وصلني عبر وسائل التواصل فيديو مسجل للقاء السيد وزير المالية الدكتور إبراهيم البدوي في واشنطن متحدثا في فعالية قام بتنظيمها رابطة خريجي جامعة الخرطوم بهدف إلقاء الضوء على برنامج الحكومة في الفترة الانتقالية وما بعدها . بعد المتابعة الدقيقة توصلت إلى الملاحظات التالية عن هذا البرنامج المقترح:

اولا/ يفتقد البرنامج لروح الثورة شكلا ومضمونًا ولايحمل من روح الثورة سوى ترديد وزير المالية شعاراتها “حرية سلام وعدالة” وهي هنا مجرد شعارات الثورة لم يكن من صانعيها والدليل على ذلك عدم تحرجه من الجلوس مع عتاولة مجرمي الإنقاذ في مستوي غازي صلاح الدين والفاتح عروة وغيرهم من دهاقنة حكم الإنقاذ وكان ذاك في أضابير مؤتمر مشبوه أقيم موخرا في الخرطوم يناقش الشأن الاقتصادي السوداني.
اكثر من ذلك تصريح الوزير الثوري بأنه لن يقوم بفصل اَي كوز من العمل ولايرغب في “قطع رزق إنسان” متجاوزا معاناة آلاف السودانيين من ضحايا مذابح ما يسمى بالصالح العام عندما كان يتحدث عن ترتيب الأوضاع في وزارة المالية وكأن هذه الثورة أتت به لرعاية مصالح كيزان التمكين والحرص على مستقبلهم الوظيفي.
ثانيا/ البرنامج الإسعافي والذي يجب أن ينفذ من الان لمدة ٢٠٠ يوم بدلا من أن يبشر بمزيد من الأنباء السارة وتخفيف المعاناة عن المواطنين في الحصول علي السلع الاساسية ومحاربة التضخم الجامح في إجراءات عاجلة ومفصلة لم يقدم البرنامج اَي حلول مفصلة في هذا الاتجاه . بل علي العكس تماما توعد السيد الوزير بالمزيد من المعاناة والضنك للمواطن في منتصف العام القادم عندما يشرع في تنفيذ برنامج الدعم النقدي نحو سحب الدعم الكامل والتعامل مع سعر الصرف نحو التحرير الكامل.
ثالثا/ الروح الانهزامية وغياب الإرادة ونلمس ذلك في ترديد السيد الوزير لعبارة تعتبر قمة في الانهزامية ” القطوف الدانية” “low hanging fruit“ وهذا يعني ويعمق مفهوم اغتنام الفرص السهلة والتي في متناول الأيدي!!
هل من المعقول أن تكون هذه الروح المنهزمة تلبي طموحات شباب كالأسود الضارية أنجز ثورة عظيمة قد نالت دهشة واحترام كل العالم هل هذا الشباب الثائر يطمح في اقل من ارتياد الثريا ؟؟؟ او كما قال المتنبي
واذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
رابعا/ يكتنف الغموض والشفافية هذا البرنامج ونلاحظ ذلك في بعض الدغمسة في تعريف المصطلحات مثلا بدلا من الإفصاح عن اتجاه البرنامج في النهاية للسحب الكامل للدعم يستخدم عبارة تحويل الدعم من دعم السلع إلى دعم المواطن . كذلك بعض الدغمسة في موضوع الاستثمار وماهي تفاصيل الحوافز للمستثمر الأجنبي وخاصة المستثمر العربي. ويتفادي ذكر دور صندوق النقد والبنك الدولي ويكتفي بالاشارة لهما بعبارة مجتمع التنمية الدولي كذلك استخدامه لعبارة الشراكة الذكية في الإشارة لاستثمارات القطاع الخاص الأجنبي.
خامسا/ التركيز علي استخدام معايير صندوق النقد والبنك الدولي تقريبا في كل شي وخاصة الإشارة لضرورة الالتزام بدفع ديون الصندوق وكأنه أولوية قصوي الان ومن المعروف ان الكثير من الدول التي تعاني من ظروف مماثلة لظروف السودان لاتكترث أصلا لموضوع دفع الديون وتمضي قدما في تنفيذ خطط الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي اولا ثم تعاود التفاوض مع البنك والصندوق وفق ظروف أفضل.
سادسا/عدم التطرق بالتفصيل لمبدأ استعادة المال المنهوب ومحاربة الفساد وتغيير العملة والقضاء على دولة التمكين وهذه خطوات جوهرية في اتجاه حماية الثورة .
سابعا/ في موضوع الدعم لم يقم هذا الوزير بإجراء دراسة مستفيضة عن نظام الدعم الحالي ليقارن بنظام الدعم النقدي وكما اقترح سابقا منح مبلغ ٣٠٠ جنيه لكل شخص سوداني والسؤال المشروع كيف حدد السيد الوزير هذه ال٣٠٠ جنيه من غير ان يعلم عدد المستحقين او عدد السلع داخل نظام الدعم وثمنها و كم عدد السكان وما مستوي التضخم الان او توقعات التضخم تسعة شهور من الان وكم تساوي هذه ال٣٠٠ جنيه عند تطبيق البرنامج وهل تكفي لسد تكاليف السلع داخل نظام الدعم النقدي المقترح .كل هذه الأسئلة المحورية يجب أن تجد الإجابة من خلال بحث علمي دقيق. عادة ما تلجأ الدول المحترمة عندما تقرر تغيير نظام خطير ويمس حياة المواطن بشكل مباشر كنظام الدعم يأخذ هذا الأمر سنوات قبل الأقدام علي تنفيذه وتتم مناقشته في مجالس الوزراء ومجالس النواب وفِي الجامعات وفِي منظمات المجتمع المدني وفِي جماعات حماية المستهلك ويناقش في الاعلام وفِي لقاءات جماهيرية مكثفة وكل ذلك لأخذ راي الشعب والوصول لأكبر قدر من الاجماع العام حول الموضوع.
ثامنا/ تحدث السيد الوزيرعن مستوي الفقر في السودان و أشار الي تركزه في مناطق الحروب والصراعات في دارفور وكردفان والنيل الازرق معللا السبب الأساسي للارتفاع الحاد لمستويات الفقر في تلك المناطق للحروب والصراعات وهذا استنتاج مخل وغير دقيق فمعظم سكان السودان تحت خط الفقر دون استثناء ويتركز الفقر الان في قلب الخرطوم حيث يعيش ثلث سكان السودان وفِي أطراف المدينة في ظروف في غاية الصعوبة ويعزي ذلك للسياسات المجحفة بواسطة النظام المباد وتطبيق سياسات التحرير الاقتصادي وأسلوب الصدمة وتطبيق روشتة صندوق النقد الدولي بحذافيرها رغم ان السودان لم يكن يتعامل مع الصندوق من خلال برنامج محدد ولكن ظل النظام المباد ينفذ في نفس السياسات لأنها صادفت هوى في نفسه وتخدم أغراضها في ممارسة القهر الاقتصادي والاجتماعي .
تاسعا/ فيما يتعلق بسياسة سعر الصرف أشار السيد الوزير ان التحرير الكامل لن يتم الآن ولكن سيتم بنهاية العام 2020 على أن تسبقه بعض الإجراءات مثل زيادة في الأجور والمرتبات وتنفيذ برنامج الدعم النقدي المباشر اضافة لتطبيق نظام الدعم المقيد.وأكد الوزير أن التحرير الكامل لسعر الصرف يأتي في إطار الحزمة الاقتصادية سالفة الذكر
والغريب في الأمر أن تسبق تحرير سعر الصرف الكامل والذي في الأصل إجراء يؤدي إلى التضخم أن يسبق ذلك حزمة إجراءات تضخمية بالضرورة مثل زيادة الأجور والمرتبات والمعاشات كذلك تطبيق الدعم النقدي المباشر والذي يعني ضخ المزيد من النقود مما يؤدي إلى ارتفاع وتيرة التضخم وهذا يعني فقدان القيمة الشرائية للدعم النقدي ذاته ويصبح المواطن خارج منظومة دعم السلع ويعوّض عنها بمبالغ تفقد قيمتها الشرائية كل يوم.
عاشرا/ غياب التفاصيل الكمية مع تحديد السقف الزمني مثال أداء إجمالي الناتج المحلي الان ومستوى التضخم الان ومستوى عجز الميزانية وعجز الميزان التجاري وحجم الكتلة النقدية الان و مستوى الاحتياطي من النقد الأجنبي ومستوى العطالة وغيرها من متغيرات الاقتصاد الكلي ومستوى أدائه الان الأهداف المتوقع تحقيقها في إطار البرنامج وماهي تفاصيل السياسة المالية والنقدية والتجارية وسياسات سعر الصرف في ظل البرنامج.
من خلال ما سبق ذكره من ملاحظات يمكن التوصل للآتي؛
اولا/ هذه الخطة تعتمد على التوجه الخارجي وتخدم مصالح اجنبية إقليمية ودولية في المقام الأول بدعوى تحفيز الاستثمار.
ثانيا/ الغموض وغياب الشفافية وغياب الرؤية مما يؤدي إلى التشكيك في وجود اجندة خفية غير معلنة.وتلاحظ ذلك في تجاهل الحديث عن الجذور التاريخية لمشاكل الاقتصاد السوداني وعلي وجه الخصوص دور تطبيق سياسة التحرير الاقتصادي في فترة الحكم المباد وتطبيق روشتة صندوق النقد الدولي وايضاً نلاحظ تجاهل الحديث عن القطاعات الانتاجية القطاع الزراعي ومشروع الجزيرة تحديدا وعلاقات الإنتاج وملكية الأراضي ومشاكل الانتاج والانتاجية كذلك عدم الحديث نهائيا عن مشاكل ملكية الأراضي في مناطق الإنتاج في الشمالية ودور الاستثمارات الأجنبية في خلق هذه المشاكل القائمة حتى الآن.أيضا تجاهل السيد الوزير الحديث نهائيا عن المنتدى الاقتصادي المقترح والذي يفترض أن تعرض فيه كل مشاكل الاقتصاد السوداني للتداول والنقاش العلمي ويتم التوصل لتوصيات يتم الاتفاق والإجماع حولها من كافة الجهات المختصة والمهتمة بالاقتصاد السوداني.
ثالثا/ الارتماء في أحضان مؤسسات التمويل الدولية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والالتزام التام بتنفيذ شروطهم المجحفة .
رابعا/غياب المشاركة الجماهيرية الفعالة والتعامل بفوقية في وضع بنود الخطة وتنفيذها دون استشارة ومشاركة مجتمعية شفافة.يتحدث السيد الوزير عن خطة عشرية 2020/3030 من بنات أفكاره يعني قاطعه من راسو مَاهكَذَا توضح الخطط العشرية ياسعادة الوزير والأسئلة الملحة الآن من فوض هذا الوزير بوضع خطة لمدة عشرة سنوات علي حسب علمي تم اختيار الوزير لفترة انتقالية لا تتجاوز الثلاث سنوات إلا قليلا.هل يحتوي ميثاق الحرية والتغيير على خطة عشرية تتجاوز فترتها الانتقالية؟
ماهو دور الدولة في توجيه هذه الخطة هل يقتصر على جمع الضرائب والجمارك وترك كل شي لما يسمى بالشراكة الذكية مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي.
خامسا/التجاهل التام للاعتماد على الموارد الداخلية الذاتية والارتهان تماما للخارج لتمويل الخطة.
سادسا/تجاهل الإنتاج والتركيز على الاستهلاك وخلق اقتصاد ريعي تابع وغير وطني يرتكز على قطاع الذهب والمعادن الأخرى ويعتمد على قطاع الخدمات مع التركيز على القطاع المصرفي والفنادق والمطاعم وغيرها من الانشطة الغير منتجة.
ومن هنا نريد ان نشير إلى تجربة حكم المتأسلمين الطفيلية واعتمادها على ريع البترول والانشطة الطفيلية مع تجاهل واضح لقطاعات الإنتاج التقليدي في الزراعة والصناعة.هل تهدف خطة وزير المالية إلى تجريب المجرب وتكرر نفس الخطأ في خلق اقتصاد ريعي طفيلي فاقد الهوية الوطنية ومرهون للمنظمات الدولي في تجربة النظام المباد يمكن ان نلاحظ الآتي؛
اولا٠مرت الحقبة النفطية علي المواطن السوداني مرور الكرام ولم يستفد منها في تحسين مستوى معيشته وصحته وصحة وتعليم ابنائه٠
ثانيا٠اصيب الاقتصاد السوداني من جراء الاعتماد على ريع النفط بما يسمى بالمرض الهولندي
"Dutch Disease"
وهي ظاهرة اقتصادية تنجم عندما تعتمد الدولة على منتج خام واحد بقصد التصدير مما يؤدي لا همال وعدم تنافسية المصادر الاخري٠تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي وحل قطاع الطاقة مكان الزراعة في ريادة الاقتصاد وقطاع الصادرات مما سبب مشاكل هيكلية نعاني منها حتى الان٠
ثالثا٠لم يتم حتي تطوير قطاع البترول نفسه والاستثمار في اكتشافات جديدة في شمال السودان والتوسع في الإنتاج علما بأن احتمالات انفصال الجنوب كانت شبه مؤكدة وذلك لهلع الطفيلية المتأسلمة وتفكيرها في الربح السريع والنهب لعوائد البترول وغياب الفكر التنموي لدى المتأسلمين الطفيليين٠
رابعا٠استخدمت عوائد البترول في شراء الذمم والولاءات الجديدة وفي مزيدا من التمكين لا هل الولاء والحظوة احكام القبضة الامنية والعسكرية كما مهدت لفصل الجنوب إذ الصبح للجنوبيين دافعا ماديا للانفصال٠
خامسا٠ساهمت أموال البترول في خلق طبقة من البرجوازية الطفيلية الاستهلاكية المتاسلمة غير المنتجة وخلق ذلك ثقافة استهلاكية واستفزازية مدمرة للمجتمع (ثقافة المولات مول عفراء وهو استثمار تركي اوردوغاني)٠
سادسا٠ساهمت موارد البترول في إحكام القبضة العسكرية والامنية وانعكس ذلك من خلال زيادة الإنفاق العسكري والأمني وتطوير التصنيع الحربي وشراء الاسلحة والعتاد الحربي- (بلغ الإنفاق العسكري في السنوات 2004- 2009حوالي 10 مليارات دولار وقد وجهت في الصراع الحربي الدائر في دارفور)
سابعا٠رغم ان علاقة السودان بصندوق النقد الدولي كانت متعثرة في بداية أيام نظام المتأسلمين لأسباب سياسية تتمثل في التوجه الأيديولوجي المتطرف والخطاب المعادي للغرب بوجه عام اضافة لعدم التزام النظام بسداد التزامات الديون القديمة المتراكمة منذ عقد الثمانينيات٠ونتيجة لذلك جمدت عضوية السودان ووضع في خانة الدول الغير متعاونة بموجب هذا التصنيف لا يستطيع السودان الحصول على مساعدات مالية وفنية وظل السودان علي هذا الوضع حتى العام 1997 وذلك عندما تم رفعه من قائمة الدول الغير متعاونة٠
ثامنا٠رغم رفع تصنيف السودان من صفة غير متعاون لم ولن يتمكن السودان من الحصول على قروض من الصندوق وذلك لأسباب سياسية متعلقة بوضع السودان بقائمة الدول المتورطة في الإرهاب وظل الصندوق منذ 1997م يقدم عونا فنيا فقط الاقتصادي، وهناك لجنة من الصندوق اتزور السودان دورياً، وتقدم التوصيات لبنك السودان المركزي بخصوص السياسة النقدية، سياسة سعر الصرف، وإحصاءات ميزان المدفوعات، ولوزارة المالية بخصوص الموازنة، وتحديد اوجه الصرف فيها والتقارير المتعلقة بها، والجهاز المركزي للإحصاء في الحسابات القومية خاصة دراسات الدخل القومي، حساب التضخم، وغيرها.
وأصبح النظام خاصة في الفترة النفطية وما بعدها مرتميا تماما في احضان الصندوق مسلوب الارادة وفاقدا القرار الاقتصادي تماما وفي تلك الفترة نفذ الصندوق 14 اتفاقية أوردت البلاد مورد الهلاك وقضت على الأخضر واليابس ووقع مجمل حملها الثقيل على المواطن الفقير يزداد فقرا على فقر وكانت كل الخطط والبرامج الاقتصادية تحاك في واشنطن وتأتي جاهزة للتنفيذ بواسطة جلاوزة النظام في الخرطوم .وقديما قالوا من جرب المجرب حاقته الندامة٠

المراجع
http://sudanimanama.8k.com/Petrol.htm.1https://www.facebook.com/notes/إيجي-برس-egy-press/البترول-في-السودان-بقلم-الباحث-أحمد-ابراهيم/205040996209801/.2http://sudanoil.sudanforums.net/t46-topic.3ــــــــــــــــــــ

د.محمد محمود الطيب
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
واشنطون أكتوبر 2019