وردت في كتاب الإعلام، النسق القيمي وهيمنة القوة، لمؤلفه الدكتور صباح ياسين، والصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، في باب سياسة افساد الاعلام، عن طريق افساد الحقيقة،

قصة حقيقية تكشف عن إمكانية قلب الاعلام للحقائق وتزويرها، والقصة هي:
هاجم كلب شرس طفلاً في مدينة نيويورك.
رأى أحد المارة ما حدث فهرع الى المساعدة، وانقض على الكلب الشرس وقتله.
صحافي في إحدى الصحف المحلية في مدينة نيويورك شاهد ما حصل، وأخذ بعض الصور للحادثة ليضعها في الصفحة الأولى من الجريدة التي يعمل لها.
اقترب الصحافي من الرجل وقال له: شجاعتك البطولية سوف تنشر في عدد الغد تحت عنوان (شجاع من نيويورك ينقذ ولداً). أجابه الرجل الشجاع بأنه ليس من نيويورك. فقال له الصحافي: في هذه الحالة سوف نضع العنوان: شجاع أمريكي أنقذ ولداً من كلب شرس. أجاب الرجل الشجاع: أنا لست أمريكياً أيضاً، أنا من باكستان.
في اليوم التالي صدرت الصحيفة، وكان عنوان الخبر في الصفحة الأولى: مسلم متطرف ينقض على كلب في حديقة في نيويورك ويودي بحياته، ومكتب التحقيقات الاتحادي FBI بدأ التحقيق بإمكانية وجود علاقة بين هذا الرجل ومنظمة القاعدة التي يرأسها أسامة بن لادن.
فالمبدأ الحرفي في الصحافة يشير الى أن قواعد الخبر الجيد يجب أن تستند الى قوائم عدة، من أهمها الدقة والموضوعية والاثارة. فلا يعني أن كلباً قد عض رجلاً يمكن أن يصلح كمادة خبرية، ولكن حين يعض الرجل كلباً، فان الإثارة سوف تسري الى القارئ وتستفز مخيلته.
وبالعودة للقصة مرة أخرى نلاحظ خلط المفاهيم بعضها مع بعض، وتطغى الاثارة وتلتهم أي حقيقة كانت، وتتراجع صدقية الحدث أمام جبروت الرغبة في تعظيم خيال مغذى بوقائع سابقة ومكررة عن حشد العواطف تجاه حدث ما. وهكذا يتم التركيز على الهامش من دون الجوهر.
وكما هو الحال في خلط الإرهاب في الحرب والمقاومة، لذلك سوقت السياسة الأمريكية نعوتاً مختلفة وشوشت على حقيقة مفهوم الإرهاب وربطت بين مفردات المقاومة والشر والانتفاضة والإرهاب.
فالإعلام الإسرائيلي وبعض وسائل الاعلام والقنوات الامريكية يروجون لمفهوم الأراضي العربية المتنازع عليها بدلاً من تسميتها الصحيحة التي أطلقتها عليها الأمم المتحدة والاعلام العالمي وهي الأراضي العربية المحتلة، في تضليل اعلامي وتحريف وترويض للكلمة لخدمة أغراض سلبية.
فترد في اعلامهم Disputed Arab Lands بدلاً عن Occupied Arab Lands .
عندما فاز المنتخب القطري بلقب بطولة كأس آسيا لكرة القدم بعد فوزه على نظيره الياباني بثلاثة أهداف مقابل هدف في المباراة النهائية التي أقيمت في الأمارات، كان ايراد الخبر في الصحف الإماراتية، التي ليست على وئام مع دولة قطر بسبب الخلاف الذي أدى الى فرض حصار على دولة قطر، كان كالتالي: الفريق الياباني يخسر المباراة.
الحكومة السودانية الانتقالية في ترويضها للكلمة والانحراف بها تدعي بأنها صاحبة تفويض مطلق من الشعب الذي أتى بها، لذلك فهي مفوضة أن تعقد من الاتفاقيات الدولية والمحلية ما تشاء وأن تقدم من تنازلات دون الرجوع أو دون انتظار تشكيل برلمان. ولو كان التفويض المطلق بهذه الصورة لأدعت الحكومة السابقة بأنها صاحبت تفويض أيضاً وقد أنقسم الشعب بين معسكرين (تسقط بس) و (تقعد بس)، ولولا تدخل العسكر وإقناعه للرئيس السابق بالتنازل وربما لأمر ما، لما صار تغيير ولا تفويض.
ويل للحقيقة وويل للصحافة من الصحفيين مروضي الكلمة المنحرفين بالحقيقة لأغراض سلبية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.