عن الإنسان النبيل "عبد الفتاح محمد صيام أيوب " أكتب بضع كلمات من كثير مما يجيش بصدري وعقلي وكل حواسي التي غمرها طوفان من المشاعر الهادرة إلا أن قلمي لم يساعدنى بل تمرد علىّ هذه المرة وكأنه بين اصبعي الملك النمرود بن كنعان ولم يطاوعني في أوقات كنت فيها ضعيفاً تحت إمرته حين حرن كالدابة المذعورة في قارعة الطريق أو كحمار الشيخ الذي وقف في العقبة. هكذا كانت حالتي حين قضى الحزن وطره مني وجالت بخاطري سنوات قضيناها معاً مرها أحلى من حلوها وحلوها لا يدانيه مذاق الشهد البري.

ربما عرفه الكثيرون منكم اسماً بحكم مهنته في مجال التأمين المرتبط بحياة الكثيرين من أهل الحضر. أما أهل قريته حتى البسطاء منهم عرفوا التأمين ثقافة قبل أن يمارسوه في حياتهم وكثير منهم لم يمارسوه. وللذين عرفوه اسماً والذين لا يعرفونه أقول هو إنسان بسيط لكنه جدير بالمعرفة ولو جزء من مسيرة حياته البسيطة لكنها مضيئة لتظل نبراساً لأجيال قادمة خاصة في السودان الجديد الذي في أمسّ الحاجة الآن لمثله مواطناً غيوراً وعاملاً متفانياً لإعادة أمجاده.
أما شخصي الضعيف فقد عرفت عبد الفتاح وعمري لم يتجاوز العاشرة حين كنت أقتحم مكتب والدي، طيب الله ثراه، وألعب بأدوات مكتبه كل يوم.. فكنت أحياناً أرى عبد الفتاح، وهو شاب في مقتبل العمر، جالساً مع والدي في مكتبه في شركة جلاتلي هانكي (شركة الجزيرة للتجارة والخدمات بعد التأميم) فرع وادى حلفا، كما كنت أراه بعد العمل جالساً مع والدىّ في صالة منزلنا في الطابق الأعلى لمبنى المكتب ذاته حتى العصارى موعد قيام لورى "محمد إبراهيم ظرافة"، من المحطة القريبة منا، عائداً من المدينة إلى قريته، فأدركت أن هناك ثمة علاقة قوية بين الوالد وهذا الشاب لكن لم أدرِ كنه هذه العلاقة في عمري ذاك.. لكن فيما بعد تأكدت لي علاقة القربى والأبوية بل أكثر من ذلك علاقة الود والمحبة وتشجيع العلم.
منذ ذلك العهد البعيد، ورغم فارق السن، صار هناك ارتباط روحي مع ذلك الشاب الذي كان يستعرض لي معلوماته الأكاديمية وأنا أستمع إليه أحياناً وبالي مشغول باللعب. مضت الأيام والسنين وسار كل منا إلى حاله لكنه لم يغب عن زيارة والدى.. إلى أن تجددت هذه العلاقة الروحية القديمة في الحياة العملية حينما عملت معه في نفس المجال وأيضاً فى الحياة الإجتماعية حيث كنت حريصاً حتى منذ مرحلة الدراسة، أن أحشر نفسى في شلتهم التي كانت تلتقي كل يوم وكل ليلة، د. حسن محمد حسن(حسون)، أبوبكر أبوالريش المحامي، فتحي عواض (جنجينة)، العمدة حسن داوود وإبراهيم بصيلي، رحم الله من توفوا وأطال الله عمر من بقوا على قيد الحياة.
الجذور هناك في أقصى شمال البلاد في وادى حلفا في حي "ميتاري" الواقع بين أحياء "شولين" وفِكّرتي" فى قرية "دبيرى" تليها قرى "سرى شرق" (كما ينطقها بالنوبية ويكتبها علماء الآثار النوبية بروفسور هيرمان بل وشارلى بونيه) و"فرص" على الحدود، وهي أحياء نوبية صغيرة. و"ميتارى" هذه فى قلب قرية "دبيرى" التي تقع على بعد 7 كيلومترات جنوب خط الحدود الفاصل مع الشقيقة مصر وهي منطقة النوبيين الممتدة من جنوب أسوان وعنيبة وبلانة وأبوسمبل في مصر إلى فرص ودبيرة وإشكيت ودغيم وصرص وجنوبها في السودان. وهذا الفاصل الوهمي في الحدود لم يمنع من الزيارات اليومية بين الأهل النوبيين في كلا البلدين كما أن التجارة في عسل القصب الأسود والبلح والخمور والسجاير كانت تعبر خط الحدود الوهمى عن طريق التهريب ليلاً عبر النيل بالمراكب الشراعية وأحياناً على ظهور الحمير أو السير على الأقدام في الصحراء خلف الجبال المحاذية للنيل في ليالٍ معلومة يغيب فيها القمر.
معظم الرجال والنساء كانوا يعملون في الزراعة البسيطة مثل زراعة الخضروات فى الجروف والقمح فى الأراضي الزراعية في مشروع دبيرة الزراعي الذي كان يروى من ترعة تمتد لأكثر من 20 كيلو متر شمالاً من قرية "إشكيت" حتى نهاية قرية "دبيرة" كما أن أشجار النخيل وثمارها كانت تشكل دخلاً سنوياً منتظماً للأسر. أما الغذاء فكان الحليب من الأبقار و الأغنام يشكل عنصراً غذائياً هاماً بالإضافة إلى الطيور مثل الدجاج الذى كان يربى فى كل البيوت وكذلك الخضروات بجميع أصنافها.
تميزت هذه المنطقة بكثرة المعلمين الذين حملوا لواء العلم في المنطقة وخارجها حيث بدأ التعليم مبكراً في هذه المنطقة فقد افتتحت أول مدرسة أولية في وادي حلفا عام 1895، وهناك فئة أخرى من الرجال كانوا يسافرون إلى مصر ويعملون هناك في مهن متوسطة تناسب مستوى تعليمهم. منهم من يصطحب أسرته ومنهم من يغيب عنها سنوات طويلة ثم يأتي في الإجازة السنوية محملاً بالحقائب من ملابس وحلويات ومأكولات ومشروبات وأوانى إلخ.. من بلاد مصر وهؤلاء يطلق عليهم محلياً "تِجار" بكسر التاء، ويعيش أهل القرية شهوراً من العز والبسط مع هؤلاء التِجار متنقلين من بيت إلى آخر حتى ينتهي موسم التِجار ويعودوا إلى أعمالهم في مصر.
وقد كان جدنا المرحوم محمد صيام من هؤلاء التِجار المعروفين بكرمه وأريحيته وبيته العامر في "ميتارى" إلا أن فترة اغترابه في مصر كانت قصيرة فرجع وعمل في إدارة فندق المصري في مدينة وادى حلفا قبل أن يتقاعد للمعاش في حى "ميتارى فى "دبيرة.". ومن الملاحظ أن هؤلاء التِجار رغم أنهم لم يتلقوا تعليماً منتظماً إلا أنهم كانوا حريصين أشد الحرص على تعليم أبنائهم حتى أعلى المراحل الدراسية.
في هذا الوسط وهذه البيئة القروية ترعرع الطفل عبد الفتاح مميزاً عن أقرانه في طبعه الهادئ ووسامته وفي مظهره الأنيق دائماً وبجلبابه الكستور الأزرق المقلم، المختوم بختم خياطة عمنا المرحوم عبد الله باشا، الذى كان يلبسه في فصل الشتاء القارس هناك. ورغم ذكائه ونضوجه المبكر إلا أنه لم يكن حريصاً على قيادة أقرانه بل كان يتبعهم ويجاملهم في شقاوة الصبا التي كانت تتمثل في صعود الجبال واقتحام الحدائق ليلا لقطف الثمار والسهر مع الأقران و تخميس السيجارة سراً و سرقة الحمير ليلاً ليصلوا بها إلى الحدود المصرية لشراء سجاير كليوباترا المصرية وبعضهم كنوع من المغامرة وشقاوة الصبيان.
كان قائد فرقة الصبيان هذه في "ميتاري" من آل "ظرافة" المعروفة هو المرحوم "سيد أحمد ظرافة" للخلفية العائلية ذات الهيبة والصيت ولما كان يتمتع به من لباقة الحديث والخيال الواسع المقنع وقوة البنيه وضخامة الجسد وكذلك عضد إخوانه (محمد وعبد المجيد وعبد المنعم ونينى وفاروق، طيب الله ثراهم) والأهم "مخزن السلاح" الذي كان في منزلهم. أما بقية أقرانه فى الفرقة فهم أحمد الأزهرى، شريف دولى، صلاح عليش، محمد صالح خليل، إسماعيل نصوح، صلاح حسن آمنة، شريف محمد عثمان، حسن بقوجة، حسن خليلون، زكى حسن، مصطفى صالحين، إبراهيم دولى، محمد عبد المجيد أبوطورية، وشمس الدين عبده خيرى، رحم الله من توفى منهم ويطيل عمر الأحياء منهم.
كمثل أطفال جيله في كل مكان في السودان كانت ألعابهم من فكر و صنع محلى مثل "الهنداكيه" أو "الشدّة" بالعربية وهى لعبة عنيفة فيها إجهاد بدني حيث يجري الطفل ويصارع فريقاً آخر من الأطفال وهو يقف ويجري على رجل واحدة حتى يصل سالماً إلى الهدف المقصود. وهناك لعبة "التاب" وهى لعبة محليه مصنوعة من جريد النخيل وكذلك لعبة "الشليل وينو" المعروفة وهي البحث عن عظمة فك الخروف عندما ترمى تجاه السماء في ليالٍ غير زى قمر والفائز من يجدها أولاً. ثم لعبة "النافى نافيه" وهى "الدس دس" أى ما يعرف بالإنجليزية "هايد آند سيك" التي يلعبها الأطفال حتى يومنا هذا والتي بقيت كما هي تحتل جانباً مع الألعاب الإلكترونية الحديثة.
ومن أكثر الأشياء متعة هي الذهاب يومياً إلى النيل مع الأقران واللعب بطين الجروف والقفز من القيف إلى النيل والعوم وممارسة لعبة الغطس وركوب مراكب صيد السمك الصغيرة ذات المجدافين و مراكب التهريب الشراعية كمركب جدنا "خليلون" المعبأ دائماً "ببلاليص" العسل الأسود من مصر ، وأيضاً ركوب ما يعرف بلغتنا "القيىً"، وهى جزوع نخل مربوطة مع بعضها تطفو على مياه النيل كالعوامات، يصلون بها إلى الشاطىء الآخر ليدخلوا خلسة في الحدائق والمزارع وقطف ثمارها ليلا بعيداً عن أعين أصحابها.
كانت منطقتهم تلك مشهورة بقباب الشيوخ فكان هناك قبة "شيخ عمر" و قبة "الشيخ أحمد الأزهرى" و خادمهما "شيخ حسن الولى". كما كانت هنالك مناسبة سنوية لمولد "الشيخ عبد الله حاج" فى "فرص شرق" يأتيه الزوار من "ميتارى" بالحمير و باللوارى من مناطق بعيدة ويستمر لأيام يتجمعون فى حلقات الذكر و الذبائح و الأكل، ومنهم من كانوا يعملون فى التجارة البسيطة مستغلين هذه المناسبة، ومنهم من كانوا يديرون ألعاب بجوائز بسيطة و يانصيب و "الكرتلة" ، ومنهم من كانوا يلعبون "الملوص"، فكان عبد الفتاح و رفاقه من الصبية يستقبلون هؤلاء الزوار و يستمتعون باللمة و بهذه الأيام الجميلة كل عام.
في ذاك الزمان والمكان كان التعليم خياراً من إثنين لا ثالث لهما، إما دخول المدرسة وإما فلاحة الأرض وكان ذلك يعتمد على عاملين: حظك أو ولى أمرك في ذلك اليوم المحدد الذي تبلغ فيه سن السابعة من العمر. فإذا بلغت السابعة وكنت في يوم القبول ذاك "جوكياً" على الساقية فقد تظل جوكياً وفلاحاً طول عمرك. أما إذا كنت في ذلك اليوم بعيداً عن الساقية - لأن يوم السقاية كان لأحد شركاء الساقية معكم أو لأى سبب آخر- وفي ذات الوقت كنت قريباً من المدرسة فقد إبتسم لك الحظ وسلكت طريق التعليم. ربما إبتسم الحظ لعبد الفتاح، حيث كان يومها قصياً عن الساقية أو لوعى والده أو كليهما معاً، خرج عبد الفتاح من ذلك النفق وإلتحق بمدرسة سوق الخميس الأولية في وسط قرية "دبيرة" والتي تبعد حوالى 5 كيلومترات من حى "ميتارى" يمشيها عبد الفتاح و رفاقه الطلبة على أقدامهم يومياً إلا القليل ممن تيسرت حالتهم كانوا يستغلون ظهور الحمير كوسيلة مواصلات.
نجح عبد الفتاح وانتقل إلى المرحلة المتوسطة في مدرسة وادى حلفا الأميرية وإرتاح من المشاوير الطويلة حيث سكن في الداخلية وصار لأول مرة من "أولاد الحكومة" وكان زملاؤه في هذه المرحلة هم سيد زيدان، صالح عكاشة، المرحوم فاروق كدودة، إبراهيم طه أيوب والمرحوم على طه أيوب.. تفوق عبد الفتاح وبعض من زملائه المذكورين ودخل المرحلة الثانوية في مدرسة خورطقت الثانوية المعروفة ومنها إمتحن الشهادة السودانية وأحرز الدرجة الأولى والتحق في كلية الاقتصاد- قسم الأنثروبولوجيا- بجامعة الخرطوم وتخرج منها متفوقاً في منتصف الستينيات.
بعيد تخرجه لاحت له فرصة العمل معيداً في كلية الاقتصاد ومشرفاً على مكتبتها العريقة التي عمل فيها لفترة قليلة لا تعدو العام. برز عبد الفتاح كطالب في الجامعة وكان طالباً مجتهداً في مقدمة دفعته في الكلية رغم نشاطه السياسي المكثف وصار عضوا في اتحاد طلاب الجامعة يمثل الطلبة الديمقراطيين والتقدميين وامتد نشاطه خارج الجامعة عندما قاد المظاهرات في الخرطوم ووادي حلفا عام1963- 1964 ضد حكومة عبود العسكرية إعتراضاً على السد العالى وتهجير أهله من وادى حلفا ولذلك أعتقل عبد الفتاح ومعه عدد من أبناء حلفا منهم المرحوم الفنان الكبير محمد وردى والأستاذ المرحوم محمد توفيق وسعادة السفير إبراهيم طه أيوب أطال الله عمره.
الشقيق الوحيد لعبد الفتاح والذي كان يصغره سمى "صيام" تيمناً بجده.. كان صيام هذا لا يقل ذكاءً عن شقيقه عبد الفتاح ولذلك نجح وتم قبوله في نفس مدرسة خورطقت الثانوية التي يدرس بها عبد الفتاح. وفي إجازة من الإجازات الصيفية، وهو بين أهله، أصيب صيام بمرض الزائدة الدودية وسرعان ما أجريت له العملية الجراحية إلا أن إنفجارها أدى إلى وفاته فذهب مبكياً على شبابه. كانت الوفاة حدثاً مدوياً في المنطقة، فموت الشباب كان نادراً في ذلك الزمان، فاهتزت "ميتارى" ودبيرة كلها لهذا الفقد الجلل.. وعزا بعض الناس هذه المصيبة إلى عين حسود لامة ما بركت، وما ذكرت الله، قد أصابت صيام في مقتل لذكائه وبالأخص لنجاحه ولحاقه بشقيقه عبدالفتاح في مدرسة خورطقت. بالطبع هذا الحادث كان له أثره في الأسرة كلها وبصفة خاصة في عبد الفتاح لوعيه آنذاك وفقده لشقيقه الوحيد الذي كان سيكون عضداً له في مستقبل السنين وكما قيل "لكل شىء بديل إلا الأخ".
لم يدم عمل عبد الفتاح في الجامعة طويلاً، فربما لم يرغب المضى قدماً فى الإتجاه الأكاديمى أو أراد أن يختصر الزمن، فإلتحق بشركة التأمينات العامة في منتصف الستينيات وهى شركة تأمين مساهمة خاصة يملك معظم أسهمها رجل الأعمال المعروف المرحوم "محجوب محمد احمد" الذي صار عبد الفتاح صهراً له فيما بعد. فكان من أوائل دفعات الخريجين الذين عملوا في مهنة التأمين وإعادة التأمين.. ولذلك سرعان ما تعلم وأجاد عمل التأمين عن طريق الممارسة والتدريب الخارجي في بريطانيا وسويسرا ولذكائه صار جاهزاً وحل محل الخواجة "مستر فيفيان" كمدير فني ثم عمل تحت إدارة المرحوم الأستاذ محمد توفيق ثم تدرج في الإدارة من المدير الفني إلى نائب المدير العام إلى أن وصل قمة الهرم مديراً عاماً لكبرى شركات التأمين في السودان وكانت الشركة الوحيدة فى السودان التى أنشأت فروعاً لها خارج السودان في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة. كان عبد الفتاح من الخريجين الرواد الذين مارسوا عمل التأمين في السودان وكان عددهم محدوداً، يعد على أصابع اليد الواحدة، في ذلك الوقت وهم المرحوم الأستاذ أحمد محمد الأمين عثمان والمرحوم الأستاذ حامد أحمد على والأستاذ أمين ميرغنى. وكان الأستاذ د. صديق التجاني يعمل في مكتب مراقب التأمين بوزارة المالية آنذاك.
هؤلاء النفر القليل عرفوا محلياً وعالمياً في أسواق التأمين في لويدز ولندن وزيورخ وميونخ وكان لعبد الفتاح وزملاؤه الفضل الأكبر في خلق كوادر التأمين من السودانيين المنتشرين الآن في السودان وخارج السودان في منطقة الخليج وحتى في أمريكا، وكان عبد الفتاح دائماً يحرص على وضع الخطط لتدريب الخريجين داخلياً وخارجياً وبفضله إستطاعت الشركة أن تستقطب عدداً من الخريجين وأن تعد عدداً مقدراً منهم في وظائف قيادية لإدارة الفروع الخارجية. ولذلك كانت شركة التأمينات العامة أشبه بأكاديمية قائمة بذاتها.
وفي هذه المناسبة لا بد أن أشير أن عبد الفتاح هو الذى رسم منهج التأمين وقام بتدريسنا له في المعهد الذي كان قد أنشأه اتحاد شركات التأمين في السودان بمبنى شركة النيل الأزرق للتأمين آنذاك. وكان المرحوم إمرؤ القيس المشرف، من شركة النيل الأزرق للتأمين، يشرف على هذا البرنامج الأكاديمى المتطور.
وأذكر هنا أن عبد الفتاح وزميله حامد أحمد على كانا من الشخصيات الهامة في أسواق التأمين العالمية التي تكتتب المخاطر الكبرى مثل (تأمينات المحالج والأقطان ومشتريات الحكومة والخطوط البحرية والجوية السودانية إلخ..). ولذلك نجحا، بعلمهما و خبرتهما وعلاقاتهما، في إستقطاب أفضل الطاقات الإستيعابية العالمية ذات الملاءة المالية القوية لإكتتاب معظم المخاطر الكبرى فى السودان لحماية الأصول وممتلكات الوطن من مخاطر الضرر والخسارة ومن ثم حماية الإقتصاد السودانى طيلة تلك العهود الماضية.. وللأسف الشديد، من سخرية القدر، فإن هذه الشركة العملاقة التي وفرت في السودان التأمين ضد شتى أنواع المخاطر، تعرضت لأسوأ المخاطر السياسية والمؤامرات كما سيتضح لاحقاً.
كان لعبد الفتاح والمرحوم حامد أحمد على إشراقات في إرساء قواعد وأسس التأمين وتطبيق قوانين مراقب التأمين وتعديلها لمسايرة التطور في هذا المجال المتجدد. وبما أنني عملت في شركة إعادة التأمين الوطنية منذ تأسيسها عام 1973، وهى شركة مساهمة بين الدولة التى تملك نسبة 51% من الأسهم والباقى لشركات التأمين والقطاع الخاص، فقد عاصرت هذه الشركة منذ فكرتها الذكية وحتى قيامها. ولذلك أشهد أن عبد الفتاح كان ضمن الكوكبة التي فكرت وسعت بل بذل شخصياً جهداً مضاعفاً لتنفيذ الفكرة حتى وقفت الشركة على قدميها ونجحت في الوصول إلى أهدافها بالإحتفاظ بجزء كبير من أعمال إعادة التأمين داخل الوطن وهذا له مدلولاته الإقتصادية. لكن ما يؤسف له، و ما يؤسف عليه كثير بعد جيل عبد الفتاح، أن حكومة الإنقاذ البائدة، قبل سنتين أو أكثر، باعت الأسهم التى تملكها الدولة(ممثلة فى وزارة المالية) فى هذه الشركة إلى القطاع الخاص أى شركات التأمين التى لديها المال، ليس من منظور سياسة دعم القطاع الخاص و إنما للفلس الذى عشعش فى خزينة المالية وللفساد الذى إستشرى فى كل مرفق، فكان نصيب شركة "التأمين الإسلامية"، التابعة لبنك فيصل الإسلامى، نصيب الأسد من الأسهم. ولذلك سيطرت هذه الشركة سيطرة تامة على إدارة شركة إعادة التأمين الوطنية. هذا التعديل فى هيكل الشركة، والذى أيضاً يخالف وثيقة التأسيس والنظام الأساسى للشركة، يجب أن يراجع للمصلحة العامة و لمصلحة صغار المساهمين الذين ظلموا طوال السنين الماضية.
أجمل القول فى هذا الجانب المهنى، الذى أسهبت فيه لأهميته، أن عبد الفتاح وزملاءه الخريجين، رغم قلة عددهم آنذاك ، كانوا قد تفانوا في عملهم لتطوير خدمة التأمين في السودان وتثقيف الناس بدور وأهمية التأمين فإنجذب إليهم كثير من المواطنين، ممن يحتاجون إلى الخدمة ذاتها، من تجار ورأ سماليين ومهنيين، وممن يريدون العمل ككوادر في مجال التأمين من طلاب وخريجين. كما أن عبد الفتاح لم يألُ جهداً لكل من طلب منه المساعدة في العمل بتوفير فرص التدريب والعمل في شركة التأمينات العامة. وبعد نجاح شركة التأمينات العامة توالى دخول شركات تأمين أخرى في هذا المجال الحيوي مستفيدين من التجربة الموجودة والكوادر المدربة وصاروا أكثر من 30 شركةً الآن.
شىء جميل ونادر كان يميز عبد الفتاح.. فهو شخصية تبلورت نتاج خليط بين القروي - الذي احتفظ بسمات قريته وأصدقائه أولاد البلد - وبين الحضري - الذي اكتسب المدنية وبلغ قمة التعليم والثقافة والحضارة وأصدقاء النخب من مجتمع العاصمة والخارج - وكان من نتاج ذلك التمازج تلكم الشخصية المتوازنة بين قيود مجتمع الريف وحرية مجتمع الحضر التى صنعت شخصاً مثالياً بكل ما تحمل وتجسد هذه الكلمة من معانٍ. ولذلك كان عبد الفتاح شخصية محورية جامعة لكل فئات المجتمع خاصة في قريته التي أحبها وأهله وأصدقائه الذين ما فتئ يزورهم ما بين حين وحين و في كل المناسبات ليتفاكر معهم ويناقشهم فى قضاياهم العامة وحتى فى أمورهم الشخصية. كان رجل سلام يناقش فى سكون وإذا صار النقاش جدالاً كان يجادل بهدوءه المعهود فإختلاف الرأى معه لا يفسد علاقة الود والإحترام المتبادله. وكما أعلم فقد كانت له أيادٍ بيضاء في المساعدات الإنسانية الفردية وإسهامات في المشاريع العامة وأعمال الخير التي تفيد المجتمع.
الذكاء والنضوج المبكر لم يقف عند حد عبد الفتاح بل ورّثه لبناته وأولاده.. فما شاء الله ابنته البكر دكتورة أماني تحصلت على درجة الدكتوراه من بريطانيا في علم الإحصاء السكاني وتعمل مستشارة إحصاء في منظمة الصحة العالمية في مقرها فى جنيف وابنه الأكبر محمد تخرج من كلية الهندسة بجامعة الخرطوم وإختار تجربة العمل الحر في السودان، رغم الاعتراض، ونجح في ذلك بفضل الله ثم بفضله وكرمه أيما نجاح. ابنته الدكتورة أمل حاصلة على درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية من بريطانيا وتعمل مهندسة إنشاء في إحدى شركات المقاولات العالمية الكبرى في الإمارات العربية المتحدة وابنته دكتورة أميرة طبيبة تخصصت في علم التخدير وتخفيف الألم من أمريكا وتعمل حالياً مديرة لقسم التخدير في مستشفى كليفلاند الأمريكي في الإمارات العربية المتحدة أما إبنه الأصغر أمير فقد تخرج من الجامعة حديثاً ويعمل في دبى.
وراء كل رجل عظيم امرأة.. لقد أصاب الإمبراطور الفرنسى نابليون بونابرت حينما قال هذا المثل أو المقولة.. فالسيدة "مديحة" محجوب محمد أحمد، عقيلة عبد الفتاح، الإنسانة الراقية المتعلمة الواعية الحصيفة المخلصة، هي الكوكب الذي أنار طريق الأسرة إلى برالأمان. فقد كانت شراكتها مع عبد الفتاح شراكة حياتية متينة قامت على أسس وقواعد ثابته من الرضى النفسي والاقتناع الروحي والعقلي والعاطفي فأتت أكلها حين تأسست أسرة سليمة اكتملت مطالبها في الحياة وذرية صالحة متعلمة أفادت المجتمعات بالإضافة إلى تمازج الطباع بينهما وإنصهارها لتخلق شخصيتين متجانستين تميزهما البساطة والتواضع الجم الذي أكسبهما حب الناس جميعاً.
ساءت كل الأحوال في السودان منذ بداية وطيلة عهد حكم الإنقاذ وخاصة الاقتصادية بسبب الفساد الذي استشرى عندما أنشئت شركات حكومية إحتكارية كثيرة تعمل لصالح حزب المؤتمر الوطنى والجهات الأمنية وبعض الأفراد النافذين في الدولة بما فيهم أشقاء الرئيس. أما بالنسبة للتأمين فقد إستمر إحتكار شركة شيكان للتأمين، المملوكة للجيش السودانى، أعمال التأمين الكبيرة والتي كانت من قبل تطرح في مناقصات عامة بين شركات التأمين. هذا الوضع الإحتكارى بالطبع أضعف شركات التأمين الأخرى بما فيها شركة التأمينات العامة والتي سيطر على إدارتها، تزامناً، نفر كانت لهم أهداف ذاتية غيرالتأمين تحققت على حساب ضعف و إختفاء كبرى شركات التأمين في السودان من سوق التأمين.
مع هذا الوضع المتردي لم تغب جريمة إعدام الشهيد مجدى محجوب محمد أحمد - التي ارتكبها حكم الإنقاذ بتهمه حيازته لعملة أجنبية بالباطل حين إقتحم "كجر السلطان" بيتاً من بيوت العز والرزق الحلال - عن الأذهان لحظة فزاد تأزم موقف الأسرة وهاجرت إلى بلاد أكثر أمناً إلى مصر وبلاد أخر وهاجرت أسرة عبد الفتاح إلى أمريكا. ومن سخريات القدر أن الرئيس المخلوع عمر البشير يحاكم هذه الأيام بتهمة حيازة ملايين من العملات الأجنبية التي لابد أن تكون محاكمته تحت طائلة نفس القانون الذي وضعه هو وطبقه على الشهيد مجدى زوراً وبهتاناً... الدم لا يروح هدراً و والدته الحاجة "هانم" رفعت شعارها المخزون منذ إغتالوا جنا حشاها و فلذة كبدها فى عام 1989 وأطلقتها بنفسها صيحة داوية فى وسط تظاهرات ثورة أبريل 2019 "الدم قصاد الدم وما بنقبل الدية" وياما نعيش ونشوف.
وإزاء أوضاع محاربة الشركات القائمة وسوء الأحوال الإقتصادية والسياسية والفساد وحجر الحريات العامة وإنهيار سلطات القضاء غادر عبد الفتاح السودان، الذي عشقه حتى النخاع إلى أمريكا، وإستقر هناك مع أسرته ردحاً من الزمن إلا أن الإقامة الطويلة في أمريكا لم توافق مزاجه وطبيعته الإجتماعية فغادرها إلى الإمارات العربية المتحدة ثم إلى قطر التي راقت له و جدد فيها نشاطه المعهود وعاد للعمل في مجال التأمين بروح عالية كما إستمتع بالعودة للعمل وبزيادة عدد أصدقائه وزملاءه. لقد طاب له المقام لأكثر من 5 سنوات حيث جمعتنا به دوحة الجميع فقضىنا فيها معاً سنوات من الألفة والمتعة ذكرتنا أزمان السودان.
عادت أسرته من أمريكا واستقرت مع الابنة أمل، التي وجدت فرصة عمل في دبى، ولذلك غادر عبد الفتاح الدوحة إلى دبى وإستقر مع زوجته وبناته أمل واميره وإبنه أمير وعاش بقية حياته في كنف أسرته في مدينة تجارية سريعة الإيقاع والصخب. ولذلك كان يقضى جل وقته بالمنزل متخذاً التلفاز أنيساً له بجانب أسرته إلا أن الأخبار العامة (من حروبات وإنفجارات عالمية وإغتيالات) والأخبار الخاصة (من أمراض ووفيات من الأهل والأصدقاء واحداً تلو الآخر) كانت تزعجه وتكدر صفوه في الغربة، ولذلك قلت من على وجهه إبتسامته المعهودة خاصة بوفاة آخر شقيقاته المرحومة "خديجة" بعيداً عنه في مدينة الرياض قبل أشهر. من بعد وفاتها كان لفترة قليلة يشكو من آلام مبرحة في المعدة لكنه كان قد طاب منها بعد العلاج.. ويومها فجأة تعب قليلاً، وقبل أن يمض وقت لإسعافه ، كان ألله قد رد أمانته حيث فاضت روحه إلى بارئها فى ذات يوم الخميس الموافق 22 أغسطس 2019 أى بعد أقل من 4 أشهر من وفاة شقيقته فلحق بها وكأن روحيهما مرتبطتين ببعضهما وقد شُيعه عدد كبير من السودانيين ودُفن جثمانه الطاهر في مقابر القوز بمدينة دبى.
أعلم أن هناك أصدقاء وزملاء كثر لحقوا بربهم وكانت أمنياتهم أن يروا عبد الفتاح وهم على قيد الحياة (منهم محمد على آدم، محمد عبده عزى، عبد العزيز أحمد سليمان، على جمال الدين، محمد عبد الله فضل و د. محمد مهدى أحمد على، طيب الله ثراهم). حتى أصدقاؤه الكثر، الذين ما زالوا على قيد الحياة ، كانوا فى شوق شديد لرؤيته لكن لم يرد ألله أن يتحقق ذلك فوقع عليهم خبر وفاته كالصاعقة مما سبب لهم صدمة كبيرة وحزن وأسى حتى الآن.
إنطوت صفحة ناصعة من صفحات الإنسان النبيل عبد الفتاح الرجل ذو الشعور الصادق، المعتد بنفسه دون رياء، الذكي مع التواضع، الحكيم دون تكبر، اللماح دون أذى، المرح دون إخلال وهكذا تفنى الأرواح والأجساد ولا يبقى منه غير الذكرى والسيرة العطرة هذه.. والعزاء الأكبر أنه ترك فينا ما هو أقوى وأسمى، فقد ترك فينا من يجسد شخص عبد الفتاح - أماني وأمل وأميرة ومحمد وأمير يحفظهم الله بعنايته - ليكون حاضراً بيننا بروحه وليكونوا خير خلف لخير سلف. أما عقيلته السيدة مديحة محجوب فلا تحتاج منا ولا من غيرنا إلى نصيحة فهى مؤمنة بقضاء الله وقدره، موقنة بما كتبه الله لها، مدركة لمسؤولياتها، قادرة على أداء واجباتها ولا تحتاج منا، إنشاء الله، غير الدعاء بحفظها وحفظ ذريتها.
سنوات طويلة عشتها معه كعم وكأخ وكصديق ولذلك ما لم أقله لكم عن عبد الفتاح كثيره ما زال في الذاكرة ورغم الحزن المخيم إلا أن الحديث عنه يفرح النفس ويثرى العقل خاصة إذا كتبت لكم عن أحاديثه وردوده العفوية، التي بحق صارت أقوالاً مأثورة، ولكن سوف أترك هذا الجانب إلى وقت مناسب مستقبلاً.
اللهم إن رحمتك وسعت كل شيء فأرحم عبدك عبد الفتاح محمد صيام رحمة تطمئن بها نفسه وتقر به عينه.. و "إنا لله وإنا إليه راجعون"..
شوقى محى الدين أبو الريش
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أكتوبر 2019