عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

في أقل من عقدين من الزمان، تضضع خطاب الدولة الدينية في السودان، فأصبح مجرد نعيقٍ في خرائبَ ثاوية. ظن أهل الخطاب الديني، وعلى رأسهم حادي ركبهم التاريخي، الدكتور حسن الترابي، أنهم سوف يعبرون بالقطر وأهله، من "الطائفية"، ومن ما وسموه بكونه، "حداثة متغربنة"، إلى "حداثة متأسلمة"، حسب تصورهم! فإذا بهم يجدون أنفسهم، بعد تجريب قصير، يرتدون بالبلاد، وأهلها، في أقل من عقدين من الزمان من " الطائفية"، و"الحداثة المتغربنة"، إلى حجرٍ أقل درجةً في سلم التطور، من كلٍ من "الطائفية" و"الحداثة المتغربنة"، ألا وهو: "جحر القبلية الضيق، الخَرِب". انتهى بنا المسار الإعتباطي، إلى تشرذمٍ عنصري، وإقليمي، وجهوي، منقطع النظير. فقد تقطع القطر إلى جزر، وتقطعت كل جزيرة صغيرة من تلك الجزر، إلى جزر أخرى أصغر، وكفى بمنبر الدوحة دليلاً ساطعاً على تلك الدرجة من التشظي.

 

وقفت وراء ذلك الخراب العظيم، عبر مراحل عراكنا السياسي غير المنتج، نزعة تغليب السياسي، على المفكر،. فالانتصار للسياسي "الفهلوي"، على حساب المفكر، المبصر، وللحسيب، والمُصانع، على الكفوء، والمهني مستقل الرأي، في مرحلة بناء الأمة، لم يكن ليعود على الأمة، إلا بما نحن فيه الآن. لقد كان كل سياسيينا "فهلويين"، ابتداء بالآباء الكبار للاستقلال، وانتهاء بهذا السيرك المتشظي، الذي يدور أمام أعيننا الآن!! انتصر في تاريخنا، لحقبة ما بعد الاستقلال، "السياسي الفهلوي"، على المفكر، الحكيم، المتروي. علا صوت من يرى الفرص في المدى القصير، فيسعى إلى اهتبالها، بلا حساب للعواقب، وتراجع دور المفكر الفاحص المتروي. وهكذا، علا نجم "السياسي الفهلوي"، وكَثُرَ نفيره، في حين تم إقصاء أهل الرؤية، وأهل الفكر، وأهل الحكمة، والأكفاء، والمهنيين المتجردين، إلى هوامش الفعل، وسيق أفضل القادة إلى المشانق.

 

في ظل غيابٍ كاملٍ للرؤية المتكاملة، وتحت ستار دخانٍ كثيفٍ، من النزق، والغرض، وكل ما يعمى عن رؤية الآثار طويلة المدى، للفكرة الخاطئة عن الواقع، وللفعل الخاطئ في الواقع، آلت الأمور إلى "الحركيين"، دون سواهم من الناشطين السياسيين. فانتهت حركية الحركيين بهم إلى منحدرٍ زلقٍ، يسير من فكر قليلٍ، إلى فكرٍ أقل، حتى وصلت الأمور إلى نقطة هي أقرب ما تكون إلى "اللافكر". بالفكرة الخاطئة عن الواقع، وبالفعل الخاطئ في الواقع،  تراجعت حياتنا، في كل تجلياتها، حتى أوشكت أن تخرج، بالكلية، عن نطاق السيطرة الحكيمة، الحازمة. واليوم، كما نشهد، يحاول الدكتور حسن الترابي، والقليل من تلاميذه الذين بقوا معه، غسل أيديهم، من دنس الكبيرة التاريخية، التي ارتكبوها، في حق البلاد، والعباد، ولكن بلا مردود. إنها العجلة!! ((وما أعجلك عن قومك يا موسى))؟!

       

        إن ما حاق بالسودان من تردي، ومن تراجعٍ مريعٍ، في مشروع بناء الدولة، لأمر لا تجدي معه المكابرة، والنكران، وإنما يجدي معه الصدق، والنقد الشافي، والعزيمة على تصحيح المسار. فما يجري اليوم من تغني بانجازاتٍ تنمويةٍ متناثرة، تَرَكَّزَ جلُّها في إقليم صحراوي، لا تصل جملة سكانه المليون نسمة، ليس في حقيقة أمره سوى صياحٍ هستيريٍ، لا إراديٍ، انطلق محدثاً كل هذا الصخب، لكي يغطى على صوت الهزيمة الداخلية النكراء. فالانجازات التي يتم التغني بها الآن، ليست سوى أفعالٍ متشظيةٌ، لا يربط بينها رابط. فهي لا تتكامل في منظومة كلية، تترابط فيها الرؤية الشاملة، المتوازنة، التي تجمع بين الاستراتيجي المتمثل في التعليمي، والتربوي، والمهني، ممتزجةً بالاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، لتخلق واقعاً، جديداً، متناغماً، متجانساً. أعني، واقعاً حشد طاقاته كلها، ويمم صوب وجهةٍ، واحدةٍ، مشتركة. لقد وقعت الدولة السودانية في قبضة حفنة من المغامرين الذين تغلب عليهم النزعة التجارية! إنهم مغامرون، مثَّلت كل رحلتهم، وزادهم، وعدتهم، وعتادهم، مسيرةٌ جانبيةٌ قصيرةٌ، بدأت من عصابٍ ديني، وانتهت في غمضة عينٍ، إلى هوسٍ بالثروة، والثراء الفردي، وعمى شبه كامل عن ماذا تعني خدمة الشأن العام!

 

        لم تتصل خيوط إدارة الدولة السودانية، وإلى اليوم، بأكف مفكرين رؤيويين، أو سياسيين حقيقيين، يرون البنية الكلية، ويعرفون كيف تتكامل تلك البنية، وتشد بعضها بعضا. الرابط الذي يحاول به الإنقاذيون، خلق معنى من هذه الفوضى التي أحدثوها، وهم يرون أحلامهم تنتثر كالهلام، على هذا الحيز الجغرافي، والإثنوغرافي، الشاسع، المعقد، المسمى السودان، إنما هو رابط الخطاب الإعلامي الضحل، لا غيره. وهو خطاب محفوظ منذ الحقبة النميرية، يظن أهله أنهم يستطيعون به، في الوقت بدل الضائع، تحويل "الفسيخ" إلى "شربات"!! إنه خطاب الأبواق التي تصنعها الحكومة، والحزب الذي تصنعه الحكومة، فيصوبان بصريهما على الحكومة، والحكومة وحدها، مسبحين بحمدها، هاتفين وراءها: ((سيري، وعين الله ترعاكِ)). فتستمر هي في الغيبوبة، ويستمر التمسك الغر بالآمال الخلب، فَيَعْمَهُ المسؤولون في غي انفصالهم عن واقع شعبهم، الذي ما غابت عنه، في يوم من الأيام، حقيقة ((البئر وغطاها)). وحين يحصحص الحق، الذي لابد أن يحصحص، يوماً ما، إن آجلاً، أو عاجلاً، وينقشع العِثْيَرُ، وتصفو السموات، يتضح أن الحكام هم الذين كانوا غائبين، وأنهم هم "أطرش الزفة" الحقيقي، ولا أحد غيرهم!!

 

        حين جاءت الإنقاذ، جاءت محملَّةًً حمولاً أيديولوجيةً ثقيلة. حلمت الإنقاذ بقلب الطاولة على الشرق العربي برمته، وحلمت باجتياح القرن الإفريقي، ووضعه تحت قبضها، والتحول، من ثم، إلى قوة إقليمية لا تملك أمريكا والقوى الكبرى إلا خطب ودها. ظن بعضهم أن القوى الكبرى سوف تصدر لهم صكاً بالانتداب، يمنحهم وكالةً كاملةً على الإقليم برمته. كانت هذه هي أحلام "النفخة" الرسالية، التي ما لبثت أن تبخرت، ولم تبق منها سوى فراقيع متفرقة، لا تنفك تُسمع هنا وهناك. لقد تعلم الإنقاذيون عبر العشرين سنة الماضية الكثير. لقد عرفوا شوكة الجوار الإقليمي، وصلابة جدار المصالح الدولية، وتعقيدات الواقع السوداني. كما عرفوا القوة الكامنة، في كل جزئيةٍ من جزئيات هذه المنمنة العجيبة، المسماة السودان. تلك الجزيئات الصغيرة، التي سبق أن استخفوا، واستهانوا بها، فجاءتهم من حيث لا يحتسبون. لقد كان في ظن كبيرهم الذي علمهم السحر أن "السودانيين جبناء"، وأن "هرشةً" واحدةً تكفي الإسكاتهم، وإلى الأبد. ولكن، كما جاء في القرآن العظيم: ((وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم، أرادكم، فأصبحتم من الخاسرين))، فقد خرج للإنقاذ مقاتلٌ من كل جحر سبق أن حسبته جحراً آمناً. وبعض هذه الأجحار الخادعة، التى لا يزال الأمن المطلق مظنوناً بها، لا تزال ينتظر، ولسوف يخرج منها مقاتلون جدد، إن استمرت الانقاذ في غيها القديم، وفي اعتناق فكرتها التنميطية الخاطئة، عن الأمكنة، وعن الناس!!

 

        لقد وصلت القافلة السياسية السودانية نقطة ما سبق لها أن وصلتها من قبل. تلك النقطة هي أن حقبة العنف قد ولت، أو أوشكت أن تتولى. وأعني هنا، العنف من حيث هو: عنف الدولة تجاه مواطنيها، وعنف المواطنين تجاه الدولة. ولقد أستخدمتُ هنا، لفظة "دولة"، ولم أستخدم لفظة "حكومة"، لأن ما أعنيه هنا، إنما هو الدولة السودانية، وليس واحدة بعينها من حكوماتنا الوطنية المتعاقبة. فعنف الدولة بالمواطنين لم يبدأ بالإنقاذ،  وإنما هو عنف قديم. ولقد طال ذلك العنف الكثير من المواطنين، أفراداً، وجماعات. فقد وسم العنفُ الممارسة السياسية السودانية، قبل أن يفكر مهندسو الإنقاذ الأوائل، في الاستيلاء على السلطة، بقوة السلاح. وما درجنا على الإشارة إليه بـ "حقب الديمقراطية" لم تكن في حقيقة أمرها، حقباً ديمقراطية، إلا من حيث الإسم، والرسم، فقط.

 

        هذه النقطة الجديدة التي وصلنا إليها جميعاً، بعد كل ذاك العناء، وكل تلك الدماء، وكل ذلك الهدر للمال وللطاقات، نقطة متقدمة جداً. وهي نقطة تضع الجميع في مواجهة فضاءٍ جديد. فضاء يقتضي من جميع الأطراف أن يهجروا نهج التهييج الإعلامي، ونهج اصطياد السوانح الوقتية، والإنصراف إلى الاستراتيجي في مشروع بناء الدولة، وبناء الإنسان. فالمشاكل التي ظلت تعاني منها قياداتنا، بمختلف أطيافها، إنما هي مشاكل متجذرة في بنية ثقافتنا، نفسها. وهي مشاكل نعاني منها جميعا، قادة ومقودين. حراكنا السياسي لا يطرح الأسئلة الحقيقية، ولا يتصدى للتحديات الحقيقية، وإنما يجنح للتبسيط. والتبسيطُ المُخِلُّ ليس سوى زادٍ بئيسٍ، تقتات عليه العقول البسيطة. تحت هذا الوضع من الطفو على سطح الفعل السياسي، يواصل الواقع مسيرة ترديه، ويزداد العمي، ويستشري. إن أفدح ما تصاب به أمةٌ من الأمم، إنما هو العجز عن رؤية ما عليه حالها من العجز والهوان، وانحجابها عن ما يعتورها من تدهور في العقول، والفهوم، والأخلاق.

 

        ما تعكسه مجريات الأمور السائدة على الساحة السياسية اليوم، تقول، وبأعلى صوت، إن الحكومة لا تزال لا تملك الأشرعة المناسبة لمخر هذا الفضاء الجديد، وينطبق نفس هذا القول على المعارضة، بل، وبأكثر مما ينطبق على الحكومة. فالمعارضة الآن، أتعس حالاً من الحكومة، وبما لا يقاس. إن المعارضة اليوم أقرب ما تكون إلى الشخص الموشك على الغرق، الذي يتشبث بالزبد الطافي على الماء، أو بقصبةٍ طافية، ظاناً في تشبثه بها النجاة. فإذا كانت المعارضة قد عجزت عبر خمس سنوات، أن تصبح جاهزةً لمجرد خوض الإنتخابات، فما الذي يجعلنا نحن نظن بأنها جاهزة لكي تحكم؟ إن ما يجري الآن ليس أكثر من إعادةٍ، أقل ألقاً، وأقل إثارة، للعبة الكراسي القديمة، غير المنتجة. فرغم وصولنا إلى النقطة المتقدمة، التي سبق أن أشرت إليها، وهي نقطة التيقن من لا جدوى العنف، إلا أننا لم نصل بعد، إلى نقطة تعادل القوى equilibrium، التي تضمن توازن اللعبة السياسية، وثباتها، ووضعها مرة واحدةً، وإلى الأبد، على الخط الصاعد، المنتج. وهذا لا يحدث بالأماني، ولا بالتعويل على الميراث السياسي، الهلامي، القديم، الخالي من أي إنجاز، يذكر. وإنما يحدث بالإعتراف بهزال تجاربنا السياسية، وبخطل عراكنا على الكراسي، بلا رؤية، وبلا مشروع، وبلا أدوات، ومن ثم العكوف على العمل الهادئ المبرمج.

 

        لو اعترف الطرفان: "الحكومة والمعارضة"، بعللهما، واتجهتا إلى إبرائها، لأمكن أن تنطلق مسيرة البلاد في وجهةٍ جديدة. يجب أن تعترف المعارضة بأنها معارضة بلا مشروعٍ مختلفٍ، واضح المعالم، وبلا خبراتٍ عملية، وبلا كوادر جاهزة للإمساك بدفة سفينة التغيير، وبلا برنامج أولويات، وبلا تنظيم متماسك، وبلا موارد، وبلا طاقاتٍ حقيقية. وما يجري الآن من تخبط من جانب المعارضة، وقد بقي للانتخابات أقل من شهر، يدل على فقر هذه المعارضة وهزالها. ولو آلت أمور البلد إلى معارضة بهذا القدر من فقدان الهيكل والترابط التنظيمي structure، ومن فقدان البوصلة، فعلى البلاد السلام. كما أن على الحكومة أن تعترف بأنها قد أكملت مرحلتها الأولى، وأن خطابها القديم، رغم التحورات التي أجرتها عليه، طوعاً، وكرهاً، قد استنفد طاقته، واستنفد غرضه. ينبغي أن تعترف الحكومة أنها لم تحدث شيئا ذا بال في أرض الواقع. بل إن ما أحدثته من خراب في الواقع، وفي النفوس، وفي الفهوم، وفي طاقة الأمل والرجاء وسط الناس، لا تجبره الانجازات الضئيلة، المتناثرة، غير المترابطة، في هذا الفضاء الجغرافي الشاسع. إن الهجرة التي تمت من الأرياف إلى المدن، وهجرة العقول التي حدثت في عهد الإنقاذ، لتمحو كل انجازٍ آخر تتشدق به. على الحكومة أن تخرج من "فسالة العيال"، التي عجزت أن تشب عن طوقها، لتعرف كيف تمد الجسور إلى الآخرين.

 

        ركض "المعارضون" إلى جوبا، ولم يستطيعوا أن يقرروا ما إذا كانوا سيدخلون الانتخابات، أم أنهم سيقاطعونها. ولم يعرفوا ما إذا كانوا سيتحدون، أم سيتفرقون. في ذلك الوقت الغالي الذي أنفقته المعارضة، وهي تقدم خطوة، وتؤخر الأخرى، كانت بطاقات التسجيل قد استقرت، وفي هدوءٍ تام، في أيدي مقترعي المؤتمر الوطني الجاهزين للإقتراع. وبعد أن تناقص الوقت، وأصبح بالغ الحرج، ووضح استحالة أن تصل تلك الأحزاب إلى إتفاق في ما بينها، بدأت المعارضة في حراك خوض الانتخابات، كل حزب على حده، ولكن، بلا "بطاقات"!! كما أشار إلى ذلك بحصافة، الكاتب، ثروت قاسم. لقد مضت خمس سنوات منذ اتفاقية السلام، ولم تكن الإنتخابات حدثاً مفاجئاً. ومع ذلك، كانت الجهة الوحيدة التي وضعت الانتخابات نصب أعينها، وظلت تعمل لها بجدٍ، وبمثابرة، هي المؤتمر الوطني. فالمعارضة، كالعهد بها دائما، لا تريد أن تعمل، وتريد أن تكسب!! ولابد من الإشارة هنا، إلى أن "المعارضة الشمالية"، لا تملك من مساحات المناورة، ومن الخطط البديلة، ومن الإرتباطات الخارجية، ومن الدعم الدولي، ما تملكه الحركة الشعبية لتحرير السودان!! لقد ضل سعي المعارضة في متاهة الشريكين الغامضين!

 

        في ختام هذه المقالة، أود أن أشير إلى أن ((بطبطة)) المعارضة التي تتراوح بين دعوة لتأجيل الانتخابات، وإلغاءٍ للتسجيل، أو غير ذلك من الذرائع، لن تجدي فتيلا. فقد أنفقت الجهات المتنافسة أموالاً معتبرة منذ بداية الحملة. كما أنفق المجتمع الدولي أموالاً طائلة، وأصبح مهيأً لحدوثها، ولم يعد هناك سبيل إلى التراجع عنها. ولذلك، فعلى أحزاب المعارضة خوض الإنتخابات، ما دامت قد شرعت في ذلك، ودشنت حملاتها. عليها أن تخوضها على علاتها المظنونة بها. ولتعمل المعارضة منذ اليوم، لخوضها بشكل أفضل أفضل في المرة القادمة. لن يستطيع أحدٌ أن يغير بالأماني وحدها، ما أحدثته الإنقاذ من تحول في واقع الخريطة السياسية السودانية. بيننا وبين نقطة توازن القوى وقت لابد أن يمر. ولقد يمر الوقت، ثم لا تصحح المعارضة مسارها. فعلى الحكومة والمعارضة أن تعملا معاً، من تحت قبة برلمانٍ واحد، على استثمار هذه السنوات القادمة، في مد مزيدٍ من الجسور إلى بعضهما بعضا، وخلق ثوابت قومية، تسمح بالإقتراب من مرحلة تعادل القوى، التي يُرجى لها أن تضع القطر في طريق المؤسسية. ربما يرى البعض أن حديثي هذا حديث مسرف في التفاؤل، فقد عُرفت حكومة الإنقاذ، لدى القاصي والداني، بالفسالة، والمراوغة، والمخاتلة، وهذا حق. ولكن لا مخرج للإنقاذ إلا إن هي عرفت كيف تتخلى عن مراوغتها، وعنجهيتها، واستخفافها بالآخرين، وعرفت كيف تنظر إلى وجهات النظر الأخرى، بشكلٍ جدي. ويجب ألا تنسى الإنقاذ أنها ابتلعت كثيراً مما أقسمت على ألا تبتلعه. فإنها سوف تبتلع المزيد مما تكره. ولسوف يحدث لها ذلك، طوعا، أو كرها. ومن يظن غير ذلك، من أهل الإنقاذ، فليزد من معدل مطالعاته في التاريخ! أما المعارضة فعليها أن تعرف ما ألحقته بها السنون، والبيات الشتوي الطويل، إضافة إلى هزال القوام التاريخي، وأنها ليست كما تتصور عن نفسها. عليها أن تخرج من الصورة الكاذبة التي ظلت ترسمها لنفسها منذ الإستقلال، لتعيد لنفسها رسم صورة جديدة، وترفد كياناتها بطاقات جديدة. وأول واجباتها التي يجب أن تطلع بها في هذه المرحلة هو تعليم قادتها التاريخيين كيف يتنحُّون، وكيف يفسحون الطريق لدماءٍ جديدةٍ، وعقولٍ جديدة، ورؤىً جديدة!!

صحيفة الأحداث ـ 15 أبريل 2010