رحيل الإنسان من الدنيا يفرض الحديث عنه بإنصاف؛ والشخص العام تتعدى أفعاله وممارساته النطاق الشخصي وأهل بيته وشيعته وتطال الآخرين والمجتمع والدولة؛ فلا يمكن أن يتغاضى الناس عن جوانب من حياته بإسم الفهم المغلوط للاقتصار على (ذكر محاسن الراحلين).. فهذا مما يضر بالحقيقة وبمفهوم العمل العام، والقدوة التي يجب اتّباعها، والمزالق التي ينبغي تجنّبها، وضرورات (جبر الضرر) واستعادة الحقوق، وإقامة موازين الحق، و(مجافاة النفاق).. خاصة عند الحديث عن الراحلين الذين كانوا بتحكّمون بمصائر المجتمع (وأكثر خصوصية عندما يتولون الأمر غصباً)! كما لا يمكن أن يبدّل الناس مواقفهم إلى النقيض فيتحولون إلى رصف كلمات المديح وتزيين أفعال الراحل الذي كانوا يرفضون جُل (بل كل) ممارساته (خاصة الحصاد المر للعشرية الأولى)، ويرون أنها قد أضرّت بهم وبوطنهم.. فيناقضون أنفسهم ويقولون بعد رحيله إنه قد كان خيراً عليهم وعلى وطنهم .. إذن سيكون ذلك من آيات النفاق الفاقعة!

وإذا كان الناس يظنون إن في امتداح أفعال كل راحل (بالحق وبغيره) خاصية سودانية حميدة فهم مخطئون! وإذا هم وصموه (بما ليس فيه) فهذا أيضاً من التجني.. ولكن من التجني والتزييف أيضاً أن يسبّح الناس بحمد أفعال الشخصية العامة عند رحيلها بذكر جانب واحد من سيرة يختلط فيها العمل السياسي بالفكري والحركي والسلوكي ..الخ كأن يمتدحون علاقاته الإجتماعية واجتهاداته النظرية ويهملون الجوانب الأهم المتصلة بظلامات الضحايا وظلامات المجتمع والدولة وكل ما أصاب الوطن وأهله.. فهنا تكون الإختلالات الجسيمة والجوائح الكبري والآثار الفادحة والقرارات الخطيرة التي تشمل فقدان الأرواح وتهديد المعايش والزعازع المجتمعية والاقتصادية (ذات الأثمان الباهظة) على حاضر الناس ومستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة.. إذا سكت الناس عن كل ذلك بإعتبار أن الحديث عنها يخل بحرمة الموت فهذا ما لا تجيزه مقاصد الأديان والشرائع، ولا نواميس الإجتماع، ولا الأخلاق، ولا المنطق السليم، ولا فضيلة تحرّي الصدق..! فلا جدوى للعبقرية إذا كان حصادها وناتجها إهلاك الوطن!

قد يكون الرجل العام ذا نفع كبير لأسرته الخاصة أو لاتباعه وشيعته ولكن ليس لوطنه وشعب بلاده، ولو كان ذكر مناقب الرجل العام بعد رحيله تُذكر على نطاق أسرته ودائرة مَنْ يعتقدون في صلاحه فلا غضاضة؛ فهم أحرار في تأبينه بما يشاؤون، ولكن تعميم ذلك على منابر الوطن هو المشكلة..! فمن حق الآخرين أن يختلفوا مع أصحاب هذا التقييم ومع إعادة كتابة السيرة (بعين الرضا المُغمضة)امتداحاً لشخصية لم تكن محل إتفاق! ولا ينبغي أن يكون في هذا (الإختلاف الجذري) مصدر استنكار، أو أن يتصدى لك أحد ليجبرك على تثمين أفعال من ترى أنه فعل بوطنك وشعبك الأفاعيل..! فهذا منطق تضيع معه الذمم والحقوق وتنطمس المعالم وتغيب شهادة المعاصرة ويضيع التاريخ! مثلاً: لا يمكن أن يكون فرضاً على الناس مدح سيرة (أدولف هتلر) أو أبي لهب لأنهما رحلا عن الدنيا! أو اللورد بلفور وموشي ديان ومن ماتوا من قادة داعش..! ذلك أن نقد المواقف وإحصاء الأخطاء والخطايا الوطنية والسياسية والدعوة لرد الحقوق لا علاقة له بالتجني ولا غمط الحق، وهو لا يعني الإساءة الشخصية للراحلين.. بل بيان ما اقترفوه من الإساءة في الأفعال!َ

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.