*تقديم*: سلطة اللاعنف و التي يرمي اليها هذا المقال تتصل بسلطة الجماهير التي تمارس فعل القطيعة مع السلطات الحاكمة و المسيطرة علي مقاديرها، و بالتالي تختار المواجهة السلمية ضد هذه الأنظمة الحاكمة من اجل الوصول لأهدافها. سلطة اللاعنف تعتمد علي مرجعية اخلاقية و تنأي بنفسها عن ممارسات سلطة العنف و تتخير طريق المواجهة المستندة علي قاعدة الحقوق المشروعة و مدعومة بشرعية المقاومة السلمية من اجل استرداد الحقوق و الحريات المسلوبة. تتطلب سلطة اللاعنف نوعا من الصبر و المعاناة و تحمل ردة فعل سلطة العنف و التي يمكن ان تستخدم كافة الأدوات لقمع سلطة اللاعنف، او تسعي لتوريطها في ممارسات العنف بصورة أو أخري, و هنا تحتاج سلطة اللاعنف الي قيادة واعية تدرك استراتيجية سلطة العنف و تعمل لأفشالها و التركيز علي المواجهة السلمية و التي تراهن علي الضمير حتي عند الجلاد نفسه و كذلك علي الضمير العالمي حتي الوصول لأسقاط سلطة العنف. في السودان اليوم و منذ ديسمبر الماضي تتجلي سلطة اللاعنف وضمن مواجهة راكزة و مستمرة تتأسس علي منهجية اخلاقية سلمية و تشتغل علي هدم المشروع الديني-سياسي وفق حركة جماهيرية تنتظم القطر كله، مما يشير الي ان هذا الحراك المستمر لم يكن من اجل مطالب و قتية بل هي ضد المشروع (الحضاري) و الذي بشر به تيار الأسلام السياسي في السودان، والذي قد سقط عمليا وفق منطق الجماهير الثائرة ضده و وفق الفشل البنيوي في طبيعة الدولة، اذن كيف سقط ذلك المشروع؟

*سقوط المشروع الحضاري*

الأطروحة الأهم لتيار الأسلام السياسي في السودان ارتبطت بتطوير فكرة تتصل بالمشروع الحضاري و الذي قصد به تعطيل كافة المشاريع الحداثية من اجل أقامة مشروع تكون ارضيته ذات صيغة دينية تتأسس علي مفهوم التمكين بمفهومه الديني، و بالتالي استرجاع التجربة الحضارية الأسلامية بتجلياتها الماضوية و التأسيس لها في الحاضر. الأشكالية الخطيرة في هذا الطرح, اي المشروع الحضاري انه لم يدرك و منذ البدء ابعاد المعادلة الحضارية نفسها و لهذا اسس لسقوطه منذ البدء. المعادلة الحضارية تقوم علي ثلاثة اضلاع يمثلها الأنسان من جهة و الأرض و الزمن من جهة أخري(راجع مشروع مالك بن نبي في هذه الرؤية) و الذي لا يستطيع فهم هذه الأبعاد فأنه لا يستطيع التحرك في اي مجال يتصل بالحضارة. فلقد هدم هذا المشروع و الذي نادي به تيار الاسلام السياسي في السودان من خلال عدم الوعي بالأضلاع السابقة(الانسان، الارض، الزمن) فتم و من خلال حكم الأسلام السياسي ضرب معادلة الأنسان نفسه و تجريده من انسانيته و تجريده من حقوقه المشروعة في الحياة مما ادي لأغتراب الأنسان السوداني عن و طنه و اعتزاله لمشروع سلطة العنف. اما فيما يتعلق بالأرض فأن تلك الأرض السودانية قد أصبحت ضمن حيازة تيار الأسلام السياسي و قام بمصادرتها لصالحه و حرمان الأنسان السوداني منها، او تقسيمها و تفتيتها وفق اجندة دينية تتناقض و الوعي الحضاري نفسه. اما فيما يتعلق بالزمن فان مشروع الأسلام السياسي السوداني كان خارج الزمن الحضاري و موغل في عدمية التفكير و الأنقطاع عن المرحلة الراهنة و التي تتأسس فيها الحضارة علي قاعدة التفكير العقلاني وليس علي يوتوبيا التفكير الديني . و من خلال فشل هذه المعادلة الحضارية فشل المشروع الحضاري و دخل أزمته المبكرة اذ تحول من مشروع حضاري الي مشروع للهيمنة علي الأخر و مصادرة حقه في الحياة. والأهم فأنه قد تحول الي مشروع للنهب و الفساد بشكل غير مسبوق في تاريخ السودان و كشف عن عيوبه الفشل الذي صاحبه والذي ادي الي فشل الدولة و سقوط اركانها و هذا مما ادي في النهاية لخروج الجماهير و استخدامها لسلطة اللاعنف من اجل وضع نهاية لهذا المشروع و الذي اصبح مجرد مشروع امني يمارس العنف ضد هذه الجماهير و التي قررت ان تتحمل اكبر قدر من التضحية و المعاناة حتي تضع هذا المشروع خارج دائرة الفعل و الوجود.
*سلطة اللاعنف و نتائج المواجهة*
لقد تبلورت سلطة اللاعنف في السودان و تحديدا بعد الاستقلال في الثورات السلمية التي شهدها السودان في اكتوبر١٩٦٤ و مارس-ابريل ١٩٨٥ و التي ادت للاطاحة بالانظمة الديكتاورية..الذي اختلف في طبيعة المواجهة بان ثورة أكتوبر و من بعدها مارس-ابريل كانتا ضد حكم عسكري ديكتاتوري ولكن المواجهة الراهنة في سياق الواقع السوداني هي مواجهة ضد مشروع ديني تسلطي يتبني عقيدة شعاراتية تحاول فرض رؤاها ضمن اجندة اختزالية للواقع و تستند الي سلطة العنف في تثبيت اركان الدولة..سلطة اللاعنف في الواقع السوداني هي سلطة متجددة و متجاوزة لمشروع سلطة العنف و كذلك يتجدد خطابها في مقابل الخطاب البائس لسلطة العنف..لقد انطلقت قوي سلطة اللاعنف وفق قياسات رفض المشروع الديني الذي جسده تيار الاسلام السياسي و كان اهم شعاراتها هو( سلمية، سلمية و ضد الحرامية)، هذا الشعار يشير الي حقيقة انتهاء المشروع الديني ليتجسد فقط في صيغة النهب المنظم للوطن و بالتالي يتحول اعضاء هذا المشروع الي مجرد حرامية في نظر الشارع و هذا هو المقتل الحيوي للمشروع الحضاري و بالتالي سقوطه..عمليا قد سقط مشروع التيار الديني- السياسي و ذلك من خلال الرفض الجماهيري الكاسح له و بالنالي انعدام قاعدته الشعبية تماما ، فحتي القري النائية تخرج ضد هذا المشروع مما يعني سقوطه عند الذهنية الشعبية و بحسها العفوي..اذن ماذا تبقي من هذا المشروع؟ الذي تبقي من هذا المشروع هي شبكة المصالح الطفيلية التي تكونت عبر العقود الثلاثة الماضية مدعومة بقوي الامن و المخابرات و تدافع هذه الطبقة عن مصالحها في مقابل مصلحة القوي الشعبية التي قررت و من خلال التحرك السلمي اقتلاع هذه الطبقة الطفيلية..في الواقع فان المعركة هي معركة كبيرة لان طبقة المصالح هذه تنعدم لديها الأبعاد الاخلاقية و للدفاع عن مصالحها يمكن ان تمارس اقصي انواع العنف كما حدث منذ ديسمبر الماضي و حتي الوقت الراهن..لكن و ضمن رؤية شمولية فان المشروع الديني قد تهاوي برمته و تهاوت اركان الدولة في مجملها، ما تبقي الا السقوط الاخير لطبقة المصالح المتشابكة تلك و معها قواها الأمنية و كتائبها ، و هذا يتطلب من قوي و سلطة اللاعنف مزيدا من التماسك و القدرة علي التحمل و تصعيد ذلك الخطاب الذي يعري مشروع الاسلام السياسي حتي تؤول السلطة للجماهير و ما ذلك ببعيد..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.