في هذا الفرع من فروع المعرفة؛ ولكنه يستطيع أن يزعم أنه مولع بدراسة التاريخ، وله بعض إطلاع على أحداثه في مظانها المدونة وغير المدونة. وليس بكثير على من كان هذا شأنه أن يسرد أحداث التاريخ كما استبانها في مظانها، وأن يدلي برأي في تقييمها، أو تفسيرها، أو في صحة أو عدم صحة ما قال به آخرون عنها في حكمها عليها."

وغاية المقصد هنا، أنَّ الدكتور محمد المصطفى موسى قد استبان كثيراً من الأصداء العالميَّة للثورة والدولة المهديَّة في مظانها الأرشيفيَّة، وعرضها من واقع المنطلقات الفكريَّة والسياسيَّة التي شكلت استجابات المهتمين بانتصارات الثورة المهديَّة في حروبها الدفاعيَّة ضد الإمبراطوريَّة البريطانيَّة؛ فله التهنئة المستحقة على انجاز هذا السِّفْرُ القيم في موضوعه، والتوفيق والسداد في مُقْبِلِ أيامه.

أحمد إبراهيم أبوشوك
الدوحة، 24 مارس 2019م

الناشر: دار المصورات، الخرطوم.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.