طِوال عقود من محاولات تشكّل الدّولة إلى الوقت الرّاهن؛ عانت بلادنا من مشكلتين ولاتزال ؛ أولاً :عجز أنظمة الحكم المتعاقبة عن تطوير إطار قومي للحكم قابل للتطبيق وانتهاج عملية ديمقراطية سليمة للبناء الوطني مؤسسة على الأشكال المتعدّدة للتّنوع السّوداني ؛ ثانياً: فشل هذه الأنظمة في صياغة وتفصيل برنامج اقتصادي سليم لمعالجة التّخلف الاقتصادي والتنمية الغير المتكافئة.

تمظْهُرات أزمة الدّولة السّودانية المُتراكمة منذ عقود خلت؛ تتجلّى بوضوح في هذه الفترة الانتقالية التي نُعايشها راهناً؛ فالمأزق الذي تعيشه الدولة ( التي تعتبر في حالة تشكّل منذ استقلالها) هي أزمة العقل السّياسي السّوداني النّخبوي (يساراً ويميناً)؛ الذي يقف الآن حائراً مابين الحفاظ على الشّروط التّاريخية التي شكّلته كأزمة في حد ذاته ؛وبالتالي كان نتاج هذه الشروط: الامتياز التّاريخي الذي لايبدو بحال من الأحوال أن الدّولة ستنفك منه قريباً؛ وما بين بناء كتلة انتقال؛ ناسفة بذلك الشروط التّاريخية القديمة لمصلحة الوطن؛ خاصة مع الوتيرة المُتسارعة الآن لصعود قوى جديدة اصبح لها صوت ووجود فاعل في المشهد السياسي المقام على انقاض دولة ما بعد الثورة بكل شروطها السياسية والاقتصادية والثقافية ...الخ. ومما لا شك فيه أنّ الأزمة التي تعيشها بلادنا هي نتيجة مباشرة للأزمة التي تعيشها الأحزاب السياسية وهي أزمة فكرية، وسياسية، وتنظيمية شاملة، كما أنّها أزمة فهم لمتطلبات الواقع، ومتطلبات التطور، والانسجام معها، إذ أنّها أخذت في أشكالها الحالية، ونهجها وأساليب عملها تلعب دوراً معرقلاً لمتطلبات التطور، وتزيد من تفاقم الأزمة التي تعيشها مجتمعاتنا ، فهذه الأحزاب بحاجة ليس فقط لمعالجة أزماتها فحسب، بل ولتجديد نفسها باستمرار في جميع نواحي بنيانها.

لقد أعادت ثورة ديسمبر؛ الإعتبار للمُجتمع كمتغيّر مُستقل ومُهم في علاقته بالدّولة، مع تعميقها للشّعور القومي حين اتفقنا ولأول مرة كسودانيين على كلمة ( تسقط بس). وفتحت المجال أمام إعادة النّظر في طبيعة العقد الاجتماعي - الذي ينظم العلاقة بين الفرد والدولة، وبين المجتمع والدولة. لقد وضعت الثّورة مفهوم الدولة العميقة، القائمة على تشابك مصالح الفساد مع مصالح المؤسسة الأمنية، وعلى حرمان المجتمع من أي قدرة على الحركة المستقلة أو الحُرية أمام الطّاولة لإسقاطها.لكنها طرحت إشكالية أخرى تتعلق بشكل الدولة وطبيعتها التي تروم إعادة بنائها، وما يتعلق بها من مسائل مثل تطبيق الشريعة،والحريات العامة،ومشاركة المرأة والاقتصاد وعلاقة الدين بالدولة ...الخ.
إن السؤال الذي يلح باستمرار وسط حالة التكلس والسيولة السياسية الذي تعيشه الدولة ؛ لماذا يُغيب في مسار الانتقال هذا؛ التّحالفات وتحضر بقوة الاستقطابات بين النُّخب أو بين الفاعليين الاجتماعيين والسياسيين الذي يمثلون نظرياً القوى المستفيدة من قيام المؤسسات الوليدة الديمقراطية بفكر ومنهج جديد يمثّل قيم الثورة والتغيير؛ باعتبارهم يشتركون في ظاهر خطاباتهم على الأقل، في القول بضرورة تحقيق التّحول والانتقال الدّيمقراطي وارساء مؤسساته ومحاربة عودة النّظام المُباد وإرثه ؟.
إن إرث مؤسسات الدولة القديمة لا يزال موجوداً وخاصة طبيعة العلاقات العسكرية المدنية؛ إذ أن المؤسسة العسكرية في بلادنا غارقة في السّياسة حد اذنيها منذ استقلال البلاد؛ اضف لذلك ان طبيعة التغيير الثّوري تظل محدودة مع وجود استقطاب وعدم تجانس بين النّخب الامر الذي يؤدي الى إعادة إنتاج النظام القديم جزئياً أو كلّياً وثمة قوى مستفيدة من عودة النظام القديم بطبيعة الحال.
يظل تأثير الثّورة وتضحياتها الكبيرة محدوداً مالم؛ يُنجز انتقال سلس قائم على كتلة انتقالية تاريخية عبر تسوية تاريخية؛ تعيد ترتيب الاولويات والاجندة وتدفع بها كشرط موضوعي لبناء مشروع وطني متفق حوله.
لقد كان الحديث في الآونة الأخيرة يدور حول ضرورة التّسوية السّياسية التي هي عبارة عن مصالحة وطنية مؤقتة بطبيعة الحال لانجاز انتقال جزئي في بعض القضايا؛ وما أدعوا اليه هُنا هي؛تسوية تاريخية لانجاز انتقال سلس وكلّي يؤسس لوطن (محترم) .
يقتضي مأزقنا هذا؛ تسوية تاريخية بمشاركة الأطراف ذوي العلاقة بها جميعهم، والاتفاق فيما بينهم على مفهوم الدولة التي يريدون ومعاييرها التي سوف تطبق وهيكلية هذه الدولة ووظائفها وعلاقة الحكومة بالدولة ؛وقبل هذا وذاك الاتفاق على مفهوم الهوية الوطنية التي لا يزال غبارها عالقاً في المشهد، ومرجعيات الدولة وأولوياتها، وغير ذلك، أي أن التسوية التاريخية المأمولة لمأزقنا السوداني، تشكل اتفاقاً على ميثاق جديد، وعقد اجتماعي جديد ودستور جديد، وإن لم يتحقق ذلك، فلن تكون تسوية تاريخية، بل تسوية عابرة مهمتها تلطيف الأجواء الانتقالية وتأجيل حل المشكل مما يفاقم الوضع ويُمأسس لمأزق جديد؛ ولذا فإن الخشية قائمة من أن شعارات التسوية السياسية التي طرحها بعض السياسيين لم تكن تعني التسوية التاريخية، وإنما كانت رغبة في المصالحة العابرة بين السودانيين عبر تسوية سياسية مابين قوى الثّورة والآخرين بمختلف أطيافهم لتجاوز معضلة الانتقال فقط دون التأسيس لمشروع وطني. إن الأمر الجوهري في المصالحة الوطنية، هو اتفاق طرفين أو أكثر من أبناء المجتمع على تنحية الخلافات القائمة، وقبول الأمر الواقع، وإبعاد الأحقاد والعمل بالتسامح، من دون الاتفاق على أسس جديدة ثابتة واضحة، تعالج أسباب الخلافات ومواقع الخلل في العلاقة القائمة، والاكتفاء بوقف التحارب وإيقاف العنف، وعودة كل شيء إلى ما كان عليه؛ الامر الذي يعني عودة الامور الى نصابها من دون تغيير أو تبديل، وتجاهل عوامل الهشاشة وعدم التوازن والخلل التي كانت قائمة وكانت سبباً للأزمة.
يختلف مفهوم التسوية التاريخية في التعريف وفي الواقع اختلافاً نوعياً عن مفهوم التّسوية السّياسية التي تقود الى المصالحة الوطنية مؤقتاً، ومع أن الدوافع لكل منهما هي دوافع واحدة إلا أنها لا تقود إلى النتائج نفسها، ذلك أن للتسوية التاريخية شروطاً ومعايير ومفاهيم علمية وسياسية، من شأنها مواجهة أي أزمة أو مرحلة تاريخية على أسس ثابتة، وإقامة بنيان راسخ من شأنه أن يعالج أسباب الأزمة، ويستوعب إشكالياتها، ويجنب شركاء التسوية مستقبلاً أي خلل، يتيح لها أو لأزمة أخرى أن تطل برأسها من جديد.
من يتتبع تاريخ العالم وأحداثه، سيلحظ بسهولة أنه تاريخ مليء بالتسويات، سواء على نطاق الدول أو على نطاق الحركات السياسية المختلفة داخل كل بلد. ولقد أعطى علماء التاريخ والاجتماع تعريفاً لمفهوم التسوية ينطبق على كل الأزمان والعصور التاريخية. وينطلق هذا التعريف من تحديد مواقع القوى المتصارعة وعدم إمكانية أي طرف من أطرافها على تحديد/تحقيق انتصار حاسم. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، مقدار ما تقدمه التسوية من حل مسائل مستعصية على القوى لم تستطع حلّها بصورة جذرية. أي بصورة تخدم مصالح هذه القوة أو تلك. وباختصار.. يمكن القول إن التسوية تمليها ضرورات محددة متعلقة بتوازن القوى الداخلية أو العالمية، وعدم إمكانية إحداث تغييرات جذرية لمصلحة هذه الدولة أو تلك، أو لمصلحة هذا الفريق أو ذاك
تدّعي السّطور هذه وتُحاجج ؛ أن المفارقة تكمن في أن الوضع الاقتصادي الهش والذي افرز واقعاً أمنياً خطيراً كنتاج لهشاشة وضعف الهيكل الاقتصادي بالبلاد، قد يؤدي الى تمديد فترة الانتقال مع عدم انجاز أي مشاريع في سياق بناء الوطن، خاصة وان انفلات الامن يفرز العديد من المشاكل الجديدة أو ما أسماه بول رو " بمأزق الأمن المجتمعي”، والذي يعني ظهور مظاهر الاحتقان، التفكك، الفوضى الأمنية، الاضطرابات المجتمعية أو أي شكل آخر مقوض للأمن المجتمعي المصاحبة لعملية التحول والانتقال من وضع الى وضع. إن المستوى الأكثر تعقيدا، هو المستوى اللاحق لتطور الأحداث المحدد في ميل الأراء وهي قوية نحو مطالبة تدخل الجيش لحسم المشاكل السياسية بالوسائل العسكرية، كحاجة أكثر واقعية وإلحاحا للناس العاديين من الديمقراطية نفسها. خاصة إذا لم تتوفر قيادات ذات كفاءة في إدارة المرحلة الانتقالية أو تكون بديلا جيدا للنظام المُباد.
لا مجال سوى مجال واحد وهو الاتجاه نحو التسوية التاريخية ؛وهو طرح أملته عوامل موضوعية مرتبطة بتوازنات القوى، ومرتبطة بالسياسة والقدرة على استخدامها بذكاء. إنها مرتبطة بفن الممكن، إن كل القوى والأحزاب السياسية الجدية تقوم بتسويات سياسية.. ومن حيث المحصلة، إن هذه التسويات المبنية على توازن القوى تخدم بصورة عامة مسيرة التطور الاجتماعي والسياسي. إن أهمية استيعاب هذه المسألة ضرورية جداً في النضال السياسي، وهي حاجة ملحّة لنا جميعاً تبرز أهميتها بصورة أوضح في التعامل مع الأزمة السياسية التي تعيشها بلادنا حالياً.فهل من مجال لتسوية تاريخية تخرج بلادنا من مأزقها.

*مراجع:*

1. التسوية التاريخية والمصالحة الوطنية – حسين العودات- صحيفة البيان 2013.
2. التسويات السياسية تمليها ضرورات تاريخية. محمد الزبيدي – العدد 705 صحيفة النور اصدارات الحزب الشيوعي السوري الموحد 2018.
3. الازمة الايدلوجية العربية وفاعليتها في مسارات الانتقال الديمقراطي ومالاتها – سهيل الحبيب – المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات – بيروت الطبعة الاولى 2017.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.