قد لا يطرأ على بال معظم الناس أن دور المعلم عظيم منذ بدء الخليقة ولم يكن بالإمكان لأي أحد منا شغل وظيفة دون تلقي التعليم على يد معلم. يأتي التعليم على خمس مراحل ابتداءً من بيت الأبوين حيث يتعلم الطفل النطق والعادات من أبويه ويكتسب مهاراته في فن الحوار ولهذا أكرم الله الأبوين وأمر الطفل بطاعتهما لأنهما السبب في وجوده بل وكما قال عليه الصلاة السلام في معناه أن الطفل يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه وفي هذا دليل قاطع على أن مستقبل الطفل التعليمي يبدأ من بيت الأُبوة.ثم تأتي المرحلة الثانية وهى تأثر الطفل بالمحيط البشري حوله من أقرباء وبقية أفراد المجتمع إذ يتأثر الطفل أيضاً بهذا المحيط سلباً أو إيجاباً ويستمر معه هذا التأثير بقية حياته. اما المرحلة الثالثة فهى مرحلة التعليم النظامي أو الديني " الخلوة" حيث يبذل المعلم قصارى جهده في تعليم الطفل مبادئ اللغة والعلوم الأخرى حتى إذا أكمل مرحلة الأساس انتقل إلى المرحلة المتوسطة للتوسع في التعليم ثم المرحلة الثانوية فالجامعية. وفي كل هذه المراحل يحتاج فيها التلميذ أو الطالب إلى المعلم أو المحاضر إلى أن يحصل على درجة الدكتوراة وبعدها تبدأ المرحلة الرابعة في التعليم وهى مرحلة مزج التعليم المكتسب بالتجارب وتستمرهذه المرحلة إلى وفاة الإنسان. والغريب في الأمر أن المرء يفي بحقوق الوالدين من حيث البر والإعاشة ولكنه سرعانما ينسى دور ذلك المعلم النقي السريرة الخالية نفسه من الحسد والذي يعمل بكل إخلاص لينجح طلابه فتجده في غاية السرور عندما ينجح طلابه وغاية الحزن عندما يفشلوا في الامتحانات وكأنه هو الذي فشل. ولهذا لم أجد مهنة أعظم من مهنة التعليم فهى مهنة ملازمة للإنسان منذ بدء الخليقة استناداً لقوله تعالي في سورة البقرة " وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين(31) قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم(32) قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون". تلقى سيدنا جبريل عليه السلام العلم والمعرفة من الله تعالى ونقل الرسالات إلى الأنبياء ليقوم الأنبياء بتعليم الناس أُمور دينهم وما ينفعهم في حياتهم الدنيوية والأُخروية. ولهذا لا يوجد نبي أو رسول إلا ومارس مهنة تعليم الناس أُمور دينهم حتى أن الأحاديث النبوية تسمى باللغة الانجليزية (Teachings of Prophet…..) دلالة على عظمة ونبل التعليم والمعلم. ولهذا يدعو البعض بقولهم " اللهم بارك في كل من علمني حرفاً ". وفي الآونة الأخيرة أصبحت الشبكة العنكوبتية( الإنترنت) والقنوات التلفزيونية معلم المرحلة الخامسة وهى مرحلة ممتازة لمن يريد استغلالها من أجل العلم والمعرفة ولكنها مرحلة في غاية الخطورة إذ يمكن أن تسهم في الفساد الأخلاقي للأطفال وتصرفهم عن جادة الطريق وتعاليم المعلم.
وهنا يكمن دور المعلم في تبصير الطلاب عن كيفية التعامل مع مثل هذه التقنيات الحديثة التي قد تنسف مكارم الأخلاق التي غرسها الأبوين والمعلم ما لم تكن هناك رقابة تربوية يقوم بها المعلم.
وبالنظر إلى أوضاع المعلمين في الوقت الراهن نجد أن المعلم يلهث وراء تلبية حاجيات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وعلاج والتزامات اجتماعية مع قلة إمكانياته المالية ولا شك في أن ذلك سوف يؤثر تأثيراً مباشراً وسلبياُ على قدراته في التركيز على تزويد تلاميذه أو طلابه بكامل المعرفة وتقويم سلوك المعوج.
لا يمكن لأي أمة من الأُمم أن تنهض إذا تجاهلت دور المعلم في تنشئة الأجيال فإذا ارادت الأُمة الطبيب الناجح والجندي المغوار والمهندس المبتكر والسياسي المحنك والعامل المتفاني ومحاربة الفساد والتقدم اقتصادياً فعليها أن تهتم بالمعلم وتوفر له كل سبل الراحة ليتفرغ إلى نقل المعرفة إلى تلاميذه وطلابه وتعليمهم الإخلاص والأمانة والتمسك بمكارم الأخلاق، ومن هذا المنبر أُطالب الدولة بالآتي:-
1. أن يكون راتب المعلم – في كل المراحل التعليمية - نفس الراتب الذي يتقاضاه أي وزير لأن ذلك الوزير لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه من منصب رفيع دون تسلق ذلك السلم الوظيفي المحمول مدى حياته على ظهر المعلم .كما ينبغي أن يكون معاش المعلم مساوياً لمعاش الفريق في الجيش أو الشرطة أو الأمن كأقل مكافأة لما نسميه بصانع الأجيال.
2. أن يرفع سن معاش المعلم إلى ما لا نهاية طالما أنه قادر على العطاء أُسوة بالمحاضرين في الجامعات حيث لدينا بعض المحاضرين في الجامعات الزامبية وهم في سن الثمانين وعطاءهم أكثر غزارة من أي محاضر يصغرهم سناً لأنهم جمعوا بين العلم والخبرة المهنية.
3. أن يهتم برنامج التمويل الأصغر بتمويل المعاشيين بإنشاء مدارس خاصة تدر عليهم الدخل لأن عطاءهم سوف يستمر إلى مدى الحياة.
4. أن يكون كل معلم يتقاعد عن العمل عضواً في لجنة تقويم المناهج مدى الحياة وأن يدفع لهم مقابل كل جلسة وذلك لتفادي أن تذهب هذه الخبرات هباءاً منثوراً.
5. أن تقدم الدولة المنح الدراسية مجاناً لأبناء المعلمين في كل المراحل التعليمية كنوع من رد جزء من الجميل لهم.
6. إعلان يوم المعلم عطلة رسمية في جميع أنحاء السودان لتفقد أحوال المعلمين وتكريمهم مادياً ومعنوياً.
7. إكرام المعلم بتسهيل وتبسيط إجراءات الحج بقيمة رمزية لتمكين المعلم من أداء فريضة الحج
8. إنشاء روابط طلابية والتنسيق عبر برامج التواصل الاجتماعي الالكتروني مع المعلمين ولمعرفة أحوالهم.
9. توجيه أئمة المساجد للابتهال بالدعاء للمعلم عقب كل صلاة جمعة لأن الخطيب أو الإمام لم يكن ليصعد المنبر ويوعظ الناس دون التعلم من معلم.
10. أن يخص كل شخص منا معلمه بالدعاء ول مرة في اليوم حمداً لله على ما حصلنا عليه من علم ومعرفة على أيدى المعلمين
أختم هذا المقال بالتوجه إلى الله تعالي والدعاء للمعلم بالتوفيق في الدنيا والآخرة ويغفر لمن توفي منهم ويبارك في أعمار من بقى منهم على قيد الحياة.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.