البحوث التي ننشرها تحت اسم الحفريات اللغوية، تنتمي منهجيا، إلى علم اللغة العام، وتندرج تحت فرع أساسي في اللغويات يسمى فقه اللغة المقارن Comparative Linguistics ويسمى أيضا Comparative Philology الفليلوجيا المقارنة. كما تندرج تحت فرع آخر في اللغويات مكمل للفرع الأول وهو Etymology الإتيمولوجي الذي يبحث في أصول الكلمات وتاريخها. وتندرج كل هذه الفروع تحت قسم أو عنوان عريض يسمى Historical Linguistics علم اللغة التاريخي.
انظر مثلا في معجم اكسفورد للغة الإنجليزية ستجده يحدد أصل كل كلمة وتاريخ دخولها الإنجليزية ومن أين دخلت هل من الإغريقية أم اللاتينية أم الجرمانية إلخ.. أم هي من الفارسية أو العربية حتى.
وهذا ما نقوم به في الحفريات في بحوثنا عن علاقة اللهجة السودانية العربية بما يسمى العربية الفصحى واللغات الأخرى. فعندما نقول مثلا إن كلمة "مورود" بمعنى محموم في اللهجة السودانية، هي كلمة عربية لفظا ومعنى لورودها في الشعر العربي والمعاجم، أو حينما نقول إن تعبير "بات القوا/القواء" تعبير عربي قديم لفظا ومعنى لوروده في الشعر الجاهلي والمعاجم القديمة، أو عندما نقول إن خاصية الإمالة مثل كسر أواخر الكلام أو خاصية إسقاط الهمزة التي نجدها في اللهجة السودانية خواص موروثة من لغة العرب، فكل ذلك وغيره يندرج تحت فقه اللغة المقارن comparative linguistics الذي يبحث في القرابة relatedness بين اللغات واللهجات، كما يندرج تحت الإتيمولوجي الذي يبحث في أصول الكلمات وتاريخها.
وعليه فإن الزعم بان بحث أصول ألفاظ اللهجة السودانية، في اللغة العربية الفصحى، يواجه إشكالات منهجية أو انه منحى غير علمي، هو زعم لا يستند إلى أي حجة علمية سوى النفور من ربط الثقافة السودانية بالثقافة العربية الإسلامية. إن البعض ينفر لأسباب آيديولوجية من ربط أصول ألفاظ اللهجة السودانية باللغة العربية الفصحى خوفا من فكرة العروبة والدولة الدينية، ولكن هذا خلط للأمور لا مبرر له.
ستظل الحقيقة التي لا مفر منها، شئنا أم أبينا، هي أن هذه اللهجة السودانية العربية لم تهبط علينا من السماء هكذا، بل ورثناها من العرب. وهذا لا ينفي "سودانوية" هذه اللهجة وخصوصيتها النابعة من حقيقة امتزاجها بالمكونات المحلية الأفريقية: الاجتماعية والثقافية واللغوية. لقد استوعبت هذه اللهجة الكثير من الألفاظ النوبية والبجاوية والفوراوية والفونجية وغيرها ولهذا السبب وأسباب أخرى تجدنا نقف مع الرؤية الآفروعربية للثقافة السودانية.
أما علم اللغة الاجتماعي social linguistics فهو من أحدث فروع اللغويات ويبحث في أثر المجتمع في تطور اللغة ويؤمن بالقول: اللغة كائن حي، وبأن هذه الحيوية التي تتمتع بها اللغة هي بفعل تأثير المجتمع وثقافته. ولما كانت اللهجات تُظِهر حركية اللغة وتطورها، فإن علم اللغة الاجتماعي، يركز على دراستها. وتجري دراسة اللهجة بالتركيز على مجموعة سكانية معينة في بقعة جغرافية محددة وفي لحظة تاريخية محددة. وإذا استخدمنا مصطلحات فردناند دي سوسير نقول تجري دراسة اللهجة synchronically أي آنيا (في اللحظة التاريخية الحاضرة) وليس تعاقبيا أو تاريخيا diachronically. ولكن دراسة أي لغة أو لهجة لا تكتمل بغير دراسة البعدين معا: الآني والتاريخي، وهنا لا بد من الاستعانة بعلم اللغة التاريخي حتى تكتمل الصورة بمعرفة ماضي وحاضر اللهجة.
غير أن بعض الذين تخصصوا في دراسة علم اللغة الاجتماعي، يظنون خطأ أن هذا الفرع حل محل علم اللغة التاريخي وهذا غير صحيح. كل فروع علم اللغة متكاملة فيما بينها ولا يوجد فرع يلغي فرعا آخر. إن القول أن اللغة كائن حي ومتبدل ومتطور لا يترتب عليه القول بانفصال اللغة عن تاريخها وأصلها. فحتى اللهجات الخاصة بفئات محددة في المجتمع مثل "الراندوك" والتي هي اكثر عرضة للتبدل والتغير ليست منبتة الصلة عن تاريخ وماضي المجتمع الثقافي واللغوي فهي في الغالب اعادة انتاج واحياء لكلمات وعبارات قديمة في سياقات جديدة. مثلا كلمة:"سنة!" التي كانت تقال استحسانا (وليس تهويلا أو استعظاما) في اللهجة السودانية، بافتراض أنها من "الراندوك" الشبابي، فليس هنالك ما يمنع أن تكون إعادة إحياء لكلمة سَنة ذاتها الواردة في الحديث النبوي: "سَنة يا أم خالد". ومن ذلك أيضا استعمال كلمة "حديد" في معنى تمام الصحة والعافية التي كانت رائجة في الثمانينات فهي إعادة احياء للتعبير القرآني: "فبصرك اليوم حديد".
والآن بعد ما وطنّا الحفريات في علم اللغة العام، ننتقل للحديث عن الهدف من هذه الحفريات. إن هدفنا من تأثيل ألفاظ الللهجة السودانية العربية في اللغة العربية الفصحى هو المساهمة في القضاء على هذا التقسيم "المانوي" للغة إلى ألفاظ فصحى وأخرى عامية أو على الأقل كسر حدة هذا التقسيم، وذلك بإثبات أن الكثرة الغالبة من هذه الألفاظ التي يطلق عليها عامية جزافا، هي ألفاظ فصحى بدليل ورودها في المعاجم العربية الكلاسيكية وفي الشعر العربي القديم وفي القرآن والحديث ومع ذلك يجري إقصاؤها عن لغة الكتابة والتعليم والإعلام بدعوى عاميتها المزعومة.
ولا بد من التاكيد أننا نتحدث هنا في الحفريات عن الألفاظ، وليس التراكيب النحوية والصيغ الصرفية. فهذه الأخيرة موضوع بحث آخر نعمل عليه الآن، يتعلق بدراسة ازدواجية التعبير في اللغة العربية: لماذا هنالك مستويان للتعبير، مستوى للكتابة وآخر للكلام، ومتى نشأت هذه الازدواجية وما هي أسبابها؟ وهل كانت الفصحى لغة مخاطبة بين العرب الذين نزل فيهم القرآن ام كانوا يتخاطبون باللهجات كما نفعل نحن الآن؟ والى غير ذلك الأسئلة الملحة الأخرى.
تبقت ملاحظة أخيرة وهي اعتراض البعض على استعمالنا تعبير "اللهجة السودانية" باعتبار أنه ليس هنالك لهجة سودانية ولكن لهجات سودانية، وهذا صحيح. ولكنا نقصد باللهجة السودانية، اللهجة السودانية العربية الوطنية التي تمثل القاسم المشترك في التخاطب بين قبائل السودان ذات الأصول العربية وغير العربية. وبكل تاكيد إن الحديث عن اللهجة السودانية العربية الجامعة لا ينفي حقيقة تعدد اللهجات واختلافها باختلاف القبائل السودانية فاللهجة الوطنية الجامعة هي جماع هذا الاختلاف والتباين. ففي كل دولة عربية يوجد عدد من اللهجات ولكن هنالك لهجة جامعة تميز كل دولة عن غيرها من الدول. ففي مصر مثلا نجد لهجة الصعيد ولهجة الشرقية ولهجة الاسكندرية ولهجة بني سويف والفيوم ولهجة محافظات الدلتا ولهجة سيناء ولهجة القاهرة ومع كل ذلك هنالك لهجة مصرية جامعة معروفة. وفي السعودية توجد لهجة الحجاز ولهجة نجد ولهجة مناطق عسير وجيزان ولهجة القطيف وغيرها وكلها تصب في اللهجة السعودية المعروفة. وفي العراق هنالك لهجة البصرة ولهجة بغداد ولهجة الموصل وغيرها مع وجود اللهجة العراقية الوطنية المميزة. وهكذا لا تشذ دولة من الدول عن هذه القاعدة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.