عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.        

            رغم كل الحديث عن الديمقراطية، الذي حملته متون الكتب، منذ الحضارة الإغريقية، ورغم ما ظل يملأ قنوات الإعلام، عبر تخلقاتها المختلفة، منذ الثورة الفرنسية، وإلى اليوم، إلا أن المجتمعات البشرية، لم تشهد إلى اليوم، ديمقراطيةً حقيقية! فالديمقراطية لم تعن من الناحية العملية، حتى يومنا هذا، سوى تزييف إرادة الجمهور بواسطة النخب المتحكمة في آليات صناعة القرار. لقد ظلت النخب، تلتف، وباستمرار، على جوهر الديمقراطية، بوسيلة السيطرة المالية، والسيطرة الإعلامية، وتكييف الرأي العام، بما يخدم مصالح النخب. ينطبق هذا على الولايات المتحدة الأمريكية، أكبر ديمقراطية في الفضاء الغربي، كما ينطبق على نظام الإنقاذ، الذي حين أضطر إلى الإفراج عن الممارسة الديمقراطية، بعد عشرين عاماً من الحبس، شرع، ومنذ الوهلة الأولى في الالتفاف عليها، وإجهاض حملها، وتبديد ريحها.

تمثل الإنقاذ النظام الأكفأ، والأكثر نجاحاً، منذ الاستقلال في تفكيك المكيانزمات التنظيمية التقليدية المهددة للأنظمة الشمولية في البنية السياسية السودانية. استخدمت الإنقاذ القمع الذي لا هوادة فيه، فانحسر خطر الحركة الطلابية، وهجر الأكاديميون، والكتاب، والشعراء، والفنانون، البلاد، واختفى قادة العمل النقابي، وقادة الاتحادات المهنية. ويئس الناس من صلاح أمر البلاد، فتفرقوا في المهاجر، وأصبحوا يعودون، فيطلون على المشهد في عطلاتهم القصيرة، وسرعان ما يعودون من حيث أتوا!

استخدمت الإنقاذ قوة الإعلام، خاصة الإعلام المرئي، فقضت به على الصوت المعارض، قضاءً مبرما. أما تأثير المقالات التي تحملها الصحف السيارة، (كمقالتي هذه)، وما لف لفها، يضاف إليها ما ينشر على الانترنت، فإن تأثيرها لا يتعدى دائرةً بالغةِ الصغر. أيضاً، استخدمت الإنقاذ سلطة المال، بعد أن خلقت ظروفا معيشية هي الأكثر سحقاً للأفراد، منذ الاستقلال. فأصبح العيش ـ مجرد العيش ـ في أدنى حدوده الكافلة لكرامة الفرد، لا يتوفر سوى بالالتصاق بجسد السلطة الحاكمة. شاهدت حفلاً أقامته اللجنة القومية لدعم ترشيح المشير، عمر حسن أحمد البشير، ضم عدداً من ألمع نجوم الغناء. كما شاهدت حفلاً أقامة الفنانون دعماً لترشيح والي الخرطوم عبد الرحمن الخضر. فقلت من كثرة ما رأيت من فنانين: من يا ترى من الفنانين لا يقف مع الإنقاذ ؟! أما عالم الرياضة، فحدث ولا حرج!! قربت الإنقاذ إليها، طوعاً، وكرهاً، النجوم المعبودة، فأصبحت الإنقاذ هي الأخرى نجماً معبودا!! هذه هي حقيقة عالم الواقع. أما عالم "الانتلجنسيا"، وعالم "النظرة النقدية"، فأظنه سيبقى مفصولاً عن عالم الواقع، حتى إشعارٍ آخر!!

شومسكي وتغيير الرأي العام:

يقول نعوم شوموسكي، في كتابة الشيق، "السيطرة على الإعلام" (Media Control)، الصادرة طبعته الرابعة في العام 2003، عن دار، "أوبن ميديا"، إن أول عملية إعلامية معاصرة كبيرة، لتغيير توجهات الرأي العام، تمت في التاريخ الأمريكي الحديث، كانت في فترة حكم الرئيس الأمريكي، ودرو ويلسون، الذي تولى الرئاسة في العام 1916م. وقد حدثت تلك العملية في فترة الحرب العالمية الأولى، حيث كان الرأي العام الأمريكي رأياً تغلب عليه سمة اللاعنف، ورفض الحرب، أو ما يوصف بكلمة(pacifist) . لم يكن الرأي العام الأمريكي موافقاً على انخراط حكومته في الحرب الدائرة، حينها، في أوروبا. وبما أن حكومة ودرو ويلسون كانت قد التزمت فعلاً بدخول الحرب في أوروبا، فقد رأت أن تقوم بحملة إعلامية تقلب بها الرأي العام، رأساً على عقب. فشكلت لذلك الغرض، لجنة للدعاية الإعلامية، سميت بـ "لجنة كريل". واستطاعت تلك اللجنة، في ستة أشهر فقط، تحويل ذلك الجمهور المسالم، المناوئ للحرب، إلى جمهورٍ منخرطٍ في هيستيريا عارمةٍ، غدت تنادي بسحق كل شيءٍ ألماني، وإلى تقطيع أوصال الألمان؟ وكان من ضمن ما استخدم في تلك الوجهة قصصاً، مفبركةً، مروعةً لفظائع ارتُكِبت. ويقول شوموسكي، إن تكنيكاً مشابها قد تم استخدامه لاحقاً، لمواجهة ما أسماه الإعلام الأمريكي، بـ "الخطر الأحمر". تحت شعار "درء الخطر الأحمر"، تم حشد الناس، وأُخذت موافقتهم ضمناً على تحطيم النقابات، والاتحادات المهنية، وتمت إزالة الأخطار التي رأت النخب المتنفذة أنها تتمثل في أمور مثل: حرية الصحافة، وحرية التعبير عن وجهة النظر السياسية. ويرى شموسكي أن الحملتين حققتا نجاحاً باهراً في تحقيق الأهداف التي رُسمت لهما! واستمر ذلك النهج الإعلامي، الذي يهدف إلى تغيير وجهة نظر الجمهور، عن طريق "فبركة" القصص، حتى حرب فيتنام، وحتى حملة "عاصفة الصحراء" في العام 1991، التي أخرجت صدام حسين من الكويت، ورسخت للوجود الأمريكي في الخليج. بل، وواصل ذلك النهج مسيرته، عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، فتم حشد القوى السياسية الأمريكية، والرأي العام الأمريكي، وراء الرئيس جورج دبليو بوش، في ما سُمِّي بـ "الحرب ضد الإرهاب". فباستخدامه تم تبرير التدخل في أفغانستان، وتم اقتلاع نظام طالبان، كما تم التدخل في العراق في العام 2003، واقتلاع نظام صدام حسين.

تم الهجوم على العراق بالترويج الإعلامي المكثف الزاعم لامتلاكه أسلحة للدمار الشامل. وقد اتضح فيما بعد، أن الأمر كله لم يكن سوى أكذوبة. ووضح لاحقا، أن تكسير العراق لم يكن سوى جزءٍ من الخطة الصهيونية الكلية، التي تستهدف تبديد الطاقات العربية، خاصة في الأقطار الواعدة. كما اتضح أيضاً، أن شركات أمريكية كبيرة، يرأسها مسئولون في الإدارة الأمريكية، كانت لها أهداف ربحية، هي التي جعلتها تروج وبإلحاح شديد، لضرورة غزو العراق. فهل، يا ترى، يكذب السياسيون، ليجعلوا من الجمهور قوةً تقف من وراءهم، من أجل تحقيق أغراض لا صلة لها بخدمة الجمهور، أو ما يسمى بالصالح العام؟! والجواب هو: نعم! إنهم يكذبون، بل، وبكل "قوة عين"!!

أورد الأستاذ محمود محمد طه، في نصه المسمى "الديباجة" ـ وهو نص لم ينشر بعد، إلا على موقع الفكرة الجمهورية ـ أن مجلة الحوادث اللبنانية ذكرت في عددها الصادر في 2 نوفمبر1984، أن أزمة شديدة نشبت بين السكرتير الصحافي لنائب الرئيس الأمريكي آنذاك، بوش الأب، وبين فريق الإعلام الذي يقوم بتغطية حملته. وكان سبب الأزمة موقف هذا السكرتير من التصريحات المنافية للحقائق، التي ظل المرشحون يطلقونها في مناظراتهم التلفزيونية‏.‏‏ فقد استفسر الصحافيون ذلك السكرتير عن عدة وقائع منافية للحقيقة، سردها نائب الرئيس جورج بوش الأب، في مناظرته مع منافسته جيرالدين فيرارو‏.‏‏ فكان رد السكرتير: وماذا يهم؟! يمكنك الإدلاء بأي شيء في مناظرة تلفزيونية يستمع إليك فيها 80 مليون مشاهد‏.‏‏ وإذا ثبت عدم صدق ذلك، في ما بعد، فكم عدد الذين سيجدون الفرصة للإطلاع على التصحيح؟؟ ألفان، أو ربما عشرون ألفا، لا أكثر!! وعلقت صحيفة واشنطن بوست على ذلك بقولها: ((لا نذكر في تاريخ الولايات المتحدة، أن صدر مثل هذا الاحتقار، والاستهزاء بالشعب الأمريكي))!!

تمكن الإعلام الأمريكي، من حشد التأييد للرئيس جورج دبليو بوش، في حربه في العراق، تحت أكذوبة امتلاك العراق لأسلحة دمارٍ شامل، بل، وبتخويف الشعب الأمريكي، أن العراق يمتلك صواريخ بعيدة المدى، قادرة على حمل أسلحة للدمار الشامل. وأن هذه الصواريخ قادرة على تهديد الأمن القومي الأمريكي!! وبعد أن تم تكسير العراق، تبين أن الأم كله قد وقفت وراءه كذبة!! والأعجب، أن الرئيس جورج بوش تمكن رغم كل ذلك، في عام 2004، من هزيمة منافسه الديمقراطي، جون كيري! حدث ذلك، رغم تركيز الأخير في حملته الانتخابية على رفع كثيرٍ من التساؤلات، حول حقيقة الدوافع وراء غزو العراق. أما المفارقة الأكثر غرابةً، التي تبدت عقب ذلك، فهي أن سبب فشل حزب الرئيس بوش، في تحقيق النصر، في انتخابات، العام 2008، أمام الحزب الديمقراطي، لم يكن بسبب تلك الكذبة البلقاء، التي ورطت الجنود الأمريكيين في المستنقع العراقي، وأهدرت من المال، ما كانت أمريكا في أمس الحاجة إليه داخليا. وإنما فشل الحزب الجمهوري ورئيسه، بسبب الأداء الاقتصادي الرديء، الذي أيأس الجمهور الأمريكي من سياسات الجمهوريين!! هكذا قال المحللون!! علينا إذن أن نتأمل كيف تصنع الأكاذيب التاريخ، وكيف يمضي من أطلقوا تلك الأكاذيب التي تصنع التاريخ، بلا عقاب، بل إن بعضهم ربما تتم مكافأتهم!!

الصفوة بوصفها ذراعاً للسلطة

            يقول شوموسكي، إن "المثقفين التقدميين" الواقعين في دائرة الفيلسوف، والتربوي الشهير، جون ديوي، كانوا من بين من انخرطوا بحماسٍ شديدٍ، في حملة الرئيس ودرو ويلسون، الهادفة إلى تغيير الجمهور الأمريكي، من مزاج اللاعنف الذي كان سائداً، إلى مزاجٍ مؤيد للدخول في الحرب في أوروبا. يقول شموسكي أن هذه الفئة ظلت تتحدث عن ما أسمته ((أكثر أعضاء المجتمع وعياً وإدراكاً)). ويرى شموسكي أنهم إنما كانوا يعنون بتلك الفئة أنفسهم!! يقول شوموسكي، إن تلك النخبة تمكنت من تحويل الجمهور المتردد في دخول الحرب، إلى جمهور داعم للدخول فيها، عن طريق إثارة الرعب فيه، وإيهامه بأنه يتعرض لأخطار ماحقةٍ تتهدده. بهذا تم استخراج النائم في داخله، من نزعات العصبية الوطنية العمياء. ويرى شوموسكي، أن وزارة الدعاية البريطانية كانت هي الجهة التي أطلقت في الأصل، حملة الترويج للحرب. وقد قامت بذلك تحت شعار "توجيه فكر أغلبية العالم". غير أن الغرض منها كان مركزاً على السيطرة على فكر الصفوة الأمريكية، التي تستطيع أن تنشر الدعاية المؤيدة للحرب على الرأي العام الأمريكي، وتحويله من مزاج  اللاعنف التي يسيطر عليه، إلى جمهور مصاب بهستريا الحرب. ويقول شموسكي أن تلك الخطة أتت أكلها، كأحسن ما يكون. كما أسفرت عن درسٍ مهمٍ جداً، وهو أن الدعاية التي تقوم بها الدولة، حين تجد الدعم من النخب المتعلمة، وحين يُمنع منعا باتاً الانحراف عنها، وحين يتم التعتيم الكلي على من يناوئونها، يصبح تأثيرها كبيراً جداً. ويقول شموسكي، إن القائد النازي أدولف هتلر، كان من بين الذين تعلموا من درس وزارة الدعاية البريطانية، في فترة الحرب العالمية الأولى. ويرى شموسكي، أن خلاصة ذلك الدرس، لا تزال متَّبعةً إلى اليوم!

نجاح الغوغائية في السودان

أما نحن في السودان ، فقد كان تاريخنا السياسي موبوءاً بإثارة نعرات التعصب، والفسح لأصوات الجهلاء، لتعلو فوق أصوات العلماء. فالهستريا التي صاحبت الدعوة إلى حل الحزب الشيوعي السوداني، في العام 1965، والغوغائية التي أسفرت عن طرد نوابه المنتخبين من البرلمان، وقف وراءها، من بعد الدكتور حسن الترابي، وقبيله، كل من السيد/ إسماعيل الأزهري، والسيد/ الصادق المهدي!! وما وجد فيه كل من الدكتور حسن الترابي والسيد الصادق نفسيهما اليوم، من عنتٍ، ومن تهميش، أنما هو نتيجة لما يسمى بـ (قانون المعاوضة). فقانون المعاوضة قانونٌ، إلهيٌّ، كونيٌّ، لا يتخلف أبداً. فهما اليوم، إنما يجنيان ثمار ما زرعته أيديهما في ستينات القرن الماضي. والمثل السوداني يقول: (الني للنار). فما لم ينضج بعد، لابد عائد إلى النار، كان على ربك حتماً مقضيا. وهذا المعنى، مُعَبَّرٌ عنه أيضا في الحكمة الصوفية، التي تقول: (كلُّ تجربةٍ لا تُورِثُ حكمةً تكرِّرُ نفسَها). وأهل الإنقاذ إنما يسيرون الآن، على نفس ذاك الدرب الذي عادةً ما يختاره قصيرو النظر. فالتضليل المتعمد، من أجل الكسب القصير، يضيع الوقت، ويعيق المسيرة، بل ويعيد الأمور جميعها إلى الوراء. وما أكثر الأمور التي عدنا فيها إلى الوراء؟!

الديماغوغية والمال والإعلام

بدأت خطة السيطرة الممنهجة على قوتي المال، والإعلام، في السودان، أول ما بدأت، في حقبة الديمقراطية الثالثة، (1986-1989). والذي ضرب ضربة البداية في تلك الوجهة الجديدة، إنما كانت الجبهة القومية الإسلامية. فقد تمكنت الجبهة القومية الإسلامية، أثناء تحالفها مع الرئيس الأسبق جعفر نميري، من إنشاء بنك فيصل الإسلامي، الذي وجد من التسهيلات، باسم الإسلام، ما لم تجده أية مؤسسة اقتصادية أخرى. وما أن أطل فجر الديمقراطية الثالثة، حتى ظهرت الجبهة القومية الإسلامية، قوةً اقتصاديةً كبيرةً، تملك عدداً من الصحف جيدة التمويل. أعملت تلك الصحف الشرسة، الفالتة، معاولها في جسد الديمقراطية الثالثة، حتى هيأت الناس للانقلاب العسكري. استخدمت الجبهة القومية الإسلامية شعار "دعم القوات المسلحة"، وأوغرت صدور العسكريين على حكامهم المنتخبين، أيما إيغار، حتى أصبح الانقلاب ـ أي انقلاب ـ هو الغائب المرتجى الوحيد! ولو نظرنا إلى ثمار تلك الخطة، التي بدأت منذ ربع قرن من الزمان، فاحصين، بعنايةٍ، مجمل ثمارها، المتجسدة في ما نحن فيه اليوم، لتبدت لنا، بوضوحٍ شديد، الثمار المرة للديماغوغية! فالجيش الذي كان يقاتل في الجنوب في الثمانينات، في ظروف سيئة، والذي تباكت من أجله، الجبهة القومية الإسلامية، كأفضل ما يكون التباكي، نجده قد خرج، من الجنوب خروجاً نهائياً، على يدها هي، لا يد غيرها!! ولو تجرأ أحدٌ في تلك الحقبة، المبكرة، وقال إن الحرب في الجنوب حربٌ خاسرة، ومن الأفضل سحب الجيش من هناك، وإعطاء الجنوبيين حق تقرير المصير، لجرى اتهامه بالخيانة العظمى، ولمزقته صحافة الجبهة القومية الإسلامية، حينها، إرباً، إربا!

قامت الإنقاذ بالانقلاب الذي هيأت له الشعب، بل وهيأت له الجيش نفسه. وما أن استتبت لها الأمور، شنت على الجنوب حرباً دينية، استمرت لعقد ونصف من الزمان. غير أن الحرب أسفرت، في نهاية المطاف، عن فقدان الجنوب، وإلى الأبد! أكثر من ذلك! فإن الجيش الذي تم التباكي باسمه، والذي انسحب من الجنوب وانحصر وجوده في الشمال، تمت تصفيته، بعد أن تم القضاء على مهنيته، وتحويله إلى مجرد مليشيا حزبية!! الشاهد أن الذريعة الأساسية، التي، تحت دخانها الكثيف، قام الانقلاب، جاءت محصلتها بعد عشرين عاماً، مجرد صفرٍ كبيرٍ على الشمال. بل إن بعض أصحاب الصحف "الإسلامية"، الشعبية، مثل "ألوان" ممن أسهموا أكبر إسهامٍ، في تكسير الديمقراطية الثالثة، تم وضعهم "إنقاذياً" على الرف! وأصبحوا، من ثم، مثلهم مثل غيرهم من سائر المتفرجين، على "بدائع الزهور في وقائع الدهور"، من مسيرة "الميكافيلية الإسلامية"، التي لا تلوي على شيء!! تم استخدام الآلة الإعلامية "الجبهوية"، في نهاية الثمانيات، في استغلال العاطفة الوطنية، التي يكنها الشعب لجيشه، كأبشع ما يكون الاستغلال، ودارت عقارب الساعة، دورة كبيرة، انتهينا بها، في نهاية المطاف، بلا جنوبٍ يمكن نتباكى على تردي أحوال جيشنا فيه، بل، وبلا جيشٍ محترفٍ أصلاً!! والأسوأ، أن غول توالي التشظي، لا يزال رابضاً لنا في العتمة!!

خلاصة القول هنا، أن التضليل الإعلامي ليس قاصراً على الأنظمة الشمولية وحدها. فالأنظمة الديمقراطية نفسها تمارس التضليل الإعلامي، وبكفاءةٍ كبيرة. إن الأزمة في مجملها، أزمة رؤية، وأزمة فكر، وأزمة أخلاق، وأزمة تربية. وهي بهذا المعنى أزمة كوكبية. لابد للعالم، ولابد لنا نحن قبل العالم، من قيادات جديدة، تعرف كيف تمسك بلجام نفسها، فتتجنب إغراء الاندفاع في وجهة التضليل، التي تأتي بالمكاسب قصيرة الأجل، التي (تجيب الأجل) في نهاية المطاف!!

كتب الأستاذ محمود محمد طه، في مخطوطة "ديباجة الدستور"، التي سبق أن أشرت إليها في هذا المقال، ما نصه: ((ولما كان حكم الشعب، بواسطة الشعب، من الناحية العملية، مستحيلاً، فقد جاء الحكم النيابي، ونشأت الأحزاب السياسية..‏ وفي الحكم النيابي قلة قليلة جداً هي التي تباشر، نيابة عن الشعب، السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية‏.‏‏. والمفترض أن الشعب يراقب هذه القلة حتى يطمئن إلى أنها، إنما تدير دولاب السلطة لمصلحته هو، لا لمصلحتها هي‏.‏‏. وهذا يقتضي وعي الشعب، ويقتضي وعي القلة التي تباشر السلطة أيضا‏.‏‏. وليس هناك شعب من الشعوب، إلى وقتنا الحاضر، استطاع أن يكون في مستوى الوعي الذي يمكنه من مراقبة أداء من يتولون، نيابة عنه، إدارة مرافقه بصورة تقرب، ولو من بعيد من مستوى الحكم الديمقراطي بمعنى هذه الكلمة‏.‏‏. وليست هناك، إلى وقتنا الحاضر، قلة، في شعب من شعوب الأرض، استطاعت أن ترتفع فوق مطامعها، وأنانيتها، وجهلها، لتحكم شعبها حكماً ديمقراطياً صحيحاً‏ً.‏‏. فالقلة إنما تحكم الشعب لمصلحتها هي، لا لمصلحته هو))‏‏.. انتهى.