قراءة الأدب ليست نشاطا سلبيا، فالقارىء لا يكتفي بدور المتلقي وحسب بل يقوم باعادة انتاج النص الأدبي في مخيلته من خلال عملية القراءة فيضفي عليه ما يختزنه من تجارب وخبرات تظل تتفافز الى الذاكرة اثناء القراءة ويشاهد بعين الخيال ما يقرأه كأنه يمر بين ناظريه حتى يخيل للقارىء احيانا انه جزء من النص أو لربما يحس بانه هو المعني بما يقوله النص. 

ودلالة النص قد لا تتحدد من قراءة واحدة لكن تتفاوت هذه الدلالة من قارىء الى آخر حسب استعداد القارىء الواحد في كل مرة يعاود فيها القراءة، وذلك وفقا للحالة المزاجية التي يكون عليها. وهذا الدور الفاعل للقراءة حدا ببعض اتجاهات النقد الحداثي الى القول بان العملية الابداعية لا تكتمل الا بالقراءة.
عقب فوزه بجائزة نوبل للآداب سنة 1982 رفض الكاتب الكولومبي الكبير جابرييل قارسيا ماركيز عروضا مغرية من كبار منتجي السينما في العالم لتحويل رائعته (مائة عام من العزلة) إلى فيلم سينمائي. وعندما سئل ماركيز عن سبب هذا الرفض، أجاب:" أنا أفضل أن يتخيل قارئ رواياتي، الشخصيات، كما يحلو له، وأن يرسم ملامحها كما يريد. أما عندما يشاهد الرواية على الشاشة، فإن الشخصيات ستصبح ذات أشكال محددة هي أشكال الممثلين، وهي ليست الشخصيات التي يتخيلها المرء أثناء القراءة".
هكذا يريد ماركيز أن يبقي على مخيلة القارئ حرة غير مؤطرة بالحدود التي يرسمها كاتب السيناريو أو المخرج. فمخيلة القارئ تستدعي أثناء القراءة العديد من الإيحاءات والصور ليست الصورة التي يجسدها المخرج سوى واحدة منها. وبرغم أن ماركيز قد سمح فيما بعد بتحويل بعض رواياته (ليس من بينها مائة عام من العزلة) إلى أفلام سينمائية، إلا أن رأيه يظل يحمل أهمية خاصة ويلتقي مع رأي ولفجانج إيزر الذي يعد من أهم منظري جماليات القراءة والتلقي.
ففي سياق شرحه لنظريته في كتابه (فعل القراءة) يعلق إيزر على الفيلم المأخوذ من رواية (تاريخ توم جونز) لهنري فيلدنج بقوله إن المشاهد للفيلم يرى شخصية توم جونز في هيئة واحدة في كل الأوقات، أما القارئ فيرى الشخصية في هيئات متعددة. ويخلص من ذلك إلى أن "الصورة المرئية المجسدة بالسينما تستبعد حاجة القارئ إلى التخيل والتصور وبالتالي تعفيه من دوره الإنتاجي في القراءة وتحيله إلى مستهلك سلبي. لذلك كثيرا ما نشعر بخيبة الأمل والافتقار إلى شئ ما إذا كنا قرأنا الرواية قبل أن نشاهدها على شاشة السينما".
لقد برزت نظرية (جماليات التلقي) التي تعلي من دور القارىء في العملية الإبداعية، على الساحة النقدية في أواخر ستينيات وأوائل سبعينيات القرن الماضي. وتعرف بألمانيا بهذا الأسم Aesthetics Reception Theory أي (جماليات التلقي) ومن أهم رموزها هانس روبرت ياوس وولفجانج إيزر وهما أبرز الأعضاء بمدرسة (جماليات التلقي) بجامعة كونستانس الألمانية. بينما تعرف النظرية بالولايات المتحدة الإمريكية بنظرية (استجابة القارئ) Reader Response Theoryومن أبرز رموزها هنالك، نورمان هولاند وديفيد بليتش وستانلي فيش.
ومن أهم رموز نظرية (استجابة القارىء) الإيطالي امبرتو إيكو الذي كان يتسيد الساحة النقدية حتى رحيله في مطالع هذا العام 2016. فهو قد سبق مدرسة كونستانس إلى هذا التوجه حين أصدر كتابه (العمل المفتوح) سنة 1962 ثم اتبعه في السبيعنات بـكتابيه (دور القارىء) و(القاريء في الحكاية). وهذه المساهمات مكملة لمشروع إيكو الأساس في علم التأويل والسيميائية.
وترجع الجذور الفلسفية لنظرية (جماليات التلقي) بألمانيا في طرف منها الى الفلسفة الظاهراتية ( الفنومنولوجيا) كما ترجع في طرف منها إلى علم التأويل (الهيرمنيوطيقا) وبخاصة فلسفة الألماني هانس– جورج جادامر. لذلك فهي تعد امتدادا لنظريات علم التأويل.

دور القارئ في تجسيد الموضوع الجمالي:
إذا كان صعود نظرية (جماليات التلقي) يعود إلى أواخر الستينات، فإن الفكرة الأصلية للنظرية تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي عندما أصدر الفيلسوف الظاهراتي البولندي رومان انجاردن( 1893_ 1970) كتابه ( العمل الأدبي الفني) سنة 1930.
يرى انجاردن أن العمل الأدبي يتكون من جانب محسوس concrete وآخر غير محسوس. الجانب المحسوس هو النص المكون من البنية اللغوية والدلالية وله وجود مستقل عن الوعي. أما الجانب غير المحسوس فهو الموضوع الجمالي الذي يقصد إليه العمل الأدبي. وهو الذي يحتاج إلى تدخل القارئ ليقوم بابرازه إلى حيز الوجود في الوعي". (انظر: روبرت هولب، نظرية التلقي، ترجمة د. عز الدين اسماعييل ص 163).
والنص وفقا لأنجاردن يأتي في شكل "مظاهر تخطيطية" وملئ بمناطق اللاتحديد ونقاط الإبهام. وهذا يستلزم أن يقوم القارئ بطريقة لا شعورية بملء هذه الفراغات بالربط بين أجزاء النص وتحديد النقاط غير المحددة وإزالة مواطن الإبهام".
ويطلق انجاردن على هذه العملية التي يقوم بها القارئ، بالتجسيد أو التحقيق العياني concretization
والتحقيق العياني من أجل ابراز الموضوع الجمالي في مخيلة المتلقي، يختلف من قارئ إلى قارئ آخر، بل من قراءة إلى أخرى عند الفرد الواحد. فذلك يعتمد على عدة عوامل منها خبرة وكفاءة القارئ في قراءة أعمال مماثلة، إلى جانب الحالة النفسية والمزاجية التي يكون عليها عند كل قراءة. "ومن ثم لا تتماثل قط عمليتان من عمليات التحقيق العياني تماثلا دقيقا حتى وإن صدرتا عن قارئ واحد.
كذلك يمكن أن تمثل أراء الفيلسوف الظاهراتي الوجودي الفرنسي الشهير جان بول سارتر بكتابه (ما الأدب) الصادر سنة 1948 What is Literature خلفية مرجعية لنظرية (جماليات التلقي) حيث تلتقي افكاره مع رومان انجاردن حول ضرورة القراءة بوصفها نشاطا ابداعيا مكملا للعمل الأدبي لإبراز الموضوع الجمالي من خلال ملء الفراغات والربط بين اجزاء النص واستنطاق مواطن الصمت التي اغفلها الكاتب عمدا.
والقراءة لدى سارتر انتظار وترقب فالقارئ: "يتنبأ بنهاية الجملة والجملة اللاحقة وما تكشف عنه الصفحات التالية آملا أن تتأكد توقعاته أو تخيب. القراءة تعج بالفرضيات وبالأحلام وبلحظات اليقظة، بالآمال والخيبات. والقراء دائما يستبقون ما تقوله الجمل لاستشراف المستقبل المحتمل الذي قد يتحقق جزئيا أو ينهار جزيئا أثناء تقدمهم في القراءة وينسحب من صفحة لأخرى مشكلا الأفق الذي يتحرك فيه الموضوع الجمالي. وبدون ترقب وانتظار، بدون مستقبل، بدون جهل بهذا المستقبل لا تتحقق موضوعية العمل الأدبي". ص 33 (لاحظ استعمال سارتر في هذا الاقتباس لكلمتي توقعات وأفق لأنها ستقابلنا بعد قليل في مصطلح أفق التوقعات لدى ياوس).

أفق التوقعات مقياسا جماليا:
أما هانس روبرت ياوس من "مدرسة كونستانس" بألمانيا فهو الذي أعطى نظرية (جماليات التلقي) هذا الأسم المأخوذ من عنوان أحد مؤلفاته وهو كتاب (نحو نظرية لجماليات التلقي) غير أن أفكاره الأساس قد وردت بورقة قدمها سنة 1967 بعنوان (التاريخ بوصفه تحديا لنظرية الأدب) History as A Challenge to Literary Theory والتي نشرها فيما بعد ضمن مقالات الكتاب المذكور. وقد اعتمدنا هنا على النص الإنجليزي لهذة المقالة.
الفكرة الأساس لياوس تتلخص في الدعوة لقيام منهج جديد في كتابة تاريخ الأدب يعتمد في ترتيب الأعمال الأدبية على قيمتها الجمالية والتاريخية وذلك استنادا إلى استجابة القراء الأوائل المعاصرين لها. فهو يرى أن المناهج السابقة لدراسة تاريخ الأدب كانت قاصرة لتجاهلها دور القارئ في تقييم البعد الجمالي للأعمال الأدبية وتجاهلها كذلك لتأثير هذه الأعمال على القارئ. ويذهب ياوس إلى أن القيمة التاريخية للعمل الأدبي لا يمكن التفكير فيها بدون مشاركة فاعلة من القراء.
إن تاريخية الأدب وطبيعته التواصلية تفترض وجود علاقة حوارية بين العمل الأدبي والقراء. "والسيرورة التواصلية للأعمال الأدبية لا يمكن إدراكها إلا بإدراك التغيير الذي يحدثه العمل الأدبي في أفق التجربة الجمالية إما بالتماهي مع المعايير الجمالية المألوفة أو انتاج معايير جديدة تتجاوز المعايير الجمالية السائدة".
ولذلك يرفض ياوس النظرة الوضعية الموضوعية التقليدية التي تكتفي بالنظر إلى تاريخ الأدب بوصفه تسلسلا موضوعيا من الأحداث في ماض معزول. وذلك لأن "العمل الأدبي ليس موضوعا يقف مستقلا بذاته ليمنح كل قارئ في كل العصور نفس القيمة الجمالية. فالحدث الأدبي بخلاف الحدث التاريخي، ليس له تأثير أزلي لا يمكن للأجيال المتلاحقة تفاديه. فتأثيره سوف لن يبقى إلا إذا استجابت له الأجيال اللاحقة أو أعادت اكتشافه".
ولكن كيف يمكن ترتيب وتنظيم الأحداث الأديبة تاريخيا وفقا لقيمتها الجمالية وتاثيرها على القراء؟ يجيب ياوس بأنه يمكنا القيام بذلك "من خلال فحص تغيير الأفق الجمالي وإعادة بنائه. فالنص الجديد يثير أفق توقعات القارئ والمعايير المألوفة في النصوص السابقة. فقد يعدل هذه المعايير أو يصححها أو يغير أو يعيد انتاجها. وهذا التعديل أو التصحيح يحدد مدى التغيير وإعادة الإنتاج التي لحقت بحدود بنية الجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص".
إذن يتخذ ياوس من "أفق التوقعات" Horizon of Expectations مقياسا لقيمة العمل الأدبي. وأفق التوقعات بهذا المعنى هو معيار للحكم على القيمة الجمالية للنصوص في حقبة من الحقب أو جيل من الأجيال وفقا لإستجابة القراء الأوائل المعاصرين للعمل الأدبي. ويقاس تغيير الأفق الذي يحدثه العمل الأدبي الجديد بقياس المسافة الجمالية Aesthetic Distance .
إذن "الطريقة التي يرضي بها أو يتجاوز أو يخيب أو يعارض بها العمل الأدبي أفق توقعات قرائه الأوائل عند ظهوره لأول مرة تعطينا مقياسا لتحديد قيمته الجمالية. فالمسافة بين أفق التوقعات والعمل الأدبي، بين التجارب الجمالية السابقة المألوفة ومقدار تغير الأفق الذي تتطلبه الاستجابة للعمل الجديد، تحدد الطبيعة الفنية للعمل الأدبي على طول امتداد تلقيه الجمالي".
وكلما بعدت المسافة بين أفق التوقعات والعمل الأدبي زادت قيمته الأدبية. وبالمقابل كلما "تضاءلت هذه المسافة، وهو ما يشير إلى أن العمل لم يتضمن دعوة إلى الوعي المتلقي لإحداث تغيير في الأفق لتجربة غير مألوفة، كلما كان العمل الأدبي أقرب إلى أدب المطبخ أو القراءة الخفيفة".
ولما كان الأفق متغيرا وليس ثابتا فإن الحكم على عمل أدبي ما في حقبة معينة سوف يتغير بالنسبة للأجيال اللاحقة لأن كل جيل يحكم على قيمة العمل الأدبي في ضوء معرفته وخبرته الجمالية التي يحددها السياق الثقافي والتاريخي."إن المسافة الجمالية التي كان ينظر إليها بوصفها تمثل منظورا جديدا سوف تختفي في حقبة تالية بنفس الدرجة التي نفى بها العمل الأدبي التجارب الجمالية السابقة عليه. وبالتالي يصبح هذا العمل توقعا مألوفا ليشكل جزءا من أفق توقعات التجارب الجمالية اللاحقة في المستقبل".
وهذا "ينطبق بصفة خاصة على ما يسمى بالروائع الكلاسيكية لأن روعة هذه الأعمال وقيمتها الأزلية التي لا تحتاج إلى إثبات، تقربها من وجهة نظر جماليات التلقي، بدرجة خطيرة من أدب المطبخ، وتتطلب قراءتها على نحو مضاد للسليقة مجهودا مضاعفا لكي تبرز قيمتها الفنية المكتفية بذاتها مرة أخرى".
ولكن هل حقا أن القيمة الجمالية للروائع الكلاسيكية تتساوى الآن مع الأدب الخفيف الذي نقرأءه ونحن نقوم بأعمال المطبخ؟ ألا يكفي أن قيمة هذه الروائع كونية وليست في حاجة إلى إثبات على حد عبارة ياوس نفسه؟ ألا تزال أشعار المتنبي وشكسبير مثلا وأشعار كثيرة غيرها قادرة على تحدي أفق توقعاتنا والتأثير فينا؟
هنالك إشكالية أخرى. وهي علينا أن نتذكر أن ياوس يتحدث عن قيام منهج جديد لكتابة تاريخ الأدب، فهو لا يتحدث بوصفه ناقدا عاديا وإنما بوصفه مؤرخا للأدب، فإذا جاز للناقد العادي أن يقيس التغيير الذي أحدثه العمل الأدبي المعاصر له في أفق توقعات الحاضر، فكيف لمؤرخ الأدب أن يقيس المسافة الجمالية لعمل صدر في الماضي؟ كيف يتسنى له موضعة نفسه في الماضي وإعادة بناء الأفق لمعرفة إن كان العمل الأدبي قد انتهك أو أعاد انتاج المعايير المألوفة؟

فعل القراءة وإعادة بناء الذات:
وأما ولفنجانج إيزر Wolfgang Iser ( 1926-2007) زميل ياوس بمدرسة كونستانس، فهو مهموم بوصف عملية القراءة: ماذا يحدث بالضبط عندما نقرأ عمل أدبي؟ لذلك جاء عمله الأساس تحت عنوان (فعل القراءة – نظرية جماليات التلقي) الذي صدر سنة 1976 وترجم منه حميد لحميداني والجلالي الكدية إلى العربية ثلاثة فصول صدرت في كتاب يحمل عنوان الأصل. والإستشهادات الواردة أدناه مقتبسة من هذه الترجمة العربية.
وينطلق إيزر من أراء رومان انجاردن وسارتر باعتبار أن النص لا يقدم سوى مظاهر خطاطية أو خطوط عامة وياتي مليئا بالفراغات ومساحات البياض فيقوم القارئ بالربط بين أجزاء النص وتحقيق الموضوع الجمالي للعمل الأدبي.
ويرى إيزر "أن هنالك بعدين للعمل الأدبي: البعد الفني وهو النص والبعد الجمالي وهو التحقيق الذي ينجزه القارئ". والعمل الأدبي هو محصلة التفاعل بين البعدين أي النص والقارئ. ومعنى النص عنده ليس كامنا فيه بصورة مستقلة، بل هو حدث أو ممارسة ينتج من خلال فعل القراءة حيث يقوم القارئ ببناء المعنى وتحقيقه في مخيلته".
غير أن عملية بناء المعنى وتحقيقه لا تتم بصورة عشوائية. لأن بنية النص أو ما يسميه إيزر الإستراتيجيات النصية (التقنيات السردية والأسلوبية) توجه القارئ وتتحكم في سيرورة القراءة وتمنع رد الفعل العشوائي للقارئ.
والقارئ الذي يتوجه إليه النص ليس قارئا بعينه وليس محددا مسبقا. فالنص هو الذي يحدد قارئه. "يجب علينا أن نسلم بوجود القارئ دون ان نحدد مسبقا طبيعته ووضعيته التاريخية. ويمكن أن نسميه، نظرا لعدم وجود مصطلح أفضل: القارئ الضمنى The implied reader .إنه تجسيد لكل الإستعدادت المسبقة الضرورية بالنسبة للعمل الأدبي لكي يمارس تأثيره، وهي استعدادات مرسومة من طرف النص.. وبذا يكون مفهوم القارئ الضمني هو بنية نصية تتوقع حضور متلقي دون أن تحدده بالضرورة".
والنص أي نص لا ينطلق من فراغ ولا بد له من اطار مرجعي في الواقع (السياق الثقافي والتاريخي والاجتماعي) لكي ينطلق منه. كما أن القارئ أي قارئ لا يأتي إلى النص خالي الوفاض. بل يأتي محملا بتجربته وخبرته المعرفية والجمالية وبالتالي ينطلق التفاعل بين النص والقارئ من أرضية مشتركة يسميها إيزر "رصيد النص".
ومعلوم أن المؤلف يهدف إلى تقديم رؤية للعالم من خلال النص. لكن النص لا يعبر عن هذه الرؤية بطريقة مباشرة وإنما من خلال التمثيل والحبكة ورسم الشخوص.
ويسمي إيزر وجهات النظر المختلفة التي يعبر عنها العمل بالمنظورات النصية. "هنالك أربع منظورات، في الرواية، وهي منظور السارد ومنظور الحبكة والمنظور المتخيل للقاريء. ولا يتطابق أي منظور من هذه المنظورات مع معنى النص. ولا يمثل أي منظور منها بمفرده معنى النص. وإنما نقطة التقاء هذه المنظورات هي التي تمثل النص. وهذه النقطة غير مصاغة في النص لغويا وعلى القارئ أن يتخيلها".
وعلي القارىء أن يقوم بالربط والتنسيق بين وجهات النظر لتشكل كلا مترابطا. وإذا يقوم القارئ بذلك، تتشكل لديه وجهة نظر متحركة تتحرك مع تحركات المنظورات النصية، يسميها إيزر "وجهة النظر الجوالة".
ولما كان النص لا يقرأ دفعة واحدة وان معناه لا يكتمل الا على مراحل يظل القارئ في حالة توقع وترقب ومراوحة بين أجزاء النص إلى الأمام والخلف والعكس.
ويشرح الناقد الألمعي تيري ايجلتون هذه الرؤية في كتابه (مقدمة في نظرية الأدب) النص الإنجليزي الأصل، بقوله: "وفي محاولته بناء معنى متماسكا للنص يحاول القاريء أن يمسك بمنظورات مختلفة للنص أو ينتقل من منظور إلى آخر لبني وهما متكاملا. وما علمناه في صفحة يضمحل ويتلاشي أو يعدل في الصفحات اللاحقة. فالقراءة لا تمضي في خط مستقيم فتوقعاتنا تخلق اطارا مرجعيا لنفسر على ضوئه ما يأتي لاحقا. وما يأتي لاحقا سوف يغير من فهمنا الأول باثر رجعي. وكلما تقدمنا في القراءة نبني المزيد من الفرضيات ونراجع الكثير من التصورات ونستخلص المزيد من الاستنتاجات المعقدة. فكل جملة تفتح أفقا جديدا وهذا الأفق قد يترسخ أو يقوض من قبل النص". ص 67.
على أن إيزر ليس مهموما فقط بوصف سيرورة القراءة ولكنه مهتم أيضا بما يحدثه النص الأدبي من تأثير جمالي على القارىء. ففي الوقت الذي يقوم فيه القارىء ببناء المعنى أو الموضوع الجمالي يقوم في ذات الوقت بإعادة بناء ذاته.
فالعمل الأدبي كما يقول ايجلتون شارحا: "يسائل قناعاتنا ويشكك في عاداتنا الروتينية وفي إدراكنا الأشياء. إن العمل الأدبي الجيد لا يكتفي فقط بترسيخ طرقنا في الإدراك ولكنه ينتهك ويتجاوز هذه الأساليب في النظر ليعلمنا أساليب وقواعد جديدة في الفهم.. إن النقطة الجوهرية في القراءة لدى إيزر هي أنها تمنحنا وعيا أعمق بذواتنا وتحفزنا على أن ننظر إلى هويتنا نظرة نقدية وكأنما ما نقرأه، ونحن نشق طريقنا عبر الكتاب، هو ذواتنا". ص68.
ولكن ربما يقول قائل إن القول بضرورة القراءة وإنها نشاط مكمل للعمل الأدبي بديهة مسلم بها وتحصيل حاصل. فقد ظل القاريء منذ أن عرف الإنسان الأدب والفن يقوم بهذا الدور وظلت القراءة تفعل فعلها في القاريء على النحو الذي تحاول وصفه الآن نظرية التلقي. وهذا صحيح فحتى إيرز نفسه كان قد بدأ كتابه (فعل القراءة) بإثارة هذا الاعتراض عندما أورد ملاحظة والتر سلاتوف الواردة بكتابه (مع القراء) والتي جاء فيها: "يشعر المرء بأنه سيكون مضحكا بعض الشيء إذا كان عليه أن يبدأ بالإلحاح على أن الأعمال الأدبية تكتب لكي تقرأ.. وأنه من المفيد أن نفكر في ماذا يحدث عندما نقرأ.. ولنقل هذا بكل صراحة: فمثل هذه التصريحات تبدو بديهية إلى درجة أنه لم تكن هنالك حاجة لذكرها". وهذا الاعتراض يظل وجيها.
ويمكن ان نضيف اعتراضا آخر وهو أن القراءة تذوق ذاتي فردي لذلك فهي بوصفها نشاطا ذاتيا في معايشة التجربة الجمالية للعمل الأدبي أدخل في السايكلوجيا. والنقد الأدبي يعنى بالأحكام الموضوعية لا الآثار النفسية التي يتركها العمل الأدبي على الذات. وكل من ياوس وايزر مقران بهذا الاعتراض لكن لم يقدما أجوبة شافية عليه.

--------
• فصل من كتابنا (من التفكيك إلى التأويل) نينوى للنشر، سوريا، 2016

المصادر والمراجع:
1- حوار نشر بمجلة الدوحة القطرية في الثمانيتات مع ماركيز عقب فوزه بجائزة نوبل للآداب في 1982
2- روبرت هولب، نظرية التلقي، ترجمة دكتور عز الدين اسماعيل، المكتبة الأكاديمية ، القاهرة،2000،
3- ولفغانغ إيزر، فعل القراءة: نظرية جماليات التجاوب، ترجمة د. حميد لحميداني ود. الجلالي الكدية، مكتبة المناهل، فاس، 1994
1- Jean-Paul Sartre, What is Literature, Translated by Bernard Frechtman, Routledge, London and New York, 1993. P.33
2- Hans Robert Jauss, History as a Challenge to Literary Theory, Translated by Elizabeth Benzinger.
http://www.jstor.org/stable/468585?seq=1#page_scan_tab_contents

3- Terry Eagleton, Literary Theory, An introduction, the University of Minnesota Press, Fourth Printing 2003. p.67,68
4- The Penguin Dictionary of Literary Terms and Literary Theory, fourth edition, 1999.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.