لقد صدق الشباب.. فإن جيل آبائهم وإخوتهم الأكبر- ونحن ومن سبقونا.. هو الذي أورث بلادنا هذا الخبال؛ وكان عدم التصدي لـ (العَوَج) بل الصمت على الهوائل هو الذي أوصل الوطن إلى هذا الدرك، فقد ألجموا أفواههم وجلسوا في بيوتهم وهم يرون الوطن منذ العام الأول بل الأيام الأولى للإنقاذ يتدحرج يوماً بعد يوم.. ولم يفلح المستطيعون إلا في حمل حقائبهم ليغادروا البلاد ويتركوها لمصيرها.. في حين ترتبت على عدم المبالاة تلك، أثمان باهظة من نظام انقلابي ما كان يستحق أن يستمر (ثلاثة أيام) لا ثلاثون عاماً من عمر الوطن وأهله..!!

لقد كان الصمت وما يشبه الصمت هو الرد على تفكيك مؤسسات البلاد وتدمير مرافقها الكبرى وطرد الناس من وظائفهم بمئات الآلاف، علاوة على التمكين الذي أفسد الدنيا وما فيها.. وعلى مطاردة الأبناء الأيفاع في الشوارع وانتزاعهم من الحافلات للدفع بهم إلى محرقة قتال ليس لهم فيه ناقة ولا جمل، وعند تشريد الناس من ديارهم وتجفيف مناطق بكاملها واستبدالهم بآخرين مُستجلبين، وعندما أحرقت القرى وجرى تحويل الملايين إلى النزوح وظلام المعسكرات، وعندما طاردت الأتاوات الناس في منازلهم ومتاجرهم، وعندما اقتلعت أراضيهم وميادينهم وأملاكهم، وعندما (استأسد البغاث) واستشرى الفساد وجرت سرقة المال العام أمام أعينهم.. بل كان الصمت هو واقع الحال عندما جرى دق المسامير في رؤوس المعارضين العزّل داخل بيوت الأشباح وعند شنق الناس بسبب حيازة أموالهم الحلال.. ومع ذلك امتدت حبال الصمت ووجد فيه الجماعة نهجاً بنوا عليه كل الاختراقات اللاحقة واستندوا عليه للانتقال من مرحلة إلى أخرى (أسوأ وأعنف) فكلما صمت الناس على انتهاك ارتفع سقف الانتهاكات، وهم على قناعة أن من يصمت عن حريق منزله لن يهب إلى إطفاء حريق جيرانه..وهكذا إلى أن انتهينا إلى الهيمنة الكاملة والقهر الشامل، ووجد الجماعة راحتهم بالكامل في أن يصنعوا بالوطن ما يريدون في عنجهية أصبحوا يفسرون بها هذا الصمت علناً بأنه (تأييد شعبي)!
طبعاً لا يمكن إنكار القسوة المنهجية وإرهاب الأيام الأولى الذي كان القصد منه شل حركة الناس عن طريق (إدارة التوحّش) كما لا يمكن إنكار بسالة العديد من أبناء ذلك الجيل إلى حد التضحية بأرواحهم ومنهم شهداء رمضان وكجبار وسبتمبر وآخرون أنابوا ببسالتهم عن الأغلبية الصامتة.. ولكن في القياس العام تظل المسؤولية على رقاب جيل الآباء وجيل الأخوة الكبار عن ذلك الصمت والهروب وقلة الحيلة والغفلة السياسية وضمور التفكير والانكفاء على الذات.. حيث يصعب الاعتذار عندما يكون الثمن ترك الوطن في (براثن الإنقاذ) ...ونخشى أن يكون ذلك الجيل القديم ما يزال ينظر (من الشباك) ولا يندفع للشوارع حتى بعد أن مهرها الشباب بدمائه..أو لا يبذل المُستطاع إن كان خارج البلاد مناصرة للشباب الذي خرج يبحث عن وطنه الضائع...!
لقد قيّض الله جلّ وعلا للوطن هذا الجيل الجديد؛ هذا الشباب الباسل من الأولاد والبنات.. فلنحني له الهامات، ولنبتعد عن الوصاية عليه، ولنتركه ليكتب مصائره ومصائر وطنه بيديه وخطّه، فهو صاحب التضحية وله أن يصنع غده بيده... هذا هو الذي يحق أن يُقال له (جيل العطاء) الذي يحمل عبء صياغة الدنيا وتركيب الحياة القادمة /المشرئب لينتقي صدر السماء لشعبنا/ هدم المحالات القديمة وانتضى سيف الوثوق مطاعنا/ ومشى لباحات الخلود عيونه مفتوحة/ وصدوره مكشوفة/ بجراحها متزينة /جيل العطاء لك البطولات الكبيرة والجراح الصادحة... ولك الحضور هنا بقلب العصر.. فوق طلوله المتناوحة!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.