كانت الأسود في العرين وخارجه، قبل وبعد الإنشطارات، ترى في الخيول وصنيعتها البغال الكرنفالية، وبغال ما بعد الكرنفال، كانت تراها لقمةً سائغة، وتابعاً ذليلاً مضمونا، وفصيلاً خانع من فصائل المعارضين، فكانت تلهو بهذا الفصيل بألف طريقة وطريقة، لأنها كانت تعلم، علم اليقين، أن الحصان المجنح في الجيب، طالما دام افتتانه بولوج العرين، وتسلم مقاليد الأمور، رغم عجزه الذي اكدته التجارب العديدة عن ادارة كنتين.

وكانت كراهية الحصان المجنح للفصائل اليسارية في الغابة فطرياً، ونشأ معه وترعرع، وقد لاحظه أبوه منذ سنوات عديدة، ونبه علناً بالميل الفطري عند الحصان المجنح لفصيلة الأسود الجرباء وتماهيه معرؤاها ومشروعاتها ورؤيتها، واتخاذ أفراداً منها خلصاء، حتى بعد علمه بأنها تتمنى، وتتحرَّق شوقاً، لنهش لحمه والإجهاز على جسده، تحدوها المتعة والقرم للحس دهنه وقرمشة عظامه، عظمة، عظمة!
ولكن عندما يغلي الشارع، وتفور براكين الغضب وسط الثوار، يكون للحصان المجنح دورٌ أهم من مجرَّد اعتباره وجبة لذيذة، فتلجمه، وتسوسه الأسود الجرباء، وتدفع به لتخريب الشعارات، ولإبطأ الثوار، ولكسر العزائم، والهِمم، وتنسى مؤقتاً لحمه الشهي، ودهنه المسيل للعاب، وعظامه المقرشة.
ولم يكن هُوَ يخيب ظنها، أبداً.
وبعد أن يهدأ مرجل الثورة، تدفع به، وبفصيله لجلب القوافل، والإشتراك مع البغال في جر حناطير العرين.
وقد أبدى الحصان المُجنح، أكثر من مرة، همَّة عالية، وعزيمةً لا تلين في سحب القوافل، وفي جرِّ الحناطير...
وعندما يسأل عن أسباب هذا التفاني، وذلك الحماس، كان يتشاغل بصبغ ذيله بالمزيد من الحناء، وفي أحيانٍ قليلة، أخرى، كان يرد بكلمات غير مفهومة، ظل المجتمع الغابي يصفها بأنها:
- (كلام الطير في الباقير)...
وكان في أعماقه يعلم، إن حليفه الأبدي هو الأجرب وتلاميذه، ولكن هذا كان عصياً على الإعلان، لا لأنه سيفقد مكانته فحسب، وإنما لأن إنتماءه الروحي للأسود الجرباء سيدعم شعار ثورة ديسمبر:
- (الحِصَّة وطن!).
بحيث سيلتهم الشعار فيمن سيلتهم شخصه وابنه البغل الكرنفالي المجنح، وخيول أخرى سيوفها مع المعارضة وقلبها على العرين!
لقد استهدفت ثورة ديسمبر 2018م. المجيدة، العرين ومؤسساته وسطوة اللبؤة وسلطة سلالة الأسود الجرباء بشكلٍ رئيسي، ولكن في خضم تطورها وصعودها لأعلى ارتقت أهدافها فطالت الكثير من المفاهيم والرؤي القديمة وعصفت روح التساؤل والتطوير بمؤسسات وقيادات ظنت أنها خالدة ولا يخضع نفوذها لنسمات النقد وعواصف التغيير، وكان أهم تلك المؤسسات والشخصيات على الإطلاق هما الحصان المجنح وابنه البغل الكرنفالي المجنح، وقد استشعر كليهما الخطر الماحق على وجودهما من الأساس، بعد زمن طال واستطال، بعد سيادة شعار (الحصة وطن) في فضاءات الغابة، ولكنهما أدركا في النهاية...
واختارا، الأبُ وابنهُ، لمواجهة هذه التهديدات الجدية، مسارات انتهازية، فاعتذر البغل الكرنفالي عن اشتراكه في مؤسسات العرين وتفانيه في خدمة اللبؤة وجر الحناطير، على طريقة استنكرتها الغابة، وسخرت منها بأن وضعتها في موضعها من آداب وتراثيات السعد، فهمهمت المجالس:
- الإضينة، دُقُّو واتعضَّرلُو!
ومات اعتذار البغل الكرنفالي في مهده، أما أبوه الحصان المُجنح فقد اتخذ سُبلاً أكثر فاعلية وخطورة، بحكم الخبرة في اللولوة، والباع الطويل في معادلات تحت الطرابيز، وسيناريوهات خلف الكواليس، وآثر أن يضغط في اتجاهين، وكان الإتجاه الأول:
- أن ينهي فرصة الثوار في إدارة شئون الغابة عبر مؤسسات الإنتقال، فطرح ضرورة قيام انتخابات، كان هو، بالذات، أكثر العالمين بأنها ستفتقر إلى الشروط الديمقراطية، وأنها ستلج به، وبمؤيديهِ إلى مجلس العموم، معتمدةً، في الأساس، على استشراء الفقر، والتخلف، بعدَ ثلاثين عاماً من حكم سلالة الأسود المطلق، والتخريب الخرافي، والإفقار الممنهج لغابة السعدِ وأهلها.
أما الطريقُ الثاني
- فقد كان يعتمد على تبرئة أقسام من سلالة الأسود الجرباء والكواسر التي تتمسَّحُ بها، من عهد اللبؤة وجرائمه، وأخراجه من دوائر المتهمين، كالشعرة من العجين، ومن ثَمَّ التحالف مع هذا القسم المنشطر قبل ديسمبر 2018م.، أو ذاك، بهدفِ الأستقواء بهم على حركة الشابَات، والشَّباب في الغابة، تلك الحركة التي زانتها المعرفة، وحفَّها الوعي، بغرضٍ نهائيِ هو: (تكبير الكوم المعادي لكل ماهو ثوري!)، وبالتالي قتل روح التغيير، ووقف مسيرته، لأن في الجُّمُود، والمَوَات فرصةً، ربما تكونُ هي الأخيرة، للحصان المُجنَّح، الذي يهوى الكلام الفاضي، والتعابير الفضفاضة، والتحدُّث إلى الجميعِ من علٍ، غض النظر عن فحوى، أو أهمية ما يقول...
ولكن، ظلت أعيُن، وأفئدة، وبصائر ثائرات، وثوار ديسمبر 2018م، ساهرةً، ويقظةً، وطويلةَ الباع، بحيث بات الحصان المجنح، ذاته، في (حِيْص بِيْص!).