عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تمهيد: تعددت المواقف من العلاقة بين الشريعة الاسلاميه و مصادر التشريع ، وتستند هذه المواقف المتعددة إلى مواقف معينه من العلاقة بين الدين بالدولة،و مذاهب معينه في وحده أو تعدد مصادر التشريع،ويمكن إجمال هذه المواقف المتعددة في ثلاثة مواقف أساسيه هي:
الموقف الأول: الخلط بين الدين والدولة، ودينيه السلطة والتشريع ،واعتبار أن الشريعة المصدر الوحيد للتشريع :
الخلط بين الدين والدوله: الموقف الأول يستند إلى موقف معين من العلاقة بين الدين والدولة، يجعل العلاقة بينهما علاقة تطابق وخلط،فهو يقارب مذهبي الثيوقراطيه والكهنوت في الفكر السياسي الغربي- واللذان يتعارضان مع المنظور السياسي الاسلامى- كما يتعارض مع الأخير، لأنه يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في مذهبي الثيوقراطيه والكهنوت )، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشورى والعدل والمساواة….
دينيه السلطة والتشريع: وهذا الموقف ينتهي إلى القول بدينيه السلطة والتشريع ، اى نفى مدنيه السلطة ، فهو يتعارض مع الموقف الاسلامى الصحيح، القائم على الجمع بين مدنيه السلطة ودينيه التشريع – كما سنوضح أدناه – كما يقارب الثيوقراطيه (اى الدولة الدينية بالمعنى الغربي) ،وهي مذهب يسند إلى الحاكم سلطه دينيه “روحيه” : مطلقه”مظهرها الاساسى سلطه التحليل والتحريم بدون نص”، ومقيده “من مظاهرها انفراده بسلطة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ” ، ويترتب على هذا أحقيته في الانفراد بالسلطة السياسية”الزمنية” . والثيوقراطيه تتعارض مع الإسلام لأته ليس في الإسلام سلطه دينيه مطلقه ” التحليل و التحريم بدون نص قطعي ” والحكام في المنظور السياسي الاسلامى لا ينفردون بسلطة دينيه مقيده” الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر"، كما لا ينفردون بالسلطة السياسية ، وطاعتهم مقيده فيه وليست مطلقه.
الوحدة المطلقة لمصادر التشريع: وهذا الموقف يستند إلى مذهب الوحدة المطلقة لمصادر التشريع، والقائم على أن هناك امكانيه أن يكون للتشريع مصدر واحد ، والحجة التي تستند إليها أن إسناد التشريع لغيره تعالى هو شرك في الربوبية.
نقد لمذهب الوحدة المطلقة:
اولا: الخلط بين دلالات مصطلح التشريع:هذا المذهب يخلط بين دلالتين لمصطلح التشريع:
ا/ الدلالة الأولى(الشرع): هي حق وضع القواعد – الحدود ، التي لا يباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها، وهو ما ينفرد به الله تعالى ، لذا اسند القران فعل( شرع) إلى الله تعالى ( شرع لكم من الدين ما وصينا بة نوح والذي أوحينا إليك).
ب/ الدلالة الثانية (التقنين): هي حق الدولة في إصدار القوانين،وأصل هذه الدلالة أن السلطة هي ضرورة اجتماعيه، والدولة آخر أشكالها ، والدولة هي ذات النظام القانوني في المجتمع ، فالدولة هي التي تصدر القانون وتطبقه وتنفذه ، بواسطة أجهزه مختصة في الإصدار" السلطة التشريعية" ، والتطبيق"السلطة القضائية" ، والتنفيذ"السلطة التنفيذية"، وبالتالي لا يمكن أن توجد دوله بدون تشريع وسلطه تشريعيه، وفى الفقه الاسلامى نجد العديد من القواعد والمفاهيم القانونية الاسلاميه التي تعبر عن هذه الدلالة لمصطلح التشريع، من هذه القواعد "للسلطان أن يحدث من الأقضية بقدر ما يحدث من مشكلات" و " أمر الإمام يرفع الخلاف" و "أمر الإمام نافذ
" ، فكل هذه القواعد تفيد حق الدولة في تبنى قواعد فقهيه – قانونيه–
معينه لتصبح ملزمه للناس .وكذلك مفهوم التعزير في الفقه الجنائي الاسلامى ،الذي يفيد حق الدولة في تبنى عقوبات معينه ، كجزاء على مخالفات معينه للنظام القانوني، لتصبح ملزمه ، رغم أنها لم ترد في الشرع .
ثانيا:التعارض مع تعدد مصادر التشريع و الشريعة : كما أن هذه الصيغة تتعارض مع تعدد مصادر التشريع، وتعدد الشريعة الاصليه والتبعية (القران والسنة والإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا والمصالح
المرسلة…)
صيغه(الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع): هذا الموقف يطرح صيغه معينه لعلاقة الشريعة بمصادر التشريع مضمونها أن الشريعة المصدر الوحيد للتشريع .
تقويم للصيغة:
رد فعل متطرف: هذه الصيغة تحاول إثبات العلاقة بين الشريعة والتشريع ومصادره ، ولكنها تتطرف في هذا الإثبات ، إلى درجه تجعل العلاقة بينهما علاقة خلط ، وليست علاقة ارتباط وتمييز، ومرجع هذا التطرف في الإثبات أن هذه الصيغة إنما طرحت في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة ، كرد فعل على طرح الليبرالية (العلمانية) لصيغه أخرى تنفى العلاقة بين الشريعة والتشريع ومصادره ، ومضمونها نفى كون الشريعة مصدر- أو مصدر
رئيسي- للتشريع .
التعارض مع مفهوم التوحيد: و هذه الصيغة ذاتها هي شكل من أشكال الشرك، لأنها تخلط بين الشرع (احد قسمي الدين بالاضافه إلى العقيدة ) كوضع الهي ، وكل من التشريع طبقا لدلالته القانونية (احد أنشطه الدولة المخول لأحد أجهزتها )، والاجتهاد (حق وضع القواعد- الفروع ) باعتبارهما كسب بشرى.
فضلا عن مساواتها بين مصادر النظام القانوني الاسلامى الاصليه (الكتاب والسنة)، ومصادره التبعية(الإجماع والقياس والاستحسان والاستصحاب وشرع من قبلنا والمصالح ألمرسله…)، يقول الشافعي( ولا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله ، أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما سواهما تبع لهما)( جماع العلم-11).
الموقف الثاني: فصل الدين عن الدولة، ومدنيه السلطة والتشريع، ونفى كون الشريعة مصدر للتشريع:
الفصل بين الدين والدولة:الموقف الثاني يستند إلى موقف يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة فصل ، ومثال له العلمانية وهى مذهب يقوم على فصل السلطة الروحية (الدينية) عن السلطة السياسية ، وهذا الموقف أنها علاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية)، لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير- كما سبق ذكره- مدنيه السلطة والتشريع: وهذا المذهب ينتهي إلى مدنيه السلطة والتشريع ، اى ينفى دينيه التشريع، فهو يتعارض أيضا مع الموقف الاسلامى الصحيح، القائم على الجمع بين مدنيه السلطة ودينيه التشريع – كما سنوضح أدناه- الصيغ التي تعبر عن الموقف: هذا الموقف يعبر عن ذاته بطرحه لصيغ معينه للعلاقة بين الشريعة الاسلاميه ومصادر التشريع ، وفى الأصل فان صيغه" نفى كون الشريعة مصدر للتشريع "هي الصيغة التي تتسق معه ، لأنه يقوم على الفصل بين التشريع طبقا لدلالته القانونية، و التشريع طبقا لدلالته الدينية ، لكن هذه الصيغة يمكن طرحها في المجتمعات الغربية العلمانية، لكن يصعب طرحها في المجتمعات المسلمة،لان الإسلام يشكل هيكلها الحضاري- لذا يطرح هذا الموقف صيغ أخرى اقل حده منها: الشريعة مصدر من مصادر التشريع.
الموقف الثالث: الارتباط (وليس الخلط)والتمييز(وليس الفصل) بين الدين والدولة، ومدنيه السلطة ودينيه التشريع، واعتبار أن أصول الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع:
علاقه وحده وارتباط (وليس فصل) وتمييز (وليس فصل): الموقف الثالث يستند الى موقف يجعل العلاقة الدين بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط (وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطيه )، لان السلطة في الإسلام مقيده بمفاهيم وقيم قواعد كليه ، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشورى والعدل والمساواة….و علاقة تمييز( وليست علاقة فصل كما في العلمانية) لان الإسلام ميز بين التشريع كوضع الهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير- كما سبق ذكره- الجمع بين مدنيه السلطة ودينيه التشريع وهذا الموقف ينتهي الجمع بين مدنيه السلطة (وليس التشريع كما في العلمانية) ” لان الحاكم في المنظور السياسي الاسلامى نائب ووكيل عن الجماعة، لها حق تعيينه ومراقبته وعزله إذا جار” ، و دينيه التشريع ” على مستوى أصوله ” (وليس السلطة كما في
الثيوقراطيه) ، “باعتبار أن أصول الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع ”.
الجمع بين وحدة وتعدد مصادر التشريع: وهذا الموقف يستند إلى مذهب الجمع بين وحدة وتعدد مصادر التشريع والقائم على أن اعتبار أن للتشريع مصدر رئيسي واحد، ومصادر فرعيه متعددة.
الصيغ التى تعبر عن الموقف: وهناك العديد من الصيغ التي تعبر عن هذا الموقف، لكنها تتفاوت في درجه دقتها في التعبير عنه ، وعن مذهب الجمع بين وحده وتعدد مصادر التشريع الذي يستند إليه، ومن هذه الصيغ:
الصيغة الأولى: (الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع): فهناك أولا الصيغة التي مضمونها أن الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، هذه الصيغة هي محاوله للتعبير عن مذهب الجمع بين وحدة وتعدد مصادر التشريع، والقائم على أن اعتبار أن للتشريع مصدر رئيسي واحد، ومصادر فرعيه متعددة.لكنها تفتقر إلى الدقة في التعبير عن هذا المذهب ، لأنها لا تميز بين أصول الشريعة النصية الثابتة وفروعها الاجتهادية المتغيرة، وبين مصادر الشريعة الاصليه (القران والسنة) ومصادرها الفرعية (كالإجماع والقياس وشرع من قبلنا والمصالح المرسلة…).
الصيغه الثانية (مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع): وهناك ثانيا الصيغة التي مضمونها أن مبادئ الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، ومثال لها وثيقة الأزهر حول مستقبل مصر بتاريخ 20/6/2011 - اى بعد قيام
ثوره25 يناير 2011 - (دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة . ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب؛ بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه ما يعرف فى الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ ، بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم، شريطة أن تكون المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع، وبما يضمن لأتباع الديانات السماوية الأخرى الاحتكام إلى شرائعهم الدينية في قضايا الأحوال الشخصية).غير أن هذه ألصيغه تحتاج إلى تحديد دلاله مصطلح "مبادئ الشريعة "،وان المقصود بهذه الدلالة أصول الشريعة، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.
الصيغة الثالثة: (أصول الشريعة هي المصدر الرئيسي للتشريع، وفروعها هي المصدر الفرعي الأول للتشريع): وهناك ثالثا الصيغة التي مضمونها:
أولا: أن أصول الشريعة ، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة ، هي المصدر الرئيسي للتشريع.
ثانيا: أن فروع الشريعة ، التي مصدرها النصوص الظنية الورود والدلالة، هي المصدر الفرعي الأول للتشريع ، باعتبار أنها نقطه البداية- وليست نقطه
نهاية- لاى اجتهاد تشريعي(قانوني) ،لأنها تجسيد لخبره الامه وماضيها.
ثالثا: أن هذا الاجتهاد التشريعي(القانوني) يتضمن الاستفادة من عدد من مصادر التشريع الفرعية (كالعرف والتراث القانوني الانسانى القديم
والمعاصر) بشرط عدم تناقضها مع أصول الشريعة.
هذه الصيغة هي تعبير دقيق عن مذهب الجمع بين وحدة وتعدد مصادر التشريع، والقائم على أن اعتبار أن للتشريع مصدر رئيسي واحد، ومصادر فرعيه متعددة.
وتستند هذه الصيغة إلى حقيقة أن مصطلح الشريعة استعمل تاريخيا بمعنى النظام القانوني الاسلامى بأصوله التشريعية وفروعه الاجتهادية، ومصادره الاصليه والتبعية ، يقول ابن تيميه عن مفهوم الشريعة ( ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء‏:‏ شرع مُنَزَّل، وهو‏:‏ ما شرعه الله ورسوله‏.‏ وشرع مُتَأَوَّل، وهو‏:‏ ما ساغ فيه الاجتهاد‏.‏ وشرع مُبَدَّل، وهو‏:‏ ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع، أو البدع، أو الضلال الذي يضيفه / الضالون إلى الشرع‏.‏ والله ـ سبحانه وتعالى ـ أعلم).
للاطلاع على مقالات أخرى للدكتور صبري محمد خليل يمكن زيارة المواقع التالية:
1/ الموقع الرسمي للدكتور/ صبري محمد خليل خيري | دراسات ومقالات https://drsabrikhalil.wordpress.com
2/ د. صبري محمد خليل Google Sites
https://sites.google.com/site/sabriymkh/‏