على خلفية الجدل المثار حالياً حول قرار رئيس الوزراء الإنتقالي السيد عبد الله حمدوك والذي صدر مؤخراً بتعيين السيد صالح عمار والياً على ولاية كسلا ضمن عدد من الولاة المدنيين كإستحقاق نصت عليه الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الإنتقالية، والتداعيات التي صاحبت ذلك القرار وعمت بعض مدن ومناطق الإقليم الشرقي مما استدعى تدخل الإدارات الأهلية ممثلةً في الناظر سيد محمد محمد الأمين ترك ناظر نظار عموم قبائل البجا ، أود أن أتناول الأمر في هذا الطرح ومناقشته بصورة موضوعية بعيداً عن الصخب الحماسي والإنفعال العاطفي الذي طغى على المشهد ، حيث أحاول الإحتكام لحقائق التاريخ والجغرافيا والعلوم الإجتماعية في أحد الجوانب ومشاهداتي ومعايشتي كأحد أبناء الولاية المعنية لبعض الأحداث في جانب آخر للوصول لفهم مشترك حول جذور المشكل وتداعياته التي تمثل راهن الأزمة ، وفي إعتقادي أن هذه الأزمة الحديثة ما هي الا مظهر من مظاهر الأزمة الحقيقية والتي ظلت تتفاعل وتفرز نتائجها السالبة من حين لآخر طوال عقود عديدة مضت، وزادت وتيرتها ابتداء منذ أواخر العقد المنصرم جراء سياسات نظام الإنقاذ البائد، حتى استفحلت وأصبحت أزمة حقيقية توشك ان تفتك بالإقليم بأسره، وبالطبع إذا انفجر الوضع بالشرق ستنعكس آثاره السالبة والمدمرة على القطر بأسره لإستراتيجية الإقليم وأهميته الإستثنائية بالنسبة للسودان كقطر ودولة، فالإقليم يضم الموانئ على الساحل الوحيد، والتي تمثل رئة القطر فضلا، عن ضمه لأوسع المساحات للزراعة المطرية في أفريقيا حسب تصنيف المنظمة العالمية للأغذية والزراعة FAO اضافةً لمناجم الذهب والمعادن الأخرى، فالإقليم الشرقي بما يحوي ويضم يمثل أهمية إقتصادية عالية القيمة ومؤثرة الى حد بعيد في نمو وازدهار واستقرار القطر السوداني .
يدور الجدل حول أحقية السيد عمار وأهليته لهذا المنصب السيادي الحساس على ولاية لا تخلو من التوترات والحساسيات الناشئة عن ظروف إجتماعية جيوسياسية قديمة وحديثة أفرزت واقعاً يمكن وصفه بالمشكل الوطني ، أي يمس السودان كدولة وكوطن حيث لا يصح معه تسمية هذه الحالة ب (مشكلة شرق السودان) ، إنما هي في مفهومي (مشكلة السودان في الشرق)
إن التداخل القبلي أمر معروف ومسلم به حتى من قبل أن تتشكل الحدود التي خلفتها صراعات المستعمرين على المنطقة ، فأصبح من الطبيعي أن يكون هناك مجتمعا ذو انسجام عرقي وثقافي له مركزه وارضه وله عمقه التاريخي يقع داخل حدود دولة ما ويكون له إمتداد داخل حدود الدولة المجاورة ، هذا الحال لاتخلو منه أياً من المدن الحدودية في كل أنحاء العالم دون ان يشكل هذا الواقع ازمة بين المجتمعات التي تظل تتعايش سلمياً وتتبادل المنافع فيما بينها الى أن يتدخل الشيطان السياسي فيغوي البعض على التغول على حقوق البعض ، حينها ينشأ الصراع و تتفجر الأزمات .
من المعروف والمسلم به منذ القدم والى وقت قريب حتى أواخر الألفية الثانية أن مجموعة قبائل (التقري) التي تضم فيما تضم قبيلة (البني عامر) كأحدى المكونات الكبيرة لهذه المجموعة القبلية بمختلف نظاراتهم وعمودياتهم، كان ومازال مركزها الرئيس هو دولة أرتريا الجارة الشقيقة حيث توجد مراكز نظاراتهم وعمودياتهم مثل مدينة كرن و أغردات و مدينة نقفة وغيرها من المدن بالمنخفضات الأرترية المتاخمة للحدود الشرقيىة لجمهورية السودان ، ولكن توجد جيوب من هذه المكونات القبلية العريقة تضم بطون وأفخاذ وبيوت شاءت الأقدار أن يكونوا بعد ترسيم الحدود ضمن دولة السودان ، كما أصبح هناك في الجانب الأرتري بعض المجموعات من (البداويت) (يطلق عليهم هناك اسم الحدارب) الذين يعتبرون إمتداداً طبيعياً لمجموعتهم البجاوية التي عرفت بها منطقة شرق السودان منذ الحضارة الكوشية في التاريخ الموغل في القدم ، حيث يتم تعريف البجا (البداويت) من قبل المؤرخين وعلماء الأنثروبولجي بأنهم من أصول حامية كوشية أفريقية، وتشهد على ذلك سحناتهم ولغتهم (البداويت) التي يصنفها العلماء والباحثون من ضمن أقدم اللغات الحامية وتشترك في كثير من مفرداتها مع اللغة النوبية والفرعونية القديمة ، بينما نجد أن مجموعة قبائل (التقري) هي من أصول سامية آسيوية وعربية عبرت البحر في أزمان سابقة وعلى فترات متفاوتة واستقرت في المنخفضات الأرترية، وايضاً تشهد على ذلك سحناتهم ولغتهم (التقراييت) التي يصنفها علماء التاريخ واللغويات بأنها منحدرة من اللغة الجئزية السبئية القديمة وهي أي (الجئزية) من الألسن العربية القديمة العديدة التي كانت سائدة في بطاح الجزيرة العربية قبل الإسلام والتي انطمرت بعد أن طغى عليها لسان قريش الذي نزل به الوحي وحفظه القرآن الكريم . هذه حقائق تاريخية وانثروبولوجية ليس لنا يد فيها وإنما ننقلها كما هي من مصادرها البحثية العلمية .
شهدت منطقة شرق السودان أطماعاً من قبل المحتل الطلياني الذي تمكن من إحتلال إرتريا في وقت سابق ثم دخل الطليان في حروب ضد الدولة المهدية في شرق السودان وتمكنوا من إحتلال مدينة كسلا بعد معارك شرسة مات فيها بالبنادق والمدافع الألية الآلاف من البداويت (الببجا) الذين كانوا يحاربون ضمن جيوش المهدية بقيادة أمير الشرق عثمان دقنة البجاوي، استعان الطليان في معاركهم تلك بجنود من مستعمرتهم ارتريا ومن سكان تلك التخوم الحدودية كانت نتيجته ان استطاع الطليان السيطرة على مدينة كسلا، وفي وقت لاحق تمكن الإنجليز بعد القضاء على الدولة المهدية تعاونهم فصائل من البجا (البداويت) من دحر الطليان وإخراجهم من مدينة كسلا وردها لمستعمرتهم السودان، كل ذلك جرى في الفترة بين 1894 ـ 1944وبقي الأمر على هذا الحال الى أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وتم ترسيم الحدود بناْءً على الإتفاقيات التي تمت بين المستعمرين لتصبح مدينة كسلا سودانية كما كانت.
إذاء هذا الواقع التاريخي نشأ نوع من التوتر وعدم الثقة والتدافع المستتر حيناً والظاهر أحياناً بين المجموعات القبلية المتجاورة مجموعة قبائل البداويت التي من بينها قبيلة (الهدندوا) ومجموعة قبائل التقري والتي من بينها (البني عامر)، ولكن طوال تلك الحقب و العقود كان التعايش والإحترام هو السائد بين تلك المكونات نتيجة للاعتراف وتقبل الأخر على ما هو أصل وحقيقة واقعية وتاريخية في سيادة البداويت (البجا) على منطقة شرق السودان كأرض أجدادهم الكوشيين وليس لهم أرض سواها ، وسيادة التقري على المنخفضات الأرترية، فلم تشهد المنطقة طوال تلك العقود بعد خروج المحتل إحتكاكات ذات بال ، فالكل كان يعرف حدوده ويعي وضعه ويقدر حجمه دون تطاول من أحد على أحد أو تعدي من طرف على طرف، حتي بات الكل من قبائل تلك الجهة يعرفون أنفسهم ك (بجا) حوإن كانت أصولهم غير بجاوية .. وهنا وجب التعريف ب (البجا) ومجموعة قبائلهم خلافاً لما عرفهم به المؤرخ ضرار صالح ضرار (وهو من التقري من البني عامر تحديدا)، وتعريفنا للبجا (ويطلق عليهم أيضاً البداويت) كما عرفوا بذلك عبر التاريخ، بأنهم مجموعة القبائل الناطقة (بالبداويت) والذين يرجع وجودهم في هذه المناطق الى آلاف السنين وفق الآثار االتي ترجع للممالك الكوشية و الفرعونية كأقدم دليل تم العثور عليه عن أصل البجا (البداويت) حيث نجد ارتباطهم بالإله الكوشي أبادماك (الإله الأسد) والذي يعتبر البداويت أنهم من نسله وفق الأساطير القديمة، ويطلق على الأسد في لغة البداويت (هدأ) ويعتقدون وفقاً لتلك الأساطير أن جدتهم (هدات) زوجة الأسد (هدأ) ومن هنا في زعمي تم إشتقاق إسم قبيلة (الهدأ ندوا) اكبر قبائل البجا في المنطقة ، لذا نجد أن إسم (هدأ) و (هدات) منتشراً بين مسميات رجال ونساء البداويت. ف(الهدأ) هو الأسد أو أبادماك نفسه، وما يدلل على إحترام البداويت للأسد حاليا وتقديسه قديما هو تشبههم بالأسد في المظهر وفي السلوك ، فالمدقق على أشكال وطبائع البداويت لا يخطئ وجه التشابه، في الشعر الملبد الكثيف الذي يلامس الأكتاف الى النظرة الحادة المتحفزة وعزة النفس والإعتداد بالذات والشجاعة المفرطة والرشاقة في الحركات والقفذ والإنقضاض في حالة المعارك وميلهم الفطري للحرية وحياة البرية، وهم يمتهنون الرعي ولا يطيقون الإستقرار ويهوون التجوال بقطعانهم داخل اراضيهم ولا ينتقلوا خارجها الا نادراً. وعلى النقيض من ذلك نجد قبائل (التقري) ذات نزعة تميل الى الإستقرار وهم الأكثر إنسجاماً مع متطلبات الحياة العصرية وفق ضوابط وقيود المدينة ويمتهنون الزراعة والتجارة وقليل منهم يزاول الرعي ولكن بمفهوم إقتصادي ينسجم مع التحولات المدنية ومتطلباتها، و كانوا هم الأقدر والأسرع في التكيف مع المتغيرات والتطور معها، هذا النمط من الحياة قادهم للتميز علمياً واقتصادياً واجتماعياً عكس البداويت الذين يصنفون في غالبهم حتى يومنا هذا بأنهم الأبطأ في التغير والتطور على مستوى أنماط عيشهم وفي مفهومهم لفلسفة الحياة جملةً، حيث لا تزال تطغى عليهم روح الأسد والحياة البرية المتحررة من أي قيود .
نتيجة لحروب التحرير الطويلة التي امتدت لأكثر من ثلاثين عاما والتي خاضها الشعب الأرتري المناضل بكل فئاته ومكوناته المجتمعية من أجل تحرير دولته من المستعمر الأثيوبي الذي خلف المستعمر الأوروبي في السيطرة على ارتريا الجارة الشقيقة والتي تكللت بإنتصارالشعب الأرتري وتحقيق استقلاله التام منتصف التسعينات من القرن الماضي ، نتيجة لتلك الحروب فقد شهدت منطقة شرق السودان بمدنها الثلاث كسلا والقضارف وبورتسودان طول تلك العقود موجات من تدفق اللاجئين الأرتريين من جميع القوميات والمكونات الإثنية للشعب الأرتري ، هاجر منهم من هاجر وبقى منهم من بقى في السودان إلى ان تم تحرير الأرض الأرترية وبدأت رحلة العودة الى الجذور وارض الأجداد.
خلال فترة اللجوْ كان اللاجئون من أصول (التقري) الأوفر حظاً ممن سواهم من اللاجئين الأرتريين ، فكونهم مسلمون شأن كل سكان إقليم شرق السودان ويجيدون التحدث بالعربية ـ اللغة الرئيسة في دولة اللجوء ـ بجانب لهجتهم المحلية المنحدرة من جذور عربية كما أسلفنا، فضلاُ عن سهولة ذوبانهم في إمتداهم القبلي بدولة اللجوء، إضافة الى البيئة المناخية المشابهة لبيئتهم في إقليم التقري، كل تلك العوامل كانت بمثابة ميزات وفرت لهم ظروف لجوْ أفضل عن من سواهم ، إذ سرعان ما اندمج هذا المكون الوافد في الجغرافيا الجديدة والمجتمع المتسامح بطبعه بل استطاعوا الحصول على هويات قومية استخدمت في الحصول عليها أساليب قانونية وغير قانونية ساعدتهم في التمتع بجميع حقوق المواطنة السودانية من تعليم وصحة وتملك واستوظاف في مؤسسات الدولة والخدمة في القطاعين العام والخاص، لا سيما الأجيال الثانية منهم والذين ولدوا بالسودان فأصبحوا سودانيون بالميلاد، دون أن يعني هذا إنقطاعهم عن جذورهم بدولة ارتريا الشقيقىة
هناك سؤال يطرح نفسه،،، إن كان الأمر كما ذهبت إليه فلماذا لم يعد هؤلاء اللاجئون من مكون التقري لأرضهم التي كافحوا من أجل تحريرها بل ولهم قصب السبق في إطلاق الشرارة الأولى لحرب التحرير من قبل المناضل (حامد إدريس عواتي) الذي ينتمي لأحد بيوت التقري كما ظلوا يرددون، حتى تم لهم النصر واستعادوا ارضهم المستعمرة ، لماذا لم يعد اولئك اللاجئون لجذورهم ومسقط رأسهم ليستمتعوا بمواطنتهم الأصيلة في أرضهم ووطنهم الأم ؟؟ بالطبع هناك من عاد إلى ارتريا وانخرط في المساهمة في نهضة بلده وفي غالبهم كانوا اللاجئون من قوميات (التقرينيا) والذين يعتنقون الديانة المسيحية منهم، ودون الخوض في تفاعلات الفصائل الأرترية التي كانت تخوض حرب التحرير وما شهدته من إنقسامات وتناطح فيما بينها بسبب التوجهات الفكرية والعقائدية والسياسية والقومية لكل فصيل، إلا أن خلاصة الأمر فإن دولة ارتريا المحررة اسست نظاماً يرى البعض أنه غير جاذب بالنسبة للاجئين من قومية (التقري) المسلمين من أصول عربية، والدليل على ذلك فإن العديد من الذين نفذوا برنامج العودة الطوعية من تلك القومية قد تسللوا هرباً من دولتهم ليعودوا لحضن شرق السودان الكريم المضياف مرة أخرى، ولكن في هذه المرة فقد بدأت المفاهيم في قرار العودة تتخذ مناحي جديدة تحملها طموحات بعيدة لا تخلو من خطورة .
(نلاحظ هنا أننا نتحدث عن (التقري) الذين وفدوا حديثاً الى السودان بسبب الظروف الأمنية أو الإقتصادية أو السياسية التي صاحبت حروب التحرير ومرحلة ما بعد التحرير وتكون الدولة الأرترية، دون ان نعني طرفهم السوداني الذي ظل بالسودان منذ ما قبل الإستقلال وربما منذ قرون عديدة مضت)
استولى نظام الإنقاذ على السلطة في يونيو من العام 1989 مطيحا بالنظام الديموقراطي الذي اتت به ثورة ابريل 1985 ، وطرح النظام مشروعه الذي اطلق عليه المشروع الحضاري والذي ادعى انه يستند على المبادئ والقيم والشرائع الإسلامية ، وبالطبع فقد وجد الإنقلابيون معارضة من عدة جهات وبمختلف الصور والأساليب ، كذلك من جانبه واجه النظام الإنقلابي هذه المعارضة فسعى لتمكين اركانه بمختلف الأساليب ، ولما كان البجا من أكثر المكونات عناداً وعدم انصياعاً لإرادة النظام، ونظراً لإستراتيجية الإقليم، عمل نظام الإنقاذ البائد على تقليص نفوذ البجا على الإقليم الشرقي الذي ظل يدار بكفاءات من بطون البداويت منذ الإستقلال وعبر كل الحكومات المتعاقبة العسكرية منها والديموقراطية إعترافاً بسيادة البداويت على الأرض وتحرياً في حسن إدارتها من قبل أهل مكة الذين هم أدرى بشعابها، فعمد نظام الإنقاذ الى تقسيم الإقليم الشرقي لثلاث ولايات كما فعل مع بقية أقاليم السودان لذات الأسباب أولأسباب مشابهة، وعين على كل ولاية والياً من غير قومية البجا قهراً لكسر شوكتهم رافعاً شعار (لن نولي إلا القوي الأمين) !!! وهم الشعب الذي ظل يسود إقليمه منذ خروج المستعمر الى ان أتى هذا النظام الغاشم . ولإضعاف شوكة البجا أيضاً وتحجيم قدراتهم ولأهداف بعيدة أخرى وجد النظام ضالته في أمواج التقراييت الذين تدفقوا الى المنطقة تحت وطأة الظروف الإقتصادية والسياسية التي عانوا منها في دولتهم الأم أرتريا فسمح لهم النظام بالأستيطان وإمتلاك الهويات الوطنية لكسب عضويتهم في حزبه الحاكم حزب المؤتمر الوطني حتى بات الشخص منهم ينال بطاقة عضوية المؤتمر الوطني قبل أن يستلم هويته السودانية. كل ذلك كان يجري بتخطيط مدروس ومستهدف من قبل قادة النظام البائد للدرجة التي تم بها تكليف والياً من التقري من منتسبي المؤتمر الوطني على ولاية كسلا لفترتين منفصلتين، ليقوم بالدور المكلف به والذي قام به على الوجه المطلوب منه تماماً وهو تجنيس التقري الأرتريين وضمهم لحزب المؤتمر الوطني حتى يشكلوا كتلة أنتخابية مؤثرة على المدى البعيد وحتى تتغير التركيبة الإنتخابية بالمنطقة بالتغيير الديموغرافي الذي تم استحداثه ، حيث أنه من المعروف تاريخياً أن الولاء السياسي لسكان تلك المناطق كان موزعاً بين الحزب الإتحادي الديموقراطي وحزب الأمة العريقين. هذه هي الحقيقة عارية في شأن الطفرة التي حدثت بإزدياد تعداد التقراييت في الإقليم وانتشارهم في مختلف الشرائح المهنية والأنشطة الإقتصادية في السودان عامة وفي لإقليم الشرقي على وجه الخصوص مما زاد في طموحهم بفرض سيادتهم على الإقليم بأسره .
خلال عقود ثلاث هي فترة حكم نظام الإنقاذ أصبحت هناك كثافة سكانية من التقري بالمنطقة غير مسبوقة وفي غالبهم الأعم كان ولاءهم لحزب المؤتمر الوطني، هنا التقت المصالح بين النظام البائد وبين الوافدين الذين ضاقوا ذرعاً بواقعهم في دولتهم الأم وعجزهم عن مواجهة نظامهم وفرض أجندتهم عليه فوجدوا ضالتهم في هذا الوطن البديل بغطاء حزبي حاكم قامع باطش ، فكان نتيجة لذلك الحال ولصفات كامنة في هذا المكون القبلي الوافد التي تتمثل في الإنتهازية والبراغماتية والنظرة بعيدة المدى أن حاز هذا المكون على أمتيازات وتسهيلات قادته للتقدم على السكان الأصليين في مختلف مناحي الحياة، وسبق أن أوردنا الفروق في بنية المكونين المتنازعين، فقد استاطع التقري السودانيون والوافدون الإستحواذ على الأملاك والنمو الإقتصادي وتبوؤوا المناصب القيادية في القطاعين العام والخاص عن كفاءة واقتدار وحققوا الإنتشار الفاعل على كافة مناحي الحياة، ليس في شرق السودان وحده بل على إمتداد القطر. كل ذلك كان يتم وفق خطط مرسومة وموجهة من مجالسهم الشورية والقيادية والجمعيات المتفرعة منها. هل يلام أحد على هذا الواقع؟؟ إنها نظرية ملأ الفراغ ، هذا الفراغ الذي احدثه أصحاب الأرض بإنكفائهم على ذاتهم ورضائهم بحالهم وواقعهم دون ان تنشط منهم جمعيات أومجالس شورى أو حكماء في استشعار الخطر منذ وقت مبكر فتعمل على استنهاض الهمم وبعث روح التطور والمواكبة ودفع المجتمع للانخراط في الحياة المدنية والتوافق مع متطلباتها من تعليم وإدارة وريادة أعمال وتقلد المناصب القيادية حتى لا يطمع فيهم طامع أو يعتدي عليهم معتد،
أحدث نظام الإنقاذ هذا التغيير الديموغرافي بالمنطقة دون أن يضع حسابات لمستقبل ما سيؤول اليه الحال وما يكمن فيه من خطورة على مستقبل سيادة الدولة على الإقليم الذي اصبحت تتقاطع حوله مصالح قوى إقليمة ودولية تستهدف التحكم في الساحل، ولا بأس أن يتم ذلك عبر مراحل متدرجة، مما يعني أن ما يجري بكسلا والقضارف ما هو الا ترويضاُ وتمهيداً لما سوف يحدث لاحقا على ولاية البحر الأحمر وموائيها ، وأن ما يقوم به البداويت حالياً ماهو إلا خط الدفاع الأول من خطر وقوع ساحل البحر الأحمر تحت سيطرة الطامعين من القوى الإقليمية والدولية .
ينبغي الإشارة الى أن البعض من التقري ذو الإنتماء الأصيل للسودان قد تماهى مع أفكار الوافدين الجدد وفق مخططهم المرسوم للسيطرة على الإقليم وملأ الفراغ الذي أحدثه البداويت بعدم إكتراثهم، في حين كان الغالب الأعظم منهم يرفض المؤامرة جملةً وتفصيلاً حيث يرون أنفسهم كمواطنون سودانيون متوازنون ولاينقصهم شيئ حتى يسعوا للوصول اليه بخطط واساليب رؤوا فيها إنها تحسب خصماً عليهم وعلى وطنيتهم وتاريخهم المسالم المتعايش والمتآخي مع كل مكونات المجتمع السوداني، فظلوا يقاومون هذه الهجمة الغريبة على المجتمع الشرقي . في ذات الوقت كثف مكون التقري اللذي آثر البقاء بوطنه هجومه على أصحاب هذا المخطط واصفاً اياهم بأنهم تركوا نضالهم المصيري في أرضهم ضد النظام الذي يعتبرونه يعمل على تهميشهم منذ التحرير، ويعيبون عليهم إفتعال المعارك في غير ميدانها المفترض، ويرون أن استياطان اولئك بالسودان يعد هروباً من إستحقاقاتهم الواجبة في بلدهم وأن ابتعادهم ظل يضعف جبهتهم الداخلية ويخدم أغراض النظام الحاكم لإحداث تغيير ديموغرافي على أراضيهم لصالح مكون (التقرنيا المسيحي) المسيطر سياسيا حسب زعمهم .هذا هو الوضع في تقديرنا كما وصفناه في عجالة كقراءة نابعة عن معايشة وتفاعل مع محيط الحدث تأثيراً وتأثراً .
من هذه الخلاصة دعونا نسأل سؤالاً إفتراضياً مفاده ماذا سيحدث لو إنعكس واقع الحال فأصبح شرق السودان أو السودان كله علقماً وجحيماً على ساكنيه لأي سبب من الأسباب لا قدر الله، وفي ذات الوقت حدث إزدهار ونمو أقتصادي متعاظم في دولة ارتريا في ظل نظام جاذب لكل المكونات الأرترية؟ الإجابة على هذا السؤال بسيطة وبدهية ، ففي يقيني أن كل قبائل التقري سوف تعود لتعمر اراضيها وقد يتبعهم ابناء عمومتهم من قبائل التقري السودانيون، وسوف لن يجدون صعوبة في تحقيق ذلك فهذه ارضهم وقد عادوا اليها ، ومن المؤكد وفق السؤال الإقتراضي أن مجموعات من البداويت سوف تعبر الحدود الى حيث الرخاء المفترض، ولربما يسمح لهم حينها اصحاب الأرض بالبقاء فيها والإنتفاع بخيرها بدواعي الإنسانية وحسن الجوار وحفظ العشرة، ولكن هل سيقبلون بأي حال من الأحوال بأن يتسيد عليهم شخصاً من البداويت مهما بلغ علمه وعلا شأنه، ليتقلد منصباً سيادياً رفيعاً كحاكم اقليم أو محافظ أو حتى معتمد بمحلية ؟؟ لا إعتقد أن هذا سيحدث، حتى وإن حدث هذا برافعة سياسية يفرضها المركز بتفعيل سلطاته فسوف لن يمر الأمر على خير وربما ينتهي بمأساة . وبالطبع سيكون لهم الحق والعذر في رفض هذا الوضع اللذي يعتبر شاذاً .
هذه هي الصورة التي أود أن أوضحها من خلال هذا المقال، فإن (البجا البداوييت) ليس لديهم ارض بديلة ليمارسوا عليها سيادتهم ضمن الدولة الوطنية، فهذا الجزء من السودان معقل أسلافهم منذ آلاف السنين فهم مكون أصيل في هذه الرقعة بكل ما تعنيه كلمة أصالة من معان ، وإذا خرجوا من هذه المناطق يعتبرون لاجئين او نازحين وفي كلتا الحالتين سوف لن تتوفر لهم فرص السيادة والقيادة في أراضي الغير، ومن هذا المنطلق والأمر البدهي فالبجا يرون أنه ليس من المقبول أن يأتي عليهم والياً ينحدر من مكون يعتبر في أصله السوداني بالإقليم أقلية ليتسنم موقعاً سياديا عليهم في أرضهم دون رضاهم، فضلاً عن أن يكون مجنساً، وان حدث مثل هذا الأمر فإنهم ينظرون اليه كإعتداءٍ وإستفزازٍ وأختبارٍ لقدراتهم في الدفاع عن السودان وعن هويتهم وقوميتهم البجاوية .
نأتي الى الأستاذ صالح عمار الذي تمت تسميته مؤخراً والياً لولاية كسلا ، فهو ينتمي لمجموعة التقري ومن قبيلة البني عامر تحديداً، ولست متأكداً من أنه قد ولد بالسودان أم أتاه صبياً، أم هو سودانياً أباً عن جداً ، لم أبحث في هذه النقطة حيث أن الذي يهمني أكثر هو ما عايشته وأشهد عليه من خلال تجربتي في العمل بمكاتب حزب مؤتمر البجا المعارض لنظام الإنقاذ وذلك في الفترة بين عام 2004 الى 2007، حيث جمعني العمل مع الاستاذ عمار من خلال مكتب التنظيم بالخرطوم الذي كان عضواً فيه، حيث قمنا بتزكية الدكتورة آمنة ضرار(تقري ـ بني عامر) لترأس المكتب ، حتى إذا ما آلت الأمور الى عقد إتفاقية سلام بين حكومة الخرطوم و مؤتمر البجا بوساطة أرترية، بدأنا بتنظيم زيارات متتابعة لدولة ارتريا الوسيط وراعي المفاوضات، كان هدفها أولاً خلق الإنسجام والتوافق بين مؤتمر البجا النضال السلمي بالداخل اللذي نمثله، ومؤتمر البجا الكفاح المسلح بالميدان، ثم تلت تلك الزيارات زيارات أخرى لحضور الورش في إدارة التفاوض وبناء القدرات ومواضيع تختص بالقضية ، وكان طوال تواجدنا بدولة ارتريا يقوم بزيارتنا والإجتماع بنا رجالات من قيادة الدولة الأرترية كرعاة ووسطاء لعملية السلام أذكر منهم القيادي يماني قابراب و الأستاذ عبدالله جابر أحد القيادات بحكومة اسياس أفوركي وهومن البني عامر من قومية التقري الأرترية .
في مرحلة حساسة من مراحال إعداد ملفات التفاوض بين مؤتمر البجا الموحد ونظام الخرطوم حيث كنت متواجداً بفندق أمبسيرا الذي خصص لوفد مؤتمر البجا، حدث أن تفاجأنا بإعلان الدكتورة آمنة ضرار إنسلاخها من مؤتمر البجا ومطالبتها للوساطة بإفتراع مسار في التفاوض منفصل بإسم (جبهة التقري)، وفي تقديري أن هذا التحول الدراماتيكي المفاجئ لم يحدث صدفة، إنما عقدت حوله المشاورات وأديرت له الإجتماعات السرية وحصل على المباركة من الدولة الراعية للمفاوضات، وغالباً تم الإعداد له وإختيار توقيته من خلال ممثل التقري في النظام الأرتري الأستاذ عبد الله جابر الذي كان مسؤولاً من ملف السودان حينها وتجمعه وشائج عشائرية مع الدكتورة آمنة ضرار . هذا الإنسلاخ الذي قادته الدكتورة آمنة ضرار والذي تبعها فيه معظم إن لم أقل كل مكون التقري في مؤتمر البجا والذين كان من بينهم الأستاذ صالح عمار قد اربك وفد التفاوض، حيث لم تجد معهم المحاولات لثنيهم عن هذه الخطوة التي اوضحنا لهم بأنها سوف تضعف الموقف التفاوضي للتنظيم ، ولكنهم تشبثوا بموقفهم حتى استيقنا بأن المقصود فعلاً هو إضعاف الموقف التفاوضي للتنظيم لصالح أجندة لم تكون وقتها معلومة لدي أنا على الأقل، وهذا بالفعل ماحدث حيث طلب نظام الخرطوم من الوسيط أن يتم التفاوض باسم جبهة الشرق كمنبر واحد تحسباً لتعدد المسارات، وقد كان .
الشاهد في هذه الرواية أن الأستاذ صالح عمار الذي تمت تسميته والياً على ولاية كسلا كان قد تآمر على تنظيم مؤتمر البجا الذي استغله ليوصله الى قاعة التفاوض من أجل تحقيق أجندة ليست لها علاقة بمستقبل التنظيم الذي أتى به، فقد إنحاز لمكون التقري الذي أدار ملفه مسؤول ملف السودان ممثل قومية التقري بالنظام الأرتري من قبيلة البني عامر الأستاذ عبد الله جابر مع زعيمته الدكتورة آمنة ضرار، وكانت نتيجته أن افردت كوتة لكيان التقري ضمن اتفاقية الشرق الهزيلة حيث أتت بموجبها الدكتورة أمنة ضرار وزيرةً لأحدى الوزارات . .
من هذه الزوايا لا إعتقد أن للأستاذ صالح عمار أحقية مبنية على اسس واقعية ومتينة ليجلس متسيداً على سنام مجتمع لا ينتمي إليه كامل الإنتماء ولا يعلم عنه الكثير، ممثلاً لأقلية مهما زاد عددها بالإقليم وارتقى كيفها فإن هذا لا يعطهم الحق للسيادة عليهم في أرضهم دون رضاءهم .
أما من ناحية أهلية الأستاذ عمار لمنصب والي لولاية بكامل مكوناتها الجغرافية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والقبلية، فدوننا سيرته الذاتية التي قدمها بنفسه ، حيث لم نجد له شهادات علمية عليا تم منحها له تتويجاً لأبحاثه العلمية في أي شأن من الشؤون ، كما لم نجد له تدرجاً في الخدمة المدنية يكسبه الخبرة في العمل وفق منظومة الدواوين الحكومية، ولم نجد له إشارة لإدارته حتى جمعية خيرية ليختبر من خلالها قدراته الإدارية إن وجدت، أو يكتسب منها مهاراته في خلق التوافق المجتمعي والنجاح الإقتصادي وفق الأهداف المرجوة .
لكل ما ذكر فإنني إعتبر أن تسمية عمار واليا لكسلا به الكثير من الإستخفاف والإستهتار وعدم الجدية من قبل السلطة الإنتقالية في نيتها السير بهذا البلد الى بر الأمان، بل على العكس من ذلك فإن مثل هذه القرارات غير المدروسة بعناية وغير المفحوصة بدقة ستهوي بالسودان الى قاع سحيق، ويكفي ما نالته دارفور من جراح وجبال النوبة والنيل الأزرق وقبل ذلك جنوبنا الحبيب بسبب عنجهية المركز ونظرته القاصرة لحقائق اللإمور .
أخاطب أصحاب العقل والحكماءا فيكم يا سادة، فإني متحدثاً عن نفسي لا يهمني من أي مكون قبلي يكون والياً على كسلا أو غيرها ضمن الدولة الوطنية، إن كان في الأصل سودانياً أصيل الإنتماء للوطن، وإن كان مؤهلا ذو خبرات معتبرة، وإن كان راشداُ رشيداً .
لكن القضية في تقديري أبعد من كونها شأن يخص ولاية كسلا وحدها أو القضارف، بل تخص في الأساس السودان كله حيث أن الهدف البعيد هو ساحل البحر الأحمر للذي تتقاطع حوله مصالح قوى اقليمية ودولية بوكلاء محليين . وحتى لا يقول الثور الأبيض اُكلت يوم اُكل الثور الأسود .




عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.