الشديد القوى هو الذي جعلني أغادر الدوحة إلى الخرطوم في ظروف الحصار الرباعي المفروض عليها منذ شهر رمضان الماضي.. وعكة ألمت بالحاجة والدتي، أنعم الله عليها الصحة والعافية، كانت هي السبب. وهذا الحصار لم يجعل لي خياراً غير السفر عبر طائرة الخطوط القطرية، فهي الأقل عناءً وانتظاراً من مثيلاتها المتجهة إلى الخرطوم مع ما يحفها من مشقة النزول والانتظار في عدة مطارات أخرى...الرحلة من الدوحة إلى الخرطوم كانت تستغرق ثلاث ساعات وربع لكن أصبحت الآن، بقدرة قادر، تستغرق أكثر من ست ساعات ونصف لتحلق بنا الطائرة، ونحن نتملل داخلها، فوق إيران وعمان صلالة وبحر العرب وأثيوبيا ودولة جنوب السودان ثم تتجه شمالاً إلى الخرطوم التي وصلناها في عز الهجير.
في هذا السفر بدأت المتاعب والمحن كالعادة من داخل الطائرة. الغلاء في أسعار تذاكر الطيران، التي صارت أشبه بالبورصة في هذا الموسم، ومحدودية عدد الرحلات في هذه الظروف زاد من أزمة المسافر، فلا مجال في هذا الوقت للبحث عن أرخصها بقدر ما تبحث عن أوفرها وقتاً وأقلها تعبا حيث أن الطائرة مجبرة أن تلف وتدور بك لتصل إلى الخرطوم من أبعد الطرق. وما كنت أتخيل في يوم من الأيام أن في سماوات الله طرقاً من صنع البشر يقفلونها أنّى شاءوا. ولأنني أخاف سقوط الأغراض (العفش) من الخزانة العلوية في كابينة الطائرة على الرأس-اسأل مجرب- فقد حلفت منذ تجربة سابقة أن لا أسافر إلا على المقعد الذي يجاور الشباك حرصاً على سلامة نافوخي. في هذه الرحلة جلس بجانبي رجل كُبّارا، لا أدرى بأي المقاييس، لكنه كثير الكلام والاحتجاج وأنا عموماً لا أحب الكلام خاصة إذا كنتُ معلقاً بين السماء والأرض حيث أفقد أي إحساس بالدنيا ومن حولي في تلك الساعات. ومن هنا بدأت أولى المحن.. فمن البداية أراد الرجل أن يحتل المقعد الذي حجزته مسبقاً بجانب الشباك فرفضت له ذلك جملة وتفصيلا للسبب الذي ذكرته لكم وله لكن كان يبدو عليه الإصرار فقد شاهدته يهمس في أذن المضيفة باحثاً عن أسباب تشفع له الجلوس في مقعدي بجانب الشباك، وأوشك أن يقول لها "عشان أنا سافي سعوط"- وللعلم هذا السبب كنا نقوله أيام زمان إذا أردنا أن نبرر طلبنا من الركاب الجلوس بجانب الشباك في التاكسي الطرحة أو الباص العام رغم أنني أذكُر أن باصات الحكومة أو بصات أبورجيلة في السبعينات كان مكتوب في داخلها تحذير واضح "ممنوع البصق على الأرض" وكان الالتزام بذلك التحذير سبباً من أسباب نظافة الخرطوم آنذاك. أما الآن فحدِّث ولا حرج.. الركشة التي صارت أهم وسيلة مواصلات وأكثرها شعبية، ليس بها شباك وكلها مفتوحة لتبصق يميناً وشمالاً ليوزعها الهواء حيث يشاء إلى كل الاتجاهات. وذلك التحذير الصديق للبيئة والذي ينُم عن وعي صحي آنذاك، حل مكانه، للأسف، تحذير تستشف منه احتمال وجود لصوص "العفش داخل البص على مسؤولية صاحبه"، فشتان ما بين زمان وزمان! وبالعودة إلى رفيق السفر، فالشاهد أنه بدأ يهمهم محتجاً لضيق مقعده تارة وللتأخير البسيط في الإقلاع تارة أخرى ثم لرفع حقيبته الصغيرة للخزانة العلوية وقت الإقلاع حسب القوانين ثم ينظر إلى متوقعاً تعليقى. وفي كل ذلك أنا صامت تفادياً لمجاراته في الحديث والاحتجاج إلا أنه أخيراً احتج ضدي لدى المضيفة حين خصتني وعرَّفتني بنفسها وسألتني عن اختياراتي لوجبة الفطور- وكما تعلمون فهذا بروتوكول رمزي معروف عندما تكون عضواً في نادى الامتياز في الخطوط القطرية، أو أي أندية مماثلة في خطوط جوية أخرى، يكون اسمك في قائمة الركاب مؤشراً عليه وهى لا تعنى شيئاً فعلياً بل لمجرد تنبيه المضيفة لإظهار نوع من الاهتمام ليس إلا- لكن الرفيق اعتبر ذلك محاباة وتفرقة من المضيفة في المعاملة بين الركاب لأنها لم تسأله بالمثل إلا أنه لم يسكت ولم يستبن النصح إلا عندما جاءت صينية الفطور وتيقن بعيني رأسه أن فطوري لا يختلف عن فطوره وفطور الآخرين البتة.
يقال إن السفر" قطعة من عذاب أو من جهنم" لكن عادة في أي سفر ربما تقابل رفيقاً يسليك ويقصّرعليك المسافات أو آخر يزعجك ويطول عليك السفر ويجعله أكثر معاناة.. وقديماً قالوا "إذا أردت أن تعرف الرجل فسافر معه" والسفر ربما سمّى سفر لأنه يسفر أو يكشف عن الوجه الآخر للشخصية. لكن الآن تغير الزمن وتبدل الأنيس والجليس وأصبح الرفيق في السفر جهاز إلكتروني صغير(اللابتوب والآيباد والهاتف المتحرك والتلفاز) يكون تحت السيطرة.. وكفي الله المؤمنين شر القتال.
ثانية المحن.. عندما وصلنا صالة المطار بقينا فيها جميعاً ثلاث ساعات بالتمام والكمال في انتظار الحقائب.. سير يلف ويدور أكثر من عشرين دورة بنفس عدد الحقائب القليلة ولا تجد في الصالة من يدلك على سبب ذلك البطء الشديد في عملية التحميل والنقل من الداخل وتفتيش الحقائب خلف الكواليس. لقد كانت الطائرة من الحجم الضخم وتحمل عدداً كبيراً من الركاب لكن هذا لا يبرر الانتظار لساعات ثلاث في صالة تنقصها أبسط سبل الراحة والانتظار فليس بها مقاعد كافية، التكييف ضعيف دون المستوى، مكان تنقصه كثير من الخدمات المهمة للمنتظرين مثل المطاعم والمقاهي والكافتيريات البسيطة وأماكن للأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة إلخ.... كان هنالك تأخير غير عادى بكل المقاييس لدرجة أن الإخوة الذين كانوا ينتظرون في الاستقبال غادروا المطار بعد أن أصابهم ما أصابهم من العناء واليأس. فقلت متنفساً لأحد العمال الذي كان يقف بجانبي ويشاطرني الهم والعذاب "أن المطارات الأخرى، حتى في الدول الأقل تقدماً، بمجرد أن تُكمل إجراءات الدخول في شباك الجوازات وتخرج تجد حقائبك على السير في انتظارك في مكان مريح". فجاوبني: " المشكلة هنا في نقص العمال" فقلت له: "إذن لماذا لا يُعمل سير للحقائب من باب الطائرة حتى صالة الوصول لتجنب العمالة والتأخير؟" فنظر إلىّ ورد مباشرة وبكل ثقة: "اقتراحك هذا أكيد سوف يعملون به في المطار الجديد.." ولم أفهم منه هل راق له اقتراحي هذا أم رآه استخفافاً بالعقل أم نكتة أم اعتبره استفزازاً لمهنته ! لكنى حقيقة كنت في لحظتها أعنى ما أقول.
ثالثة المحن.. قبل استلام الحقائب بدّلت خمس من تلك العربات التي تحمل الحقائب حتى أحصل على واحدة منها تسير إلى الأمام فمعظمها مكانك سر والبقية تزحف طواعية إلى اتجاه اليمين أو اليسار ولا تستطيع السيطرة عليها. بعد ثلاث ساعات من الانتظار حملت حقائبي فوق تلك العربانة وسرت في اتجاه بوابة الخروج لكن في منتصف الطريق المؤدى إلى البوابة حرنت العربانة فصرت في وضع لا يحسد عليه حاملاً الحقائب ومعهم العربانة - جملة الوزن أكثر من 80 كيلوجرام- فانطبق علىّ المثل "جيتك يا عبد المعين تعيني لقيتك يا عبدالمعين عايز تتعان" وأصبحت مثل جحا الذى حمل حماره وفوقه سرجه إلى أن لحقنى وأعانني أخي سعد الذي كان صامداً مع مَن بقىّ مِن المستقبلين. صار هو يدفع العربانة من الخلف وأنا أعدّل اتجاه الإطار أو العجلة الثالثة الأمامية يدوياً لتسير العربانة في اتجاه الأمام ولكم أن تتخيلوا ذلك المنظر وتلك المعاناة في ذلك الهجير.
كان من العادة بعد أخذ الحقائب أن أعرج في الطريق على الأسواق الحرة وأشترى بعض المواد التموينية (تحديداً لبن وسكر وشاي) للأهل لكنني أوقفت ذلك منذ ثلاث سنوات مضت بسبب تحديد كمية الشراء بعدد الجوازات ولتفادي تكرار نفس الجدل الذي كان يدور مع القائمين على أمر السوق الحرة عند كل زيارة. ولأول مرة أرى سوقاً حرة تمنعك من شراء الكمية التي تريدها، فبالتالي أوقفت الشراء من السوق الحرة في مطار الخرطوم وصرت أشترى من مكان إقامتي في كل زيارة. في أي مطار في العالم يشجعونك على شراء أكبر كمية من السوق بل هناك بونص، وربما عمولة، لمن يبيع أكثر وهدايا لمن يشترى أكثر.
هذه الحقائق كم هي محزنة ولا تليق بنا ولا بزوارنا من الأجانب، وخاصة ونحن الذين كنا أفضل من ذلك بكثير، لكن قصدت من هنا أن أوجه رسالة إلى سلطات الطيران المدني بأن هنالك عدد من القضايا بل المشاكل التي تخص خدمات جمهور المسافرين وتحتاج إلى حلول عاجلة بصرف النظر عن قيام أو عدم قيام المطار الجديد. أولها تحسين شكل الصالات وإضافة بعض المرافق الهامة بل الضرورية من كراسي ومقهى وتكييف ولوحة مضيئة لوصول ومغادرة الطائرات وحمامات إلخ...ثم حل مشكلة تأخير وصول الحقائب إلى الصالة وتبديل عربات حمل الحقائب أو إجراء تفتيش وصيانة دورية لها تكون مجدولة، وفي هذه الناحية هناك شركات أو بنوك ربما تكون على استعداد لتزويد تلك العربات مجاناً مقابل الدعاية والإعلان مثل بعض الدول، ثم ماذا يضير إذا جُهز مكتب استعلامات في مكان واضح في الصالة ! وأخيراً وليس آخراً موضوع الأسواق الحرة وتقييد الشراء بعدد الجوازات الشيء الذي يفقد البلاد طواعية العملات الحرة...معلومة.. في كثير من البلاد يساهم الناقل الوطني في تحسين شكل وخدمات المطار ليصبح دوليا معنىً وليس اسماً... لكن في حالتنا أين الناقل الوطني يا ترى!!
وهذا قد يقودنا إلى حديث ذو شجون عن الوضع المائل للسياحة. فيا حبذا لو دخل المعنيون بالسياحة في السودان الى المواقع التي أنشأها سياح زاروا السودان، مثل موقع Once in lifetime journey، رحلة لمرة واحدة في العمر، وموقع Westwards.de الألماني الذي يحكي تجربة سائحتين ألمانيتين، وموقع Against the Compass عكس البوصلة، الخ... ففي واحد من هذه المواقع، تساءل سائح هل السفر إلى السودان آمن؟ وجاء الجواب أن السودان بلد يعرف الجميع أن هناك شيئٌ يجري فيه، ولكن لا أحد متأكد مما يحدث بالفعل هناك. وبزيارته للسودان اتضح له أنه بلد آمن وشعبه ودود ومضياف. بينما آخر يصف السودان بأنه بلد الضوابط والرخص والتصاريح – تحتاج إلى تصريح للقيادة خارج الخرطوم، وتصريح لزيارة المواقع السياحية، وتصريح لالتقاط الصور، وان التصاريح تصدر من عدة جهات – شرطة، سياحة، الخ... في مواقع مختلفة ويقف المراجعون في صفوف. أما التاكسي، على حد وصف أحدهم، فهو قديم ومهلهل وأكبر منك عمراً وأرضيته حيث تضع قدميك بها ثقوب، وبلا زجاج أمامي حيث تطل على الشارع مثل سيارة flintstones في أفلام الكارتون.
مثل هذه المواقع كثيرة وتحكي تجارب السياح وانطباعاتهم عن السودان بكل صدق وبدون أجندة سياسية، وتحتاج من المعنيين متابعتها ومحاولة البناء على الإيجابيات، والاهتمام بالملاحظات، والتعرف على المشاكل أو الإشكالات ووضع الحلول لها لأن السياحة الناجحة تدر الملايين وتوفر فرص العمل مما يسهم في تخفيف البطالة.
نريد للسودان أن يخرج من هذه القوائم إلى قوائم الوجهات الأكثر زيارةً ومع البوصلة وليس عكسها، ونبدأ بالتواصل مع المواقع وافادتهم بالتطورات الإيجابية وان كان بإمكانهم تكرار الزيارة وتحسين الصورة في مواقعهم التي يطلع عليها السياح المحتملون.
وبعد الشجن المغلّف بالآمال العِراض نعود إلى السفر في زمن المحن ...
ورابعة المحن.. هناك نظرية اقتصادية إنجليزية تقول فيما معناها "لابد أن تتملك منزلين واحد لتعيش فيه والثاني لتعيش منه". ومنذ زمن بعيد حاولت جاهداً تطبيق هذه النظرية في السودان فلم أخرج من معركة الاغتراب الطويلة إلا بواحد فالأراضي والعقار في السودان، بلد المليون مربع، أغلى من مانهاتن أشهر أحياء مدينة نيويورك بأمريكا. الشاهد أن الشُقة الوحيدة، التي تملكناها واخترنا أن نعيش منها، أصبحت هي جزء من المتاعب بل عالة علينا. ففي هذه الإجازة بل وفي كل إجازة سابقة أجد أن أحد السماسرة سرق منى المستأجر إلى شقة أخرى بداعي التوفير للمستأجر لكن في حقيقة الأمر بسبب مصلحته في أن يتقاضى عمولة أخرى، وأنا بدوري أقضي إجازتي في صرف أكثر من ريع الشقة السنوي في أعمال صيانتها مما خربه المستأجر السابق ثم البحث عن مستأجر جديد ليخرب هو الآخر، ونفس السماسرة يتبادلوا معي الأدوار وتدور الحلقة المفرغة معهم في كل إجازة.. أصدقاء.. ثم أعداء ..ثم أصدقاء ..وهكذا... خلاصة القول والمحنة أن الشقة هي التي تعيش علينا منذ أن امتلكناها وسقطت تلك النظرية الاقتصادية الإنجليزية في السودان أمام الاستراتيجية المضادة للسماسرة، كما سقطت من قبل النظرية الاقتصادية الأشهر – نظرية "العرض والطلب" فعلى الرغم من العرض الهائل لبعض السلع مقابل الطلب المتدني فإن الأسعار لا تنخفض !
ومن محن الناس في السودان لاحظت أن هناك دائماً لبسٌ في الحديث والفهم بينهم.. بمعنى أن كل من المتحدث والمتلقي يفهم الكلام بطريقته الخاصة ثم يتصرف بناءً على فهمه، ولذلك تظهر بعض المحن والإشكالات في كثير من الأحيان وهناك أسباب عامة لذلك اللبس نتركها لمجال آخر. الشاهد صديقي وأخي الأصغر سعد دائماً يقع في مطبات مماثلة وفي كل مرة يلحقني طرف السوط.. فقد كنت معه الأسبوع الماضي في سيارته عندما اتصل بمهندس شركة الألمنيوم لعطل أصاب شباك منزله الذي صنّعته تلك الشركة حديثاً ووصف له موقع المنزل في الخرطوم. تحرك المهندس بمعداته ووجد رجلاً في المنزل قاده إلى مكان الشباك وتم إصلاح الشباك المعنى ثم شباك آخر في غرفة أخرى من المنزل. رجع المهندس واتصل بالأخ سعد وأخطره بانتهاء مهمته ليسدد له أجره. ولمجرد التأكيد اتصل سعد بأهل بيته الذين أكدوا له عدم حضور المهندس وأن الشباك أمامهم ما زال معطوباً وآيلاً للسقوط كما كان. وفي المقابل يؤكد المهندس العكس تماماً.. أجرى سعد عدة اتصالات والكل يزداد حيرةً خاصة الضحية سعد وأنا معه. وأخيراً اتضح من قرائن الأحوال أن المهندس دخل منزلاً مشابهاً لمنزل سعد، حسب ظنه، وتم إصلاح شباكين بدل شباك واحد كانا يعانيان من نفس العطب.. هذا الخلط أضاع منا ذلك اليوم بأكمله وهكذا يضيع الوقت في السودان. الخطأ يصير لكن مما يُعجب له أن صاحب المنزل المشابه لم يسأل المهندس ولم يتحر في الأمر بل انتهز الفرصة وترك المهندس ليصلح له شبابيكه ثم شكره وجلس في مكانه.. يعنى "المجان كتر منو". لكن المشكلة الآن أن المهندس ما يزال يلاحق سعد لاستيفاء أجر الشركة التي يعمل بها بحجتين.. الحجة الأولى أن أمر الشغل صدر منه ولديه ما يثبت ذلك.. والثانية أن ذلك المنزل الذي أصلح شبابيكه يشابه منزل سعد الخالق الناطق.. أي منطق هذا ! إنه حكم قراقوش في السودان ! ورجعت أدراجي قبل أن ينفك الاشتباك بين سعد والمهندس.
لي مجموعة من الأهل والأصدقاء والمعارف في المنطقة الصناعية ألتقي بهم بانتظام كلما زرت السودان. هذه المرة وصلتهم عن طريق رأس الرجاء الصالح حيث أن طريق الخور المعروف قُفل بالأوساخ التي أخرجتها المحلية من باطن الخور وتركتها في الشارع العام وسدت الطريق فصار هناك أيضاً ما هو أشبه بالحصار على المنطقة الصناعية. هؤلاء الأصدقاء أو المجموعة يجتمعون يومياً من الصباح حتى الظهيرة وبعدها ويتناقشون في شتى الأمور بدون أجندة...في السياسة المحلية والسياسة العالمية والدين والاجتماعيات والسحر والشعوذة والمرأة والأدب والفن والكورة والتراث والقبائل وكل شيء يخطر على بال لكن الغريب أن كل واحد منهم له رأى مختلف في أي موضوع ولم أراهم يتفقون. في رأيي أنه منتدى جامع لكل قطاعات المجتمع ومتنفس لنبض الشارع تستفيد منه وتخرج منه بذخيرة وافرة من المعلومات الجديدة والآراء المهمة والأخبار والإشاعات وأنت راضٍ لكن بشرط ألا تناقشهم ولا تعارضهم.. فهم في نهاية الأمر تيم واحد لهم أهداف وكابتن وقيادة رغم ما يظهرونه لك من اختلافات في وجهات النظر. الشاهد في هذه الزيارة رأيت أن صاحب المبنى ضيَّق عليهم الخناق ليستثمر جزءاً من المبنى ولذلك أقيم جدار برلين أو ما أسميته حائط المبكى بين الجزء المستثمر وصالة المنتدى هذه. ومن المنظور مستقبلاً أن يتوسع المستثمر على حساب الصالة وسوف يهدم جدار برلين ليزحف المستثمر إلى العمق الداخلي ليحتل موقع المنبر وحينها سوف يضطر المنتدى أن يخرج غاضباً إلى الشارع وتقلِب الحكومة.. ننتظر ما تسفر عنه الأيام في الزيارة القادمة إن كان في العمر بقية.
في ختام هذا الوصف لبعض الحال هناك ما يدعو إلى التفاؤل وأحياناً من المِحن تأتى المنح.. فرغم المتاعب التي واجهتني فقد كانت فرحتي لا توصف عندما وصلت منزلنا ورأيت والدتي وقد بلغت كمال الصحة والعافية بكرم الله وفضله وعناية اخواني واخواتي وتشخيص الأطباء ومنهم شقيقتي وأشقائي ولا شك فقد استمتعت بكل وقتي مع الوالدة الغالية ومع الأهل والأصدقاء والجيران والزوار وزاد من متعتى عدد من المناسبات السعيدة التي حضرتها في تلك الأيام القليلة... إنه هو السودان – محن ومنح ... حلو مُر أو حامض حلو كما قلت لكم من قبل.

شوقى محى الدين أبوالريش
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
2 أغسطس 2017