صحيفة التيار 17 أكتوبر 2020
في فبراير من هذا العام، دعا الحزب الشيوعي السوداني الأكاديمي المرموق جلبير الأشقر، لتقديم محاضرة لعضوية الحزب، بعنوان: "التحديات التي تواجه الثورات على المستوى الإقليمي ومآلاتها". وكانت الدعوة بمناسبة التحضير لمؤتمر الحزب. وصل الأكاديمي المرموق، أستاذ دراسات التنمية والعلاقات الدولية بمعهد الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن إلى السودان ح تلبيةً للدعوة. غير أن الأوساط السياسية والثقافية فوجئت ببيان صادر للحزب على صفحات فيسبوك يقول فيه: "تمت مقابلة الأشقر في المركز العام الخميس 13 فبراير2020م بناءً على معلومات خاطئة. فقد أكد الحزب الشيوعي اللبناني للحزب الشيوعي السوداني أن جلبير الأشقر ليس عضوًا فيه. وأضاف البيان أن معلومات رشحت بأنه كان يعمل مستشاراً للجيش البريطاني ووزارة الدفاع البريطانية، ومستشاراً لدى المركز القطري/الإخواني الذي يديره عزمي بشارة. وعلي ضوء ذلك قرر المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني إلغاء اللقاء المزمع معه. وكذلك إلغاء ندوة الاثنين 17 فبراير المُعلنة التي كان من المفترض أن يتحدث فيها". وعلى أثر ذلك، كتب صلاح جابر، مقالاً تحت عنوان: "الحزب الشيوعي السوداني يكشف التروتسكي المشبوه جلبير أشقر". وقد لخَّص عنوان مقال صلاح جابر، في تقديري اللينينية المعششة في أذهان عضوية الحزب الشيوعي السوداني، بما لا مزيد عليه.
رد الأكاديمي المرموق جلبير الأشقر على بيان الحزب الشيوعي السوداني المضطرب، سيء الصياغة قائلاً: إنه جاء إلى السودان بناءً على دعوة وصلته من لجنة التحضير لمؤتمر الحزب. مؤكدًا أنه لم يدَّعِ قط أنه عضوٌ في الحزب الشيوعي اللبناني، وذكر أنه منتمٍ إلى حزب العمال البريطاني. كما نفي اتهام الحزب الشيوعي السوداني له بأنه عمل مستشاراً للجيش البريطاني، واصفًا ذلك بأنه افتراء مغرض. كما نفى أن يكون مستشاراً لدى أي مركز قطري/إخواني، موضِّحًا أنه عضو في الهيئة الاستشارية لمجلة (سياسات عربية) التي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الذي يديره عزمي بشارة، والتي تضم 22 باحثاً وأكاديمياً، مضيفًا أنه لا يتقاضى أي أجر لقاء تلك العضوية.
علق على ذلك الموقف أيضًا، سلام الكواكبي بقوله: "في صياغةٍ وفيةٍ لما حفلت به أدبيات سياسية عقودًا خلت، حيث كانت العبارات الخشبية هي سيدة الموقف ... أقدم الحزب الشيوعي السوداني على إصدار بيانٍ مستقى من مكارثية مستجدّة، بحق الكاتب والأكاديمي، جلبير الأشقر، عازفاً عن استقباله، بعد أن وجه إليه دعوة للحديث أمام منتسبيه. وقد استند هذا الحزب، في بيانه الشبيه ببيانات أجهزة المخابرات العربية على معلومات وردت إليه من الحزب الشيوعي اللبناني". وتساءل الكواكبي: "ماذا حصل اذاً للحزب الشيوعي السوداني، الذي كان مشهوداً له بالنضال الحقيقي ... والذي عرف قياداتٍ تقرأ وتفهم، ليجعله يصل إلى مستوىً من الضحالة الفكرية، لتبرير منع أكاديميٍّ مشهودٍ له باحترام المعايير العلمية في أعماله".
هكذا فضحنا الحزب الشيوعي بسبب "لينينيته" و"مكارثيته" أمام ضيف دعاه بنفسه وأمام مجمل الوسط الأكاديمي والثقافي العربي بحججٍ غايةٍ في التخلف. تصور حزبًا يدَّعي الحداثة والديموقراطية، يمنع ضيفًا دعاه هو بنفسه بعد وصوله للبلاد من التحدث متعللاً بمثل هذه الوساوس. فهل كون الضيف ليس عضوًا في الحزب الشيوعي اللبناني سببٌ كاف لعدم مقابلته ولمنعه من التحدث. وهل كونه عضو في الهيئة الاستشارية لدوريةٍ أكاديميةٍ مُحَكَّمة سببٌ آخر للمنع؟ ثم كيف تحقق الحزب من التهم الأخرى التي رمى بها الرجل؟ تعكس هذه الحادثة المؤسفة في تقديري أن هذا الحزب يعاني من خواءٍ معرفيٍّ وعدم قدرة على إحسان التصرف. (يتواصل).