لا تنتطح عنزتان حول حقيقة أن حزب المؤتمر الوطني المتواري الذي ما عتم يتلون مذ تكوينه بأسماء وشعارات ظاهرها فيها الرحمة وباطنها من قبله العذاب ، قد لجأ في سبيل استمراريته في حكم البلاد عبر سياسة التمكين منذ ال30 من يونيو 1989، إلي الاعتماد بشكل كبير علي ركيزتين أساسيتين أنتجتا بدورهما ركائز أخري ظلت شرايين ممتلئة تضخ بالدماء الحارة في أوصال ذلك التنظيم الفاسد طوال سنواته العجاف ضمن خلاياه النائمه ،إحداهما ما رمزت إليه في العنوان ب(اللام شين ) .

* و قبل أن نتوغل إلي ماهية هذه الركيزة ، يحضرني طرفة حدثت قبل سنوات في إحدى مداخل المدن الواقعة ضمن جغرافيا الأقاليم الملتهبة في غرب السودان ، وحسب قوانين الطوارئ التي تحكم تلك البقاع منذ اندلاع الحرب وإلي اليوم ، كان لزاماً علي كل الشاحنات التجارية المحملة بالبضائع والبشر المتجهة من وإلي المدن المعنية ، أن تمر بنقاط تفتيش يشرف عليها أخطر أفراد أجهزة أمن العمليات هناك ، فينزلون الركاب المواطنين ويمارسون فيهم طقوسهم المحببة من تفتيش وإذلال وضرب وربما الاقتياد إلي السجون الحربية ونسيانهم هناك وتسليمهم لأفراد (الألف شين) ، لتصفيتهم لمجرد منظرهم المشابه للثوار المتواجدين بالمناطق المحررة _اسم يطلق علي المناطق التي تقع خارج سيطرة الحكومة _ ، أو لمجرد هندامهم الغالي جداً ، أو الرثة جداً .
إلا أنه ورغم ذلك كانت ثمة سيارة (لاندروفر) تجارية معفيه تماماً من عمليات التفتيش بحق مالكها وحتى راكبيها ، وبالتالي من يحظي بالسفر عليها فهو آمن.
كانت تلك السيارة ملك لأحد رجالات (اللام شين ) المحليين ، وقد استغرب القائمون بأمر التفتيش هذا الإسم الغريب في بادئ الأمر ، إلا أنهم استصاغوه في مقبل الايام حتي بات الرجل معروفاً لديهم ب(عمك لام شين) .
لكن لسبب ما تم تغيير بعض أفراد وقيادة طاقم نقطة التفتيش بآخرين أكثر دقة وصرامة وتنكيلا بالمواطنين ، فلم يستثنوا سيارة رجل اللام شين من عملية التفتيش ، لكن ثقة الرجل الزائد بنفسه ونبرة حديثه الصارم :(معكم لام شين يا أولاد ...) جعلهم يصرون علي معرفة كنه هذا الرجل ، و فك طلاسيم هذا الإسم الغامض (ل ش) ، وبمزيد من التهانيس وتكسير الثلوج ، إنصاع الرجل إلي رغبتهم طوعا وأخبرهم بأنه قيادي في (اللجنة الشعبية ) لمنطقة ما .
فانهال عليه الجميع_ حتي القدامى منهم_ ركلاً وضرباً وصفعاً وخنقاً ، حتي تبعثرت تلك العمامة البيضاء واعتجنت بسوائل مختلفة ، مع التمزيق الكامل لجلابيته البيضاء والشال الباهظ الثمن .
لكن لم تمضي سوي ساعتين حتي حضر نائب الوالي بشحمه ولحمه وسياراته الدستورية الفارهة ، بجانب سيارات الحرس الاماميه والخلفية مصحوبة بأصوات النجدة ، فوصل إلي مكان الحدث مغاضبا ، وسرعان ما عوقب الجنود وقائدهم بمثل ما عاقبوا به رجل اللام شين أو يزيد ، ثم امتطي الرجل السيارة بمعية نائب الوالي مودعاً من كانوا بالمكان بنظرات وعد و وعيد .
* فهل يا ترى فعلاً يمثل هذا الرجل القيادي باللجنة الشعبية هذا القدر الكبير من الأهمية لدرجة أن يحضر نائب الوالي نفسه معتذرا له ؟!
أم أن مهاماته تتجاوز تلك الأدوار الإدارية المتواضعة المحدودة التي عادة ما يقوم بها رجال اللجان الشعبية العاديين بالأحياء !!
السر الخفي يا _عزيزي القارئ_ ، تكمن في أن جل قيادات اللجان الشعبية يحملون بطاقة عضوية حزب المؤتمر الوطني، لكنهم ليسوا كغيرهم من الأعضاء ، إذ تتجلى أهميتهم في أن الحزب يعتبرهم نقطة إرتكاز أولية لبناء الهيكل الهرمي للتنظيم .
وبالتالي هذه القيادات تقع علي عاتقها أعباء استقطاب و(خم ) العضويه المجانية ، بجانب القيام بدور التعبئة والاستنفار وسط البسطاء السذج من المواطنين .
وتوكل إليها مهام حشد الجماهير لاستقبال كبار الزائرين من الحزب بإسم الدين ، إضافة إلي تخوين واستعداء المواطنين غير الموالين للنظام ، و شراء الأصوات في الانتخابات ،
الأمر الذي جعل جل الدوائر بمعظم قري وأرياف ومدن السودان ترقص أوتوماتيكياً علي إيقاعات مزمار حزب المؤتمر الوطني ، إلا المستنيرين من المواطنين ، وهم غالباً ما يقعون ضحايا لتقارير قيادات اللجان الشعبية الأمنية ، وهي من أخطر الماهامات التي تسند إلي قيادات اللام شين .
ومن خلال قيادات اللام شين استطاع المؤتمر الوطني أن يستحوذ علي معظم قيادات الإدارات الأهلية التي من خلالها
بني الركيزة الثانية المرموز لها في العنوان أعلاه ب{الدال شين } أي مليشيات الدفاع الشعبي الجهادية التي ما برحت تقوم بتنفيذ ما تورع عن فعله الجيش النظامي ، حتي باتت جيشاً موازيا للقوات المسلحة ، بجانب كتائب (الألف شين) الأمن الشعبي الجهادي ، أي الجناح الأمني للدال شين .
وهو ما سنتناوله في المقالات القادمة مفصلاً ، لما للمسألة من دهاليز ومنعرجات يتطلب قراءتها المزيد من التأني والتأمل ، حتي لا يتجرع السودان مرة أخري من ذات الكأس والكوز المسموم .
* بقي أن نشير إلى أن إجازة قانون تفكيك حزب المؤتمر الوطني ورغم أنها خطوة موفقة جداً نحو كنس نظام البشير وحزبه الدموي إلي سلة مبولة التاريخ ، إلا أن وجود بؤر وأوكار ومرتكزات لهذه الجماعة الإرهابية المتلونة كالحرباء ،كالدال شين واللام شين والألف شين ، يهدد بنسف هذا القانون في مهده .
وما بيان الدفاع الشعبي الداعي إلي الجهاد الذي سبقه تهديدات رئيس المؤتمر الوطني المنحل البكاي إبراهيم غندور _قبل أن يعدل عن تهديداته _ إلا تأكيداً لما ذكر .
إن رموز النظام السابق وإن تواروا عن الانظار في الساحة السياسية بحسب المادة التي تنص علي منعهم من ممارسة العمل السياسي لفترة أقلها عشر سنوات ، إلا أنهم سوف يسعون _كدأبهم_ مجدداً إلي التحايل علي هذه القوانين بغية إفراغها من محتواها ، بتوجيه قواعدهم وخلاياهم النائمة من قيادات اللجان الشعبية والدفاع الشعبي والأمن الشعبي _غير المحروقين_ ودعمهم لتكوين جسم موازي تحمل ذات الرؤي ونفس الأيديولوجية الكيزانية ، ومن ثم الانقضاض علي الحكومة الجديدة .
لذا يجب أن تعدل تلك القوانين الصادرة بهذا الصدد لتنص بصورة واضحة علي اشتمالها مواد تجيز ملاحقة وتفتيش تلك البؤر الكيزانية المتخفية وراء أقنعة متنوعه .
وعلي لجان المقاومة بأحياء المدن والريف والقري القيام بتعرية كل قيادات اللجان الشعبية ومنتسبي الأمن الشعبي والدفاع الشعبي ، وإبعادهم عن أي عمل من شأنه أن يمارسوا عبره دعارتهم الكيزانية القذرة .
و في خباثتهم ودسائسهم في عهد حكومة الديمقراطية الثالثة وإ نقلابهم عليها ، عبرة لأولي الأبصار .
ونواصل .

أحمد محمود كانم
المملكة المتحدة _ مانشستر

1/12/2019
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.