لا أعتقد أنه من الإنصاف أو الحكمة توجيه النقد أو اللوم لمفاوضينا في قوى الحرية والتغيير للأسلوب الذي اتبعوه في "التفاوض" مع المجلس العسكري الإنتقالي. ويقيني، وأنا في "البر" بعيدا عن مجريات الأحداث في الخرطوم، أن قوى الحرية والتغيير قد شجعها سرعة سقوط البشير ومجلس عوض إبنعوف على افتراض حسن النيّة من جانب أعضاء المجلس العسكري، خاصة في ضوء بيانات المجلس واعترافه بقيادة قوى الحرية والتغيير للثورة الشعبية، وقُرب إنتصار هذه الثورة التي ساندها معظم مواطني السودان شبابا ونساء ورجالا، وافتراض اقنتاع الجميع (ماعدا بعض رموز وفلول النظام المباد التي ابتلعت ألسنتها واختفت من الساحة) بعدالة مطالب الثوار. غير أن استمرار التفاوض وتطاول أمده، وبروز علامات التلكؤ والنكزص من جانب المجلس العسكري شجع فلول النظام والمستفيدين منه من أمثال عبد الحي وغيره من السلفيين و"الدعاة"، وشجع قادة المؤتمر الشعبي الذي شارك في الجرائم في الفترة 1989 – 1999، وما بعدها، على الجرأة على البروز في الساحة والحديث دون حياء عن "نصرة الشريعة" وعن الإقصاء رغم سجل النظام البشيري المُخزي، أو على محاولة ركوب الموجة بعد نجاحها الجارف.

غير أن مذبحة نهاية رمضان وما صاحبها من "حرب قذرة" وانهاكات وحشية من جانب قوات ما يُسمى بالدعم السريع ومليشيات الحركة الإسلامية وجهاز الأمن والتي شملت إطلاق الرصاص الحي على المعتصمين في نومهم وحرق خيامهم بساكنيها، وإلقاء الجثامين (وبعضها ما زال ينبض بالحياة) داخل النيل، واستباحة شوارع الخرطوم، واغتصاب النساء، ونهب الأبرياء، وإعتقالات القيادات، والإغتيالات، والإختفاءات القسرية، شكلت علامة فارقة في مسار الإحداث لا يُمكن تجاهلها أو السكوت عليها، خاصة إذا وضعنا في الحُسبان البيانات الهزيلة المتضاربة من البرهان والإنكار الكذوب لحميدتي عن من قام بالمجزرة، والوعود التي هي من شاكلة "العوير دُقّوا واعتذر ليهو".

إن كان ثمة جانب إيجابي في مجزرة "وقفة" رمضان – الشهر الحرام – والحرب القذرة التي شنتها قوات ما يُسمى بالدعم السريع، فهو أن الأمور اتضحت بما لا يدع مجالا لأيّ شك أوحُسن النيّة (التي أصبحت الآن غفلة لا تُغتفر): يقف شعب السودان الأعزل إلا من إيمانه بقضيته ومطالبه العادلة، أمام عدو متوحش غادر، لا دين ولا قيم له، ولا حس أو برنامج وطني، يفتقد الإنضباط أو الشرف العسكري أوالمدني.، يؤمن بأن السلاح والقمع والوحشية هي السبيل الوحيد لتسوية قضايا الوطن والمواطن. ويدعم هذا العدو فلول النظام المُباد التي ظلت دائما وأبدا تُقدم مصالحها الذاتية والحزبية على مصالح الوطن وشعبه.

في ضوء هذا الإستقطاب الحاد والخطير، والخطر الذي يتهدد الأمة السودانية جمعاء، يقف البرهان، ومن تبقى من مجلسه العسكري، إما عاجزا (أو متواطئا) أمام إنتهاكات و"عيران" الدعم السريع وقادته، وتقف معظم قوات الأمن "الوطني" مع أعداء الشعب، بينما لا يتضح لنا موقف بقية قوات الشعب المسلحة وقوات الشرطة القومية (من ضباط وجنود) إزاء إستباحة ووحشية قوات الدعم السريع ومن معهم ضد مواطنيهم العُزل الذين أقسموا على حمايتهم.

في هذه اللحظات الحاسمة والمصيرية من تاريخ الشعب السوداني، وفي أول يوم للعصيان المدني، ليس أمام شعب السودان المُسالم إلا عزيمته وبسالة شبابه ونسائه، وحكمة وصلابة وإصرار ووضوح رؤية قيادته ومُمثليه. ولا مجال للمجاملة وافتراض حُسن النية في من غدر واستهان بثورة شعب السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.