أحمد طفلٌ في سن الروضة ، لكنه لا يستطيع أن يبدأ حياته الدراسية لأن أغلب رياض الأطفال تشترط القبول بإبراز الأوراق الثبوتية ، قد يجد مقعداً ببعض التساهل من إحدى الرياض لكنه لن يستطيع دخول المدرسة . أمه لم تتمكن من ممارضة والدها في أواخر أيامه بإحدى الدول العربية لأنه لا يمكنها السفر إلا برفقة إبنها ، وسفره يتطلب أوراقاً ثبوتية وإذن سفرٍ مكتوبٌ من والده . 

يحدث هذا عندما يتحول الطلاق إلى حربٍ بين الأم والأب وقودها الأبناء ، ثم يأتي القانون ليزيد الوضع تعقيداً فيضع أحقية إستخراج الأوراق الثبوتية وإذن سفر الطفل المحضون بيد الأب أو أخيه أو أخته .
وُجدت القوانين لتصون حقوق أفراد المجتمع وتحافظ عليها وتحقق العدل والمساواة بينهم ، ما يقتضي قابليتها للتطور لمواكبة المتغيرات التي تطرأ على المجتمع حتى يأخذ القانون دوره في تسهيل حياة الناس .
وفي مجتمعٍ كمجتمعنا شهد كثيرا من التحولات جعلت نسب الطلاق في إرتفاعٍ مضطرد ، يظل قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام ١٩٩١م في مكانه ليشكل عاملاً إضافياً لتحويل حياة الأسرة التي ينفصل ذويها إلى جحيمٍ ، وتصبح المحاكم وإجراءتها البطيئة جزءٌ لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية لهذه الأُسر .
ففي الباب الخامس من القانون ( آثار الزواج ) أعطى القانون للأم الأحقية في حضانة الطفل لكنه عاد ليشترط في المادة 113 أ (ثانياً ) ، (أن تكون خاليةً من زوجٍ أجنبي عن المحضون ) ، وبذلك تُحرم الأم المطلقة من الزواج حتى يبلغ أطفالها سن السابعة للولد والتاسعة للبنت وهو سن انتهاء فترة الحضانة . بينما يُفضَّل أن تؤول الحضانة للأب إذا كان متزوجاً كما ورد في الفقرة (ب) . ما يُفهم منه أن حياة الأطفال أكثر أمناً مع زوجة الأب معها من زوج الأم ، وهنا يأتي الواقع ليقف شاهداً على مجانبة هذه الفرضية للصواب ، ففي سابقة قضائية قبل أعوام شهدت المحاكم السودانية قضية تعذيب غير أخلاقية لأطفالٍ في حضانة ابيهم كانت الجانية فيها زوجة الأب ، وغيرها عددٌ من القضايا الشبيهة . لذلك ومن باب توقُّع الضرر المتساوي على المحضونين من زوج الام أو زوجة الأب كان الأجدى عدم تقييد حضانة الأم بإنتفاء الزواج .
مادة أخرى من قانون الأحوال الشخصية فتحت الباب لكثيرٍ من التعقيدات هي المادة 119 (1) والتي تنص على ( لا يجوز للحاضن السفر مع المحضون داخل القطر إلا بإذن وليه ) ظاهر المادة يفيد أن على الحاضن إن كان الأب أو الأم أخذ الإذن من الطرف الآخر في حال السفر مع المحضون ، لكن ما يحدث فعلاً أنه يحق للأب السفر مع أبنائه دون إذن أو علم والدتهم ، لكن على الأم الحصول على موافقةٍ مكتوبة من الأب حتى تتمكن من السفر ، وإن رفض فعليها الدخول في إجراءات قضائية طويلة قد تحصل في نهايتها على إذنٍ من المحكمة باستصحاب الأبناء وقد تقابل بالرفض ، حسب تقديرات القاضي . في مجتمعٍ أصبحت فيه المرأة مؤهلة وقادرة على الحصول على فرص عملٍ خارج البلاد تسهم في تحسين حياة ومستقبل ابنائها . هذا مع ملاحظة أن القانون قد أهمل الحديث عن السفر لخارج البلاد ليصبح سلطة تقديرية بيد القاضي .
جانبٌ آخر وهو استخراج الأوراق الثبوتية ، ففي غالب حالات الطلاق تجد الأم أن مستقبل أبنائها مرهونٌ بيد أبيهم ، فالقوانين تضع حق استخراج شهادات الميلاد والرقم الوطني بيد الأب أو من يليه من اخٍ أو أخت ، وفي ظل استخدام بعض الآباء والأمهات للابناء كسلاحٍ في معركة مع بعد الطلاق يضيع مستقبل كثير من الأطفال بالتأخر عن الدراسة ، فإن تعنت الأب في الموافقة على استخراج هذه الوثائق تضطر الأم للإتجاه لإجراءات قضائية مرهقة وطويلة .
تزايد نسب الطلاق في المجتمع السوداني أدت لظهور الكثير من المشكلات التي يكون ضحيتها الأبناء وهنا يأتي دور القانون المناط به تنظيم حياة افراد المجتمع بتسهيلها وخلق حياة طبيعية للأطفال الذي وُجدوا في ظروفٍ دفعت بذويهم للإنفصال ، ما يتطلب تعديلات في قانون الأحوال الشخصية للعام 1991 الذي كان قد خاطب ظروف مجتمعٍ مختلف ، مجتمع أوائل التسعينات من القرن الماضي ، تاريخ صدور القانون ، حيث كانت المشاكل الأسرية تجد حلاً من كبار الأسرة وتنجح الجودية في الفصل بين الأزواج إذا استحالت الحياة الزوجية ، فتصبح مصلحة الأطفال هي الأولوية ، دون الحاجة اللجوء للقضاء والمحاكم .
وقد تناولت الصحف والأسافير قبل عامين قضية حضانة لطفلة من زوجين سودانيين يقيمان بإحدى الدول العربية ، وعندما انفصلا تحولت قضية الحضانة لمعركةٍ استُخدمت فيها البلاغات الكيدية والإتهامات بنفي النسب واستُغلت فيها سلطات تلك الدولة لتجد الأم نفسها مبعدة من البلاد وغير قادرة على حضور جلسة الفصل في قضية الحضانة ، وبالتالي أُجبِرت على مفارقة ابنتها ذات الثلاث سنوات فتصبح الطفلة وقوداً لإحدى قضايا الطلاق .
وتبرز هنا عدة تساؤلات : هل يعاقب القانون المرأة على إختيارها للطلاق غض النظر عن الظروف التي دفعتها لهذا الخيار ؟ هل يخلق قانون الأحوال الشخصية لعام ١٩٩١ م من المرأة مسئول ثانوي في حياة ابنائها ، فيجعل منها سجينة داخل البلاد طوال فترة الحضانة ؟ بل يذهب أبعد من ذلك فيتدخل في حياتها الشخصية ليحرمها من الزواج حينما يشترط أحقيتها للحضانة بعدم زواجها ؟
وأخيراً هل يعقِّد القانون حياة ما بعد الطلاق ليضطر المرأة للعودة لمؤسسة زوجية لم يُكتب لها النجاح ؟
تكونت مؤخراً حركة المرأة والتغيير كتيار من عددٍ من الناشطات والمتضررات من قانون الأحوال الشخصية السوداني ينادي بمواءمة القوانين واللوائح لواقع المجتمع وينشد حياةً أفضل للنساء والأبناء فيصبح هذا التيار صوت مظالمٍ لهذه الفئة المقدرة من النساء السودانيات .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.