دأبت الانقاذ منذ مدة طويلة اتخاذ مبدأ التحلل الذى يعقب تسويات مالية ليست ناجزة تجرى مع السارق والمفسد؛ وهذا يحدث بعد غلظة وشدة مع غير أهل الانقاذ في بداية عهدها. والتحلل في اللغة اذا تغيرت عناصر الشيء واستحالت الى عفن، وتحلل من يمينه أو قسمه بكفارة، وتقال للحاج اذا رمى وحلق أو قصر، أو رمى وطاف وسعى وحل له ما يَحْرُم عليه من محظوراتِ الحجِّ؛ اما في السودان اصبح معنى التحلل هو اجراء تسوية بإرجاع مال عام مسروق أو منهوب أو مختلس أو نتج عن رشوة، أو أي مال اكتسب بطريق الحرام؛ والفقهاء يقولون ان لا فقه تحلل في الشريعة الاسلامية؛ ومعروف أن الحقوق نوعان اما مادية كالمال المسروق أو المغصوب ونحوها، او حقوق معنوية كالسباب ومن استغاب غيره والشتم ونحوه؛ والحقوق المادية لا تسقط صحيح أنها ترد لكن أيضا يتم معاقبة السارق او المغتصب لها. وكما هو معلوم تم قطع يد سارق المال العام في عهد الرئيس نميري!.

إن قضية التحلل تفتح باباً واسعاً للفساد والافساد والاعتداء على المال العام والخاص دون خوف العقاب، وقيل قديماً من أمن العقوبة أساء الادب. وتبرز مع التسويات اشكالية مدى عدالة قيمة التسوية، ومدى عدالة القاء القبض على شخص واحد ربما خلفه اناس كثيرون يحتمون به. لذلك ننظر الى غريب فعل الحكومة بإنشاء وحدة للتحقيق في جرائم للفساد تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني القوة نظامية التي مهمتها رعاية الأمن الوطني الداخلي والخارجي وحدد القانون رسالته وواجباته ومهامه التي تعتبر خدمة مهنية تركز على جمع المعلومات وتحليلها وتبويبها وتقديمها للأجهزة كل حسب اختصاصه؛ وهذا الفعل وضع شكاً كبيرا في استقلالية القضاء، حيث ورد أن القاضي يكون عضوا فيها ووكيل النيابة يكون عضوا فيها. وتصدى جهاز الأمن من خلال هذه الوحدة لملفات فساد رغم أنه ليس الجهة القانونية لتحقيق العدالة فهناك نظام قضائي يوكل اليه هذه الملفات والقضايا لان لدية القدرة على الالمام بها وكيفية معالجتها من ناحية التحري والضبط. وقضية المدعو فضل محمد خير الذى القى جهاز الأمن والمخابرات الوطني القبض عليه ومباشرة ودون توجيه تهمة أو فتح بلاغ سمعنا أن حدثت تسوية مالية مع فضل محمد خير بلغ جزء منها 50 مليون دولار، وهذا الرجل هو عضو مجلس ادارة بنك الخرطوم وهذه العضوية مكنته من اجراء معاملات صورية؛ والسؤال هنا هل قام بإنجاز هذه المعاملات وحدة دون علم المدير التنفيذي ومجلس الادارة والادارات التنفيذية الاخرى وادارة المراجعة الداخلية؛ طبعا يستحيل ذلك، اذاً اجراءات اعتقال فضل محمد خير كانت مشوبة بالضعف ولم تكتمل اركان الجريمة لدى وحدة التحقيق الخاصة بجرائم الفساد والدليل على ذلك ذهاب مدير بنك الخرطوم حراً طليقاً عبر مطار الخرطوم الى غير رجعة، وبعد اعتقال فضل محمد خير واجراء التسوية معه، ثم صحى بنك السودان المركزي ليقيل مدير بنك الخرطوم؛ ونسأل هل دون اسباب؟ أم هناك أمر من جهاز الأمن والمخابرات الوطني بإقالة الرجل، الذى ربما تكشفت له حقائق ربما تدين الرجل، أيضاً لماذا لم يتم اعتقال المدير بصورة سريعة أو حتى منعه من السفر حتى اكتمال التحقيقات والتحريات؛ ولا شك أيضا ان المسئولية تقع على مجلس الادارة الذى يعين المديرين والادارة العليا وعزلهم، ومعروف ان قواعد وضوابط الحوكمة تهدف الى الفصل بين مهام مجالس الادارات والادارة التنفيذية من خلال تحديد نطاق عمل كل جهة على حدة؛ وتقع مسئولية اكتشاف الاخطاء وسوء الادارة على ادارة المراجعة الداخلية والرقابة، واعضاء هيئة الرقابة الشرعية، وادارة المخاطر؛ فأين كانت كل هذه الادارات وكيف تم تمرير معاملات صورية بهذا الحجم، وهذا يضع عدة تساؤلات وشبهات حول اجراءات هذه الادارات وقدرتها على الضبط الداخلي والجهة التي تخضع لها تنظيمياً وفعلياً؛ ايضاً بنك السودان الذى يتولى الإشراف والرقابة على جميع المصارف والمؤسسات المالية، كذلك أين الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المصارف والمؤسسات المالية والتي من مهامها متابعة نشاط المصارف والمؤسسات المالية بغرض اخضاعها لأحكام وقيم الشريعة الاسلامية؛ وحتى نلم بمسئولية بنك السودان المركزي الذى اقال المدير، نستعرض ما جاء في قانون تنظيم العمل المصرفي لعام 2004م وفي الفصل الرابع فيما يخص القيود على التمويل؛ لا يجوز لأي مصرف أن يمنح بدون اذن أو موافقة المحافظ أي تمويل لأي من مديريه، أوشركة او شراكة يكون أياً من مديريها مديراً أو وكيلاً أو مستخدماً فيها أو ضامناً لها تكون له فيها مصلحة وافرة، أي فرد يكون أي من مديري المصرف شريكاً أو ضامناً له او لديه معه مصلحة وافرة، أي شركة يمتلكها المصرف او يكون له فيها مصلحة وافرة؛ وفي هذه المادة تشمل كلمة (مدير) رئيس أو عضو مجلس إدارة أي مصرف ومديره العام ونائبه ومساعديه ومستشاره القانوني ومراجعه القانوني وأعضاء هيئة الرقابة الشرعية وأمينها العام ومديري الأفرع ومن في حكمهم. فهل كان بنك السودان يعلم ؟ وإن كان لا يعلم اين دوره الرقابي، وعندما علم لماذا لم يطبق المادة الخاصة بإلغاء الرخصة والعقوبات الواردة في الفصل الثامن من القانون والتي جاء فيها كل من يخالف أحكام هذا القانون أو اللوائح أو القرارات أو القواعد الصادرة بموجبه يعاقب بالسجن لمدة لا تتجاوز عشرة سنوات أو الغرامة التي تحددها المحكمة أو بالعقوبتين معاً.
الآن هل يستطيع الجهاز القضائي والجهات الامنية المطالبة بتسليم المدير السابق لبنك الخرطوم للتحقيق، ام اكتفت خزينة الدولة بمبلغ التسوية، أم هناك تقاطع مصالح وملف فساد أكبر من الذى نراه تحت السطح، وهل الجهات الامنية هدفها فقط التسويات، كما حدث في السعودية ؟.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.