تعاطت السوشيال ميديا وبكثافة حالة الفتاة السودانية (مي إسماعيل) البالغة من العمر واحداً وعشرين عاما وهي تبيع الورد في مدينة بورتسودان ،مستخدمة دراجة هوائية تطوف بها علي المارة والمتنزهين علي رصيف كورنيش المدينة .
وقد شغلت الحالة قناة ألبي بي سي في برنامجها (تريندينغ ) في حلقة شهدت سجالا بين مؤيد ورافض ومشاغب لأصل الفكرة .
كما ان قناة ((سكاي نيوز) أفرزت حيزا مقدرا من وقتها لإلقاء الضوء علي الظاهرة وذهبت ابعد من ذلك لسؤال مي إسماعيل عن هدفها من ذلك حيث ذكرت انها (تهدف لإخراج السودانيين من حالة الإحباط ونشر ثقافة الورد ).
واضافت مي (ان البعض يتفاعل مع مهنتها ويحترمها ويتفهمها اما الكثيرون فيرونها نوعا من الترف وإضاعة الوقت ومحاولة للظهور ).
يحدث ذلك في ظل ذلك الصمت المهيمن علي القنوات السودانية ، وتضاءل قدراتها ، ازاء التحولات العميقة في ذلك المجتمع ، وهي التي تحصي كل واردة وشاردة وبوح ، لأنشطة تتضاءل كثيرا امام بائعة الورد.
في اعتقادي اننا امام ظاهرة اجتماعية تتسنم فيها المرأة السودانية دفة القيادة ، لإحداث تحول ونقلة اجتماعية ، في زمن متسارع وتشكل فيه الظواهر المتداولة مهما تواضعت بذرة في تربة التحول ،ونقش في صخرة الانتقال الحتمي وفق نظرية الثابت والمتحول .
فهل المرأة السودانية أصبحت الان في حالة انتزاع الحقوق بعد تلك الهيمنة الذكورية التي امتدت طويلا ، ولم تكتف بتلك الدعوات الخجولة الذكورية (يا ام ضفائر قودي الرسن ) ؟وها هي تفاجئ الخاملين والمتسكعين علي ارصفة التغيير بالعمل المباشر .
لقد شهدت العقود الاخيرة ثورة تراكمية قادتها النساء في اوسع الميادين ديناميكية ، وهو معامل الاقتصاد . فحينما التهمت الحروب قدرات الرجال تصدت المرأة السودانية وبكل بسالة لنظم الإعاشة ومن مرارات النزوح والتشرد وكانتونات الفقر علي أطراف المدن نهضت المرأة لحفظ نظام العائلة وتصدت للفقر ببسالة وهي تعمل كبائعة شاي او اطعمة او عاملة نظافة في المدن المتخمة ، حتي ان أنظمة الرصد الأممية أطلقت علي ذلك مصطلح (تأنيث الفقر ).
وسجل التاريخ حضورا استثنائيا للمرأة السودانية في ثورة ديسمبر المجيدة فقد كانت ذلك الوقود الوجداني والحضور الفاعل في المتاريس والخيام والمستوصفات الصحية، في الرسم والتشكيل والغناء واعطت كل الممكن منذ انطلاقة الثورة وحتى مهرجانات الموت وحمامات الدم التي شهدتها ساحة الاعتصام .
ومن منا لم يذكر او يشاهد (صائدة البمبان )،او (أيقونة الثورة )او ذلك الرتل المقدس من الشهيدات او اللائي بترت اطرافهن في تلك الملاحم البطولية .
إذن فان بائعة الورد تلك الفتاة التي تطوف بدراجتها الهوائية علي ارصفة الميناء ، فهي تشكل عطاء رمزي علي صفحات كتاب التحول والتغيير في ذلك الواقع بطئ الخطي باتجاه الفجر .
وفي ذات الوقت فان استخدامها للدراجة تحطيم لتلك (التابوهات ) التي لا تري في المرأة سوي انها عورة تسعي بين الناس .
وباقة الورد تلك فهي مشاركة متواضعة ضد تلك اللوحة الشائهة التي يرسمها أعداء الجمال والخير في كل زمان ومكان أولئك المرضي من طيور الظلام المصابون بلوثة (الفاندليزم) التي تحطم كل جميل في الحياة.
ولعل الأهم في ذلك كله رسالة للجميع ان مدينة بورتسودان ليست حكرا فقط لبائعي(الشوتال) ذلك الخنجر البجاوي الذي ينتشر به الباعة المتجولون في ارصفة الميناء او سوق المدينة وليست حكرا لبائعي العصي و السيوف ، وليس جل قاطنيها من الراقصين علي مهرجانات الفلول البائسة التي تحاول إعاقة تيار التغيير .
ولكنها مدينة لديها القدرة علي تداول الورد والتبشير بلوحة جمالية خلف كل هذا الغبار والركام . والسعداء فقط هم الذين يَرَوْن في فعل مي حالة إيجابية .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.