يقول عون الشريف: (من الواضح أن الإنداية كما يستشف من اسمها، مستمدة من الندوة أو الندى، أو المنتدى، وذلك كان المكان الذي يتنادى إليه علية القوم أو الملأ من قريش حيث يلتقون ويديرون شؤون مدينتهم، والأصل فيه تجمع قوم تربطهم الوشائج والمشارب فتنم بينهم الألفة وتتوشج بينهم الصلات، وهي في نهاية المطاف مكان للاسترواح والتخفف من وطأة الحياة وقسوتها، وتنطلق فيها النفوس على سجيتها بحكم ان الخمر – كما يقول الاوربيون –تكشف عن حقيقة الرجال) ( ).

ونتوقف عند عبارة (وتنطلق فيها النفوس على سجيتها) التي ساقها عون الشريف ضمن محاولته لتعريب الاسم؛ فهي بيت القصيد في اللفظ المروي، والذي يبدو أنه هو الأصل، فلكمة إنداية ما هي إلا مروية وهي: آن- دا- يي، أو اندايي، وتفكيكها هو:
an: نفس، روح: spirit وتنطق (ng) وهي مكونة من نون وجيم مدغمتين في بعضهما.
d: يمنح، يهب: give, bequeath
yi: ينطلق في رحلة، يسافر: to travel, to journey
وهي بهذا المعنى (منح النفس فرصة لتنطلق أو تسافر)، أو حسب تعبير عون الشريف (تنطلق فيها النفوس على سجيتها)، ويمكن تحسين المعنى بالقول: (المكان الذي يمنح النفس فرصة لتنطلق أو تسافر، أو تحلق في عوالم أخرى).
قدمت سامية وصفا للإنداية المروية كما جاء في حفريات قامت بها البعثة النمساوية في موقع سيالة: ((من مكونات المدن المروية في الشمال الحانة (الخمارة)، وهو مبني عادي من الطوب اللبن، جاء الاعتقاد بانه حانة لاحتوائه على أشياء معينة؛ مثل مصاطب حجرية بطول الحوائط من الداخل رصت أمامها طاولات حجرية، بينما توجد في منتصف الحجرة طاولة حجرية كبيرة مقطوع على سطحها حفرة مستديرة يعتقد أن الغرض منها تثبيت الجرار، أيضا احتوت هذه الأبنية على عدد كبير من كسرات الفخار لآنية تستخدم في حمل النبيذ عند ترحيله مثل اناء البلاص المستورد وهو جرة ذات عنق طويل وزوج من الأيادي، أيضا تشير الكسرات الى آنية أخرى تستخدم في توزيع النبيذ للشاربين مثل الجكوك (English mug) وآنية يستخدمها الأفراد للشرب مثل الكؤوس)) ( ).
يظهر من هذا الوصف أن الإنداية المروية القديمة كانت متطورة بصورة أفضل من الإنداية الحالية، من حيث وجود أماكن للجلوس في شكل مصاطب؛ وطاولات لوضع المشروب؛ وآنية للتقديم؛ ومركز خدمة في الوسط، وإنها بهذا الوصف قد لا تختلف كثيراً عن (البار الحديث).
في مجتمع مروى وعلوة والذي لا يوجد فيه تحريم للخمور؛ من المتوقع ان تكون الخمر حاضرة في مناشط طبقات المجتمع، وانتقل هذا الحضور الاجتماعي لبعض شيوخ الصوفية في بواكير المرحلة الإسلامية في مملكة الفونج وما بعدها؛ والذين كان بعضهم لا يرى عيباً في احتساء المريسة، فقد اورد الطيب في كتابه (الإنداية) تأكيداً لهذا السلوك؛ وان أهم مرائس الفقراء (الشيوخ) في الشمال هي (البقنية، الشربوت، الدحيشة، الحسوة)، وفي مناطق الغرب تخصص لهم (كمن جاني، ام بنج بنج، ومديدة تاما)، اما الشايقية فقد وصف الطيب مجالس الانادي لديهم تحت عنوان سُكْر الفقراء:
(ورواد هذه المجالس يفيض كرمهم فيشمل الجيران والاحباب، ولا ينسون مشايخهم معلمي القرآن، ويميزونهم بصنع مريسة خاصة تسمى الدحيشي، لا تسكر ولا يدخل الكنقار ( ) في صنعها، ولعل الكنقار يحتوي على المادة الكحولية المسكرة، ويتجمع المشايخ في مكان واحد إن كانت بينهم إلفة ومودة فيأكلون ويشربون ويسمرون، ويقطعون(النميمة)، ويلعنون الغافلين البخلاء. وإن كان هناك فقير لا يرضى (الخمج) – وغالبا أمثال هؤلاء يتعاطون المريسة المُرة – فمثل هذا الفقير تحمل له المريسة بالستر وتوضع داخل بيته وكل مرة يناولونه قرعة ليقطعها (أي يتجرع كل محتوياتها)، وكلما نضبت القرعة صاح بأعلى صوته: (يا بت الخرابي كملت، يا بت جيبي الخرابي)، ولا يجرؤ على ذكر أسم المريسة، وهو في حالته هذه السبحة لا تفارق انامله (طق طق)، وبعد برهة تسري الخمر في بدنه فتحمر عيناه وتغوران، وسكر الفقراء -حماك الله– عكس سكر عامة الناس الذين تجحظ عيونهم وتبرز للخارج. وأول امارات سكر الفقير التجشؤ الكثير، وهو أمر فاضح بالنسبة للشيخ ويحاول جهده تغطية (الدشوة) فيخرج معها عبارات قرآنية ك (الحمد لله فاطر السموات)، ويستمر في تلاوة السورة. وسكر هؤلاء المشايخ لا يمنعهم من التلاوة وقراءة الأوراد والتسبيح، لأنهم اعتادوا على هذا الحال، وإن أضطر أحدهم للخروج في حال شربه هذا؛ حاول إخفاء الرائحة فيعلق في مسبحته صرة الشيح وهو نبات ذو رائحة نفاذة يستعمل للزكام وفتح الجيوب الأنفية وطرد (السكرة الخفيفة) وتجده دائما عند الفقراء) ( ). انتهى نص الطيب.
ومن المدهش أن نجد أحد كبار المتصوفة من ذوي المقام العالي؛ وهو الشيخ إدريس ود الأرباب؛ أُقحم اسمه في قلب الجانب الآخر من الصورة داخل الإنداية، وقد كان طيلة حياته بعيداً كل البعد عنها، فقد اصبحت اول برمة من المريسة تنتجها الإنداية في اليوم تحمل اسمه أي (برمة الشيخ إدريس)، فهي برمة تقدم محتوياتها مجاناً وبصورة يومية لقدامي السُكارى المفلسين، في بادرة تدل على الوفاء، وتملأ هذه البرمة بالمريسة وتوضع في صحن الإنداية شراباً مجانياً للمساكين، ويأنف عنها كما يقول الطيب( ) كبار السكرجية والفتيان، وتخرجها صاحبة الإنداية كل يوم وفاء لنذر دائم وتبركاً بالشيخ الكبير أملاً في أن يجلب رضاؤه الزبائن. وهناك قصة عن هذا النذر وهي ان واحدة من صانعات المريسة كانت في انتظار عمال المراكب، وقد تأخروا عليها وخشيت على مريستها من البوار، والسبب ان سفينتهم جنحت في النيل، فما كان من صاحبة الإنداية إلا الاستغاثة بالشيخ إدريس ود الأرباب ونذرت له برمة إن خرج الجماعة سالمين، وقد كان، وأصبحت برمة ود الأرباب البرمة الأولى التي تُملأ وتردد معها الدعوات والتعاويذ ومن ضمنها دعوة للشيخ تقول:
يا با الشيخ إدريس
يا ود ام دقينيس
يا جبل الميس
تَحَضِّر مَالُن
وتْغِّيِب بَالُن
والمعني كما فسره الطيب، هو أن يكون المال حاضراً والبال غائباً فيدفع الزبائن بلا حساب.
المريسة
وبما أن (الإنداية) كلمة مروية فيمكن الاستنتاج بان مصطلحات الإنداية قد تكون في معظمها مروية، حيث ان اسم المشروب الرئيسي فيها المريسة هو مروي من الكلمة مي – رو- سي: mi-ro-si
mi: مي: مشروب: libation.
وفي قاموس مريام وبستر ( ) فان كلمة libation تعني مشروب، وخصوصاً المشروب الذي يحتوي على الكحول، حيث يورد:
Libation: beverage especially a drink containing alcohol))
ro: رو: يفتح: يفك القفل، يحرر من القيود: unlocking ،
si: سي: رضا، سعادة، متعة contentment, satisfaction
فيصبح المعنى الحرفي لكلمة (مريسة) هو: المشروب الكحولي الذي يحرر من القيود أو يفتح ابواب السعادة والرضا.
ومن مِروسي الأصلية اخذت اللغة العربية اللفظ وحرفته إلى (مزر)، ويرصد ابن فضل الله العمري بعض ملاحظاته عن سكان بلاد النوبة ويقول:( ولهم انهماك على السكر بالمزر ولهم ميل شديد للطرب) ( ).
جاء في كتاب العين للخليل بن احمد:
المَزْرُ: نبيذ الشَّعير الحبوب، ويقال: نبيذ الذُّرَةِ خاصّة.
والمَزْرُ: الذّوق، والشُّرْبُ القليل، ويُقال: الشُّرْبُ بمرّة. قال:
تكونُ بعدَ الحَسْوِ والتَّمَرُّزِ
في فمه مثلَ عَصير السُّكَّرِ
وجاء في اللسان:
المِزْرُ: الأَصل. والمزرُ: نَبِيذُ الشعير والحنطة والحبوب، وقيل: نبيذ الذُّرَة خاصَّة. غيره: المِزْر ضَرْبٌ من الأَشربة. وذكر أَبو عبيد: أَن ابن عمر قد فسر الأَنبذة فقال البِتْعُ نبيذ العَسَل، والجِعَةُ نبيذ الشعيرِ، والمزر من الذرة، والسَّكَرُ من التمر، والخَمْرُ من العنب.
ويتحفظ ابن فارس في كتابه (مقاييس اللغة) على الأصل العربي لكلمة مزر فيقول:
ويقولون: المِزْر: نَبيذ الشَّعير. وإن صحَّ فهو من الباب.
وفي لسان العرب، جاء في مادة مرس:
المَرَسُ والمِراسُ: المُمارَسَةُ وشدة العِلاج. مَرِسَ مَرَساً، فهو مَرِسٌ، ومارَسَ مُمَارَسَةً ومِرَاساً. ويقال: إِنه لمَرِسٌ بَيِّنُ المَرَسِ إذا كان شديدَ المِرَاسِ. ويقال: هُمْ على مَرِسٍ واحد، بكسر الراء، وذلك إذا استَوَتْ أَخْلاقُهُم. ورجل مَرِسٌ: شديد العلاج بَيِّنُ المَرَسِ
ولكن هناك معنى آخر يبدو أن مأخوذ من الأصل المروي ومستوحى من العلاقة القائمة بين الذرة والماء، وهو كما في لسان العرب:
ومَرَسَ الدَّواءَ والخبزَ في الماء يَمْرُسُه مَرْساً: أَنْقَعَه. ابن السكيت: المَرْسُ مصدر مَرَسَ التَّمر يَمْرُسُه ومَرَثَهُ يَمْرُثُهُ إذا دَلَكَه في الماء حتى يَنْماثَ. ويقال للثريد: المَرِيسُ لأَن الخبزَ يُماتُ. ومَرَسْتُ التَّمر وغيرَه في الماء إذا أَنْقَعْتَه ومرثْتَه بيدك. ومَرَس الصَّبيُّ إِصبعَه يَمْرُسُه: لغة في مَرَثَه أَو لُثْغَةٌ. ومَرَسْتُ يدي بالمنديل أَي مسحت، وتَمَرَّسَ به.
إذن لن تكون مَرَس بمعنى نقع هي الأصل العربي الذي جاءت منه الكلمة، بل العكس صحيح فالأصل المروي للكلمة تُثبته الجذور التي كٌونت منها، وقد أهتم الأصل المروي بابراز تأثير مفعول المريسة على الشارب؛ أي أنه نظر للجانب النفسي للموضوع، بينما نظرت الكلمة العربية للجوانب المادية المتعلقة بالصناعة؛ من نواحي النقع والدلك وربما التخمير وما إلى ذلك.

من كتابي (مملكة مروي سياحة تاريخية ولغوية بين حلقات الذكر والإنداية)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.