اي المشارق لم نغازل شمسها

ونميط عن زيف الغموض خمارها؟
أي المشانق لم نزلزل بالثبات وقارها؟
أي الأناشيد السماويات
لم نشدد لأعراس الجديد
بشاشةً أوتارها ؟

الشاعر علي عبد الْقيوم

لا شك ان التاريخ يعيد نفسه في المشهد السياسي السوداني هذه الأيام ، حيث خرجت الجماهير السودانية الحاشدة في ثورة هادرة للإطاحة بالدكتاتور عمر البشير واقتلاع واجتثاث نظام حكمه من جزوره ورميه الي مزبلة التاريخ، وتجدر الإشارة الي ان المارد قد هب من غفوته بعد ثلاثين عاماً من البطش والتنكيل والحروب الجائرة التي تسببت نقصاً في الأنفس والثمرات. ومهما يكن من امر فان الشعب السوداني يستلهم في ثوراته الوطنية من ارث نضاله وكفاحه الطويل من اجل الحرية والكرامة، صفوة القول ان شعراء الشعب قد رسموا روائع الادب الثوري ، كما انشد الفنانون أغاني عن الملاحم البطولية الخالدة التي وقف فيها ابناء وبنات هذا الشعب المناضل بشجاعة وجسارة معهودة في وجه الطغاة. ففي اكتوبر ١٩٦٤ انتفضت الجماهير السودانية وقاومت جبروت الطاغية ابراهيم عبود واطاحت بنظام حكمه الجائر، الذي شن حروباً شعواء ضد الجنوبيين تنفيذاً لسياساته الخرقاء والتي تمثلت في الأسلمة والاستعراب القسرين، وعلي نحو متصل قامت حكومته بإصدار قانون عام ١٩٦٢ الذي قضي بإغلاق الكنائس والمدارس التبشيرية ،وان تحل اللغة العربية مكان اللغة الإنجليزية واللغات المحلية في جنوب السودان فضلاً عن إرغام الجنوبيين لتغيير اسمائهم المسيحية والمحلية باسماء عربية ، واعتبرت الجمعة عطلةً رسميةً بدلاً من الأحد، بالإضافة الي رفض مطلب الفدرالية الذي تقدم به الجنوبيون حيث تم إفراغه من المضمون الحقيقي حينما فسر علي انه مؤشر للانفصال وتمزيق وحدة السودان ،وبطبيعة الحال مارست الحكومة العنف والقمع الوحشي ضد الجنوبيين ، ولعل هذا النهج الأهوج قد أكده اللواء حسن بشير نصر، رجل نظام عبود الذي توعد قادة حركة أنانيا بالحريق والدمار قائلاً : ( إذا كان لابد مما ليس فيه بد فستضرم الحرائق في النبات والشجر والإنسان في الجنوب ولن يبقي في تلك الأرجاء ديار، ولن تقوم بعدها لعقارب الأنانيا السامة قائمة ). السفر القيم ( انفصال جنوب السودان دور ومسؤلية القوي السياسية الشمالية ) لدكتور سلمان محمد احمد سلمان، وفيما يبدو جلياً في هذا المضمار فان جبهة الهيئات قد لعبت دوراً محورياً وقتها في قيادة الانتفاضة وزلزلة عرش الطاغية عبود في ليلة المتاريس التي شيدها الشعب نضالاً وصمودا. وعطفاً علي ما تقدم ذكره يمكن القول ان الشعب السوداني قد ظل ينتفض مرة تلو اخري من اجل ارساء قيم الحرية ومبادئ حقوق الإنسان ، اذ قاد التجمع النقابي لإنقاذ الوطن حراكاً جماهيرياً في ثورة ابريل ١٩٨٥ بهدف الأغلال والأطواق والإطاحة بالدكتاتور الغاشم جعفر نميري وزمرته، هذا فقد كانت الأسباب الرئيسية لتلك الانتفاضة الشعبية تتمثل في الغلاء الطاحن والفقر الذي أناخ بلكلكلة علي كاهل المواطنين السودانيين نتيجة سوء الاوضاع الاقتصادية وانعدام السلع الضرورية فأصحبت صفوف الخبز والوقود للسيارات طويلة حيث لا يمكن الحصول عليه الا في السوق الأسود ،أضف الي الحرب الاهلية التي اندلعت عام ١٩٨٣عندما خرق الرئيس نميري اتفاقية ابابا واصدر قراراً جمهورياً رقم واحد الذي بمقتضاه قسم الإقليم الجنوبي الي ثلاثة أقاليم ،الاستوائية، أعالي النيل وبحر الغزال تحت دعاوي تحجيم هيمنة المركز القائم في جوبا، ومنعاً لاستئثار فئة او قبيلة معينة بثمار الحكم الذاتي الإقليمي ،كما تم خرق المادة الثالثة البند الثالث من الدستور الدائم للسودان لعام ١٩٧٣. وبطبيعة الحال أعلنت الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان ثورتها المسلحة وتصاعدت عملياتها العسكرية بشكل واسع في السودان حيث ضربت الحفارة التي كانت تعمل في قناة جونقلي والتي بلغت كلفتها ٢٠٠ مليون دولار، مما ادي الي توقف الشركة الفرنسية ( سي. سي. اي ) عن العمل ومن ثم قامت بمقاضاة حكومة السودان مطالبةً بالتعويض عن الحفارة والمعدات التي دمرت ، كما قوانين سبتمبر سيئة الصيت التي طبقت بوحشية ضد مواطنيين الأبرياء في السودان سيما المحاكمة الجائرة لشهيد الفكر الحر الاستاذ محمود محمد طه، قد سهمت بشكل كبير في رحيل الطاغية جعفر نميري.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.