وأخيراً ...انجزت الخرطوم وتسندها منظمة دول الإيقاد إتفاقية تعتبر تاريخية بين فرقاء الحركة الشعبية لتحرير السودان و التي ظلت تحكم الجنوب خلال الفترة الإنتقالية التي إمتدت لست سنوات ( 2005 --- 2011م ) والتي قررتها إتفاقية السلام الشامل في بلدة ( نايفاشا) الكينية حيث كان قرار شعب جنوب السودان وقتذاك هو الإنحياز لخيار الدولة المستقلة عن الشمال وبنسبة تصويت قاربت 99% في الأستفتاء الذي شمل الجنوبيين في الشمال والجنوب معاً .

غير أن الصراع القبلي الذي كان يعرف تفاصيله ومكوناته مسبقاً الدكتور الراحل جون قرنق ديمبيور قد أجهض إستقرار الوضع داحل حكومة الجنوب الوليدة ، لذلك كان د. قرنق وحدوياً صرفاً في كل خططه وبرامجه وندواته العديدة ومخاطباته لأبناء شعبه إبان سنوات تلك الحرب التي كان يقودها منذ العام 1983 وحتي وقف إطلاق النار في العام 2003م تقريبا حين تقرر الدخول في مفاوضات السلام التي افضت إلي تلك الإتفاقية في التاسع من يناير 2005م .
والمتابع لتلك الإحداث جيداً يري أن القوي الدولية بقيادة الولايات المتحدة كانت تضغط علي الراحل قرنق بأن ينحاز إلي خيار قيام دولة مستقلة حتي يبتعد الجنوب من سيطرة الإسلام السياسي العروبي الذي ظل يحكم السودان منذ 30 يونيو 1989م ، بل كانت الولايات المتحدة تمارس ضغطاً عاليا علي الحكومة السودانية في جعل خيار إنفصال الجنوب هدفاً إستراتيجياً لأيقاف تلك الحرب الاهلية اللعينة ، وقد وعدوا الدولتين بدعم التنمية فيهما تعويضاً عن الدمار الذي أحدثته الحرب الاهلية حتي تلحق الدولتان بركب التنمية والحضارة ، وقد سارت دول الإيقاد في هذا الإتجاه أيضا ، حتي ان الدول الاروبية التي سميت بدول شركاء الإيقاد ظلت حضورا مستمرا في مفاضات نايفاشا حتي تسهل عملية التفاوض حول الأتفاق .
والشاهد أن دكتور جون قرنق كان يضمر في قلبه وعقله شيئا آخر وهو أن يعمل علي خيار الوحدة لكي يجنب البلاد مخاطر الإنشطار وايضا يجنب جوبا مخاطر الصراع القبلي بين الدينكا والنوير ، برغم ضغوط السيدة ( سوزان رايس ) مندوبة الولايات المتحدة في هيئة الأمم ورئيسة منظمة حقوق الإنسان العالمية ( Human rights watch ) حتي أنه حين إحتفلت دولة الجنوب بقام دولتها المستقلة عن الشمال فإن رايس ذكرت في خطابها في جوبا أن الجنوب قد نال أستقلاله من سيطرة الشمال.
وحين بدأ د. قرنق في ممارسة مهامه بالقصر الجمهوري كنائب أول لرئيس الجمهورية وفقاً لإتفاقية السلام فإن تآمر المخابرات الدولية قد بدأ سريعا في التخطيط لإغتياله حتي لايقف عقبة بعد ست سنوات في خطة إنفصال الجنوب وبالتالي قد ضحوا به مبكرا بعد ثلاثة اسابيع من تقلده منصبه الجديد في دولة السودان الواحد آنذاك . وبعدها أصبح الطريق ممهداً لدعاة الإنفصال من قيادات الحركة الشعبية لكي يقوموا بتعبئة وحشد شعب الجنوب بالمنطقتين لكي يتخذوا من الإنفصال الخيار الأفضل ، وقد كانوا للأسف يحرضونهم بأنهم سيتحرروا من إستعمار العرب المسلمين..
فتأمل !!!!
والآن ... وبعد أن اقر طرفا الصراع بدولة الجنوب بفشل التجربة وقد تعطلت دولة الجنوب تماما وسالت الدماء التي كست أحراش الجنوب وأصبحت لغة السلاح هي الطاغية وأنسحبت الولايات المتحدة من رعايتها للدولة الوليدة إقتصاداً وأمناً وايضا أدارت ظهرها عن مساعدة السودان ، تماما مثلما فعلت مع الرئيس السادات حين وقع إتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل ووعدوه بأن يجعلوا من مصر جنة الله في الارض ثم أداروا له ظهرهم بعد أن فقدت مصر التعاطف العربي وقتها فمات السادات مقتولاً... وجبن فشلت دولة الجنوب وأضطرب أمنها ، تأتي الولايات المتحدة اليوم لتطالب بأهمية عودة اللحمة مع الشمال والإندماج تارة أخري في دولة واحدة وبلا تفاصيل طبعاً.
علي كلٍ ... فإن إتفاق الخرطوم الذي تم بالأمس القريب بين فرقاء الصراع الجنوبي ( سلفلكير ورياك مشار) أو الدينكا والنوير ، سوف يمهد إلي حدوث إستقرار بالدولة المنهارة في كل شيء ، علي أساس أن تقوم هناك حكومة إنتقالية مدتها ثلاث سنوات تعقبها إنتخابات عامة تؤطر لديمقراطية مستدامة.
وهنا يخطر ببالي شيئاً محدداً وهو أن دولة السودان الحالية في الشمال بعد أن إقتنعت بأهمية تأسيس فترة إنتقالية بدولة جنوب السودان كحل منطقي لكل الإشكاليات الماثلة هناك ، لماذا لا تفكر الحكومة السودانية في قيام فترة إنتقال في الخرطوم تنهي حالة الإحتراب الحالية وتؤسس لدولة سلام شامل داخلي قائمة بقناعات تامة لتنهي فشلا متراكما علي مدي ثلاثين عام ضاع خلالها كل شيء ( إقتصاد وموارد وخدمة مدنية وتعليم وصحة وإنشقاقات وسط القوي السياسية السودانية وهجرة للكفاءات والحرفيين) .... حتي لا ينطبق علينا المثل المعروف ( أب سنينة يضحك علي أب سنينتين ).
وإلي اللقاء،،،
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////