الإرهاب هو غريزة الاستغلال عبر التسلط بترهيب الغير بتلويح العقاب عبر تجريمه غُرْماً، وهي الأداة السياسية للترهيب مغايرةً للترغيب الذي يغازل الأطماع البشرية في التطفّل على مجهودات الغير بظلمهم، وتتجلى فرص إيهما في أول مدخلٍ لتحوّلٍ سياسي. 

والتبشير الديني بالطبيعة يواجه مقاومة الفرد بما تعود عليه حتى يرتقي إلى التدبَر للتسليم بعجز عقله عن سر وجوده، ومنه عبر فطرته إلى قبول الاهتداء إلى الإيمان بالوجود الإلهي، وينبعثُ منه تيّارٌ سياسيٌ يصيب به منظومة السلطة باهتزازٍ يحذّرها لتأمين وضعها والحاجة إلى مقاومة ذلك التيار الذي يزعزع هيمنتها، فتبدأ معه محاربتها له بالقوة أو بالحيلة لترويضه أو التحايل عليه إلى أي مدخلٍ لسلطة تمكّنها من توجيه قوته نحو مصالحها، فيُخلق بذلك المنبت المناسب لزجَ السياسة في الدين للاستقواء بها عبر تزييف مصدريةٍ للدين بها.
في كتاب المسيحية والإسلام بقلم جوزيف سويشن، قاعة زافير، ماليزيا، والذي قمت بترجمته من الإنجليزية، ذكر الكاتب تجربة المسيحية في توشيح الدين بالسياسة في دولة الإسلام الأولى أيام الخلفاء الراشدين وكيف أن الإسلام صمد بمباركة الله لجيوش المسلمين.
وكانت الكنيسة البيزنطية في صراع سياسي حول أصل المسيح، فمنهم الملكيون ويقولون إن المسيح إله إبن أله، وهناك من يقول إنه نصف إله ونصف بشر بأصل والديه، وبُنيت حروبهم التبشيرية على ذلك في الشام. ولكن قام أحد رجال بيزنطة واسمه نسطور، بتقديم مذهب ثالث لعيسى بأنه بشر وليس ابنا لله، فنفته الكنيسة البيزنطية إلى القسطنطينية حيث نشر مذهبه "الناسوتية" فتقبّله مسيحيو الشام والأقباط بحكم ثقافتهم في الإسلام في الشام وحتى بلاد ما بين النهرين وما وراءها، من دين ابنهم محمد بن عبد الله، مما أفشل تجييش بيزنطة أهل الشام وراء اليسوع الإله بترغيبهم في الناسوتية (مذهب نسطور في بشرية المسيح)، عبر هذه المقتطفات:
" في الصراع بين الإمبراطورية البيزنطية لشرق روما والإمبراطورية الفارسية الساسانية، المفصولتين بامتداد الأراضي العربية (أراضي الشام حالياً)، قام قسطنطين امبراطور بيزنطة بنشر المسيحية فيها وعسكرة المسيحية بابتداع الإله المسيح ليتبعوه في حروباتهم المدفوع ثمنها إعانات سنوية، ولكن نشأت خلافات في تأليه المسيح (نصبه إلهاً) تولدت عنها الناسوتية والمذهبية القبطية بين العرب، فأبعدتهم أكثر عن الكنيسة البيزنطية، وسببت العداء ضد، والتمرد على، المؤسسة الكنسية".
ويقول: "ورغم علم مسيحيي روما أن المسيحية انتشرت في العالم إلا أن الحقيقة هي أن في العالم العربي بعيداً عن تأثير المؤسسة الكنسية السَلَفي، كان يجري نقد شرس لمحامد ومآخذ المسيحية واليهودية، ثم عُلم من لدى المسلمين بأن محمداً جاء بدعوة من الله تعالى ليبيِّن للأعراب حكم الله المثبّت حول الديانتين، ونسخ الماضي بأن المسيحيين واليهود فرطوا في رسالتيهم فحُرِّفتا، وأن الجدليات اليسوعية المبنية على تأليه اليسوع لا أساس لها. كما وشدد على العرب بلغة عربية واضحة محذراً إياهم لهجر الوثنية، واسترد الكعبة لتوحيد الله، مستعيداً للعرب مباركة الله لهم بالتسليم له (إسلام). وبعد موت محمد، وطّد خلفاؤه سلطتهم في بلاد العرب بمنح حلفائهم الانتصارات الحربية بمباركة الله تعالى في جيوش المؤمنين"
ويبيّن الكاتب في كتابه كيف ساعد التسييس الديني لدى المسيحيين واليهود في تصعيد التسييس الديني في الإسلام، وكلا الطرفان كانت له مآخذه السياسية في تشويه دينه وتصعيد الصدام بينهما حتى نمت في رحميهما الفتنة والإرهاب، فيقول:
"هناك ما يتوفر من مؤشراتٍ بأن صداماً يُنتظَر بين المتزمتين من المسلمين والدول المسيحية (الغربية). وترتبط الحركة التبشيرية في أذهان المسلمين بالاستعمار، وتحملت المسيحية تبعات الأخطاء الغربية، كذلك فالغرب لديه صورة مشوهة عن الإسلام بتركيزه على أنماط شيوخ البترول السفهاء في السبعينات، وآيات الله المتشنجين في الثمانينات، واستمرت القوى التوسعية المسيحية بعد استقلال الدول الإسلامية بتشويه صورتها، مما خيّب أمل المسلمين وشوه في أذهانهم مجتمع الغرب المسيحي خالياً من الفضيلة، ونُعتت بالصليبية كل التوسعية الاستعمارية، حتى الرأسمالية"
هذه الخلفيات السياسية والموروثات من الحروب الدينية التي لم تنزل بها الكتب السماوية إلا للدفاع، كانت أغلبها إنتقامية بترسبات الكراهية، أو طماعيّة بنزعات الفوقية، وتمددت إلى أفعالٍ من الإرهاب في المجتمعات المدنية مع التقلبات السياسية خاصة في الأحكام الديكتاتورية.
أقرّ الكاتب بأن المسيحيين واليهود تحت الحكم الإسلامي ألف عام تمتعوا بالسلام والحقوق الكاملة عكس حال المسلمين وغيرهم من الكتابيين تحت حكم المسيحيين أو اليهود، ويقول الكاتب في ذلك " في الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر، عندما دنت الدولة المسيحية قريباً من الإسلام، في إسبانيا، صقلية – وبقدرٍ أقل – من الشرق اللاتيني، كان تقديرها لطبيعة الإرث الفكري المشترك قد بدأ ينمو". فقد قام الدارسون الغربيون بالتبَنّي تدريجياً كُتلةً من الدراسات والترجمات من اللغة العربية.
وقد قام رئيس دير "كلوني"، بيتر الموقّر، بترجمة أول مصحف للقرآن باللاتيني. ولكن المسيحيين في القرون الوسطى استخدموه لتعزيز كتابهم للدعوة التبشيرية للتعدي على الإسلام أمثال روجر بيكون من العقلانيين، في دراسة اللغة العربية والنظام الإسلامي، الذي دعا للوعظ بمساعدة الفلسفة لترتيب معادلات ضد الإسلام.
ولكن بعده ظهر أربعة من العقلانيين هم أوثريد البلدوني، وجون وايكليف، وجون السيقوفي، ونيكولا الكوزي، عدّلوا كثيراً في العلاقة بين الدينين والعزلة المضروبة بينهما، وذلك حسب كتاب ر. و. ساذان "لحظة الرؤيا" الذي خرق تلك العزلة
فقد قام أوثريد البلدوني في الستينات من القرن الرابع عشر، وهو راهب بندكتيني، بإفتاءٍ، أقتبسه هنا "أن الميت يمر بتجربة الرؤيا المباشرة لله تعالى ويحصل عندها على حكمه النهائي". وأثارت الفتوى المتعنتين حول تعميم تلك الرؤيا وتم سحبها.
ولكن، في اقتباس من المسيحية والإسلام عن متديِّن انجليزي اسمه جون وايكلف في كتاباته ما بين 1378 – 1384، " كانت ملامح الإسلام الأساسية بالنسبة له هي أيضاً الملامح الأساسية للكنيسة الغربية في أيامه. فقد كانت الملامح الأساسية للإسلام والكنيسة الغربية هي الكبرياء، الطموح، حب السلطة، شهوة التملُّك، نعرة العنف وتفضيل المَلَكة الدنيوية على الآخروية. تلك الملامح في الغرب هي العامل الأساسي في كلٍّ من الانقسام المسيحي داخلياً والانعزال الغربي من جيرانه".
"وايكليف قضى بأنه، مادام الإسلام لا يُعالج إلا بمعالجة أمراض المسيحية، فليست الحرب فقط غير مجدية، بل الوعظ والجدل الموجه للإسلام سيرزحان رهن الإصلاح الداخلي في الكنيسة. ثم كرّر وطوّر مذهب أوثريد البلدوني – أي الرؤيا – المُدان، والذي ينادي بأن الخلاص ليس شأن المسيحيين وحدهم: [كما هناك المغضوبُ عليهم ممن في داخل الكنيسة، هنالك أيضاً المرضي عنهم من خارج الكنيسة] "
وجون السيقوفي، كاردينال اسباني، في سنوات عمره الخمس الأخيرة، قام بتعيين مسلم سيقوفي لترجمة القرآن بدقة للتعرف على "الدين الصنو" بعيداً عن العقلية الكنسية " كان النص كامل الدقة أمراً ضرورياً لبرنامج جون للنقد النصّي نحو السؤال الجذري: هل القرآن هو كلام الله تعالى أم لا؟ وفي تناقضٍ مع برنامج روجر بيكون في النقاش الفلسفي، كان يبدِّل احتراف المنطق بتلك الدراسة الناقدة. جون كان يعتقد أن الحرب لن تحل المسألة بين المسيحية والإسلام بتاتاً".
ونقولا الكوزي (1406- 1464)، كاردينال ألماني، "في كتابه (في أمان العقيدة) الذي أكمل كتابته بعد عدة أشهر من سقوط القسطنطينية، عرض حواراً بين ممثلي أديان رائدة في العالم، والتي فيها سعى لاقتباس كل ما هو فاضل في أديان جميع البشر والتبحُّر في تفاصيل أعماق الحق فيها والإتحاد: [الدين واحدٌ وقد تكون طقوسه مختلفة]".
كان قد أصدر كتابه الأسبق "مصفاة القرآن" ضد الإسلام، ويقول الكاتب "ولكن كتابه أمان العقيدة يقتنع فيه بأن القرآن وثيقةً كُتبت عن نيّةٍ صادقة، وأنّ نقولا خفّض من الأمور المفرِّقة بين الإسلام والمسيحية بالضرورة إلى خلافٍ بين المسيحية الغربية والمسيحية النسطورية، إلا أن الأمر الغريب كان في تناول نقولا للقرآن مؤمناً بأنه يحتوي أصولاً من الحق، حتى أنه أحياناً عكس على الأقل موقفاً متردِّدا تجاه بعثة محمد النبوية، وأنه أيضاً قد أبدى ما يدل على ميوله الجادة نحو القبول المذهبي (ساذن، 92 – 4؛ بيشلر، 5 – 11) ".
كانت تلك النزعات الخلافية هي غذاء فصال الفوقية السياسية والطمع اللذان كانا مبعث الإرهاب السياسي بين الأديان، فالإسلام يعتدّ ببيّناته في كتاب القرآن الذي لا تحوير فيه أو خلاف بين المسلمين، قياساً، قياساً بالأديان الكتابية الأخرى التي تم تحويرها وتغييرها. ولكن الإسلام نفسه وقع في نفس الخطأ بمصدرياته الأخرى والتي شقّت الصف في الإسلام وحولت المسلمين شيعاً وأحزابا، وقذفت بهم في سموم التسييس الديني الذي كانت الأديان الكتابية الأخرى ترزح فيه.
فمثلاً، تذكر في الجزء الرابع من هذا البحث، كيف أن بيّنات الإسلام حددت موقف الإسلام من قتل النفس بدون ترخيص من عنده تعالى (إلا بالحق) وأن التراخيص التي منحها مالك ذلك الأمر جلّ وعلا، بتحريم القتل، منحها بآياتٍ بيّناتٍ، تجاوزها المسلمون تحويراً بالمنقول. فقد شرحت في الجزء الأول كيف أن البيّنة هي آيات الله التامات فقط، وأن بعضها أمهات الكتاب وبعضها متشابهات، أي تحمل أكثر من تأويل، لا يجوز منه إلا ما لا يتضارب أو يتعارض مع أيٍّ من أمهات الكتاب.

ومع ذلك، ترى نصوصاً محورة طغت على أحكام معظم الحكام باسم الإسلام، بأن الزاني والزانية يرجمان، وغاب عليهم بالتحوير أن ذلك باطل مهما حمل معه من بحوث فقهية، لأن الله لم يذكر ذلك في آياته البينات، والتي حرّم فيها القتل إلا بالحق، والذي أورد مداخله في آياتٍ بيّناتٍ أخر، بل وحدد عقاب الزاني والزانية بمائة جلدة لكلٍّ منهما، كما ورد في قوله تعالى " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين". وسعى أهل التحوير تعنّتاً أمر آخر لتحريف النسخ والنسأ بغير معناهما في لسان العرب الذي نزل به القرآن، إمعاناً في البُغي.
فيقولون لك "آية الرجم" وما يدور حولها من منقول الأحاديث، ولا يرقى ذلك لفرض إضافة أو تغيير في مصدرية الرسالة الإسلامية من الله الواحد الأحد، وشرحنا كيف أن النسخ لا يعني النقض أو التغيير حسب لغة لسان العرب التي نزل بها القرآن، وقوله تعالى "ما من آيةٍ ننسخها أو نُنسئها" تعني في لسان العرب "نوضحها أو نرتبها".
في مثل هذه القيود المحددة للتصرف في كلام الله تعالى، تبرز الرسالة الإسلامية حقيقية من الإله الواحد الأحد الذي وعد بحفظها مدى الدهر، والتي صدقت حتى الآن، وتميّزت بها الرسالة الإسلامية التي خُصّت به ولم تُخص بها رسالات الرسل السابقين، التي عجزت منقولها عن استخراج نسخة موحّدة متفق عليها ككتاب مقدّس من أي ديانة، إلا الدين الإسلامي.
وقد خمد شقاق المسيحيين بينهم بعد هجرة الكاثوليك للأراضي الجديدة، حتى الحرب العالمية الثانية حين بدأ تسييس اليهود للدين للصهيونية، عندها انبثق التسييس الديني للتبشير سياسيّاً وسط المسيحيين من الإنجيليين المتطرفين، ووسط المسلمين من الإخوان المسلمين، وبدأت تنمو وتتصاعد مذاهب الإرهاب وسطها جميعاً في أطماع التوسّع والهيمنة، ساهم في إذكائها دخول أمريكا بمذهب الانجيليين المتطرف في الملعب العالمي بعد عزلةٍ استمرت حتى تلك الحرب، وساعدته أيضاً الأطماع المتزايدة في الهيمنة على ثروات الكوكب خاصةً البترول، وعقّد الأمر أكثر تطوّر التقنية والاتصال الرقمي اللذان ساهما في مضاعفة الإنتاج وقوى الدول والجماعات، وسرعة المعلومات، مع تدنّي التشرّب من التجارب الحضارية والموروثات الخلقية من رصيد مكارم الأخلاق في الأديان وحكمة الأسلاف والأجداد، بل بالعكس سهُل تحويرها لقلة انتشار ثقافة حقيقتها الأولى.
ولقد بدأ العالم المسيحي في تقبّل الإسلام والمسلمين كجزءٍ أساسي من الدولة المسيحية، مثلما هو الحال في الدول الإسلامية، ولكن التسييس الديني تكفّل بنقل وحماية الأطماع والظلم على ظهر الأديان، وأخمد وازعها في ضبط النفس، وبدأ ذلك في نشوء طبقة يمينية تدعو للتظاهر الديني والعنف والكره، كحركة شعبية جديدة في المجتمعات المسيحية، كشكل مبطّن لإرهابٍ نزعها إليه إرهاب الإسلاميين.
وبدأ الإرهاب يرتدي ثياباً متنوّعة الخبث فتّاكة المقدرة في عصرنا الحالي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

////////////////