في يوم السبت ١٩٦٤/٧/١ كان ال ( Assembly ) الشهير بقيادة وكيل المدرسة الأستاذ ونجت برسوم الذي كان يحلو للطلاب مداعبته بمحاكاة صوته وكان يبادلهم الدعابة في جو تربوي فريد ... تخيلوا اجتماع السبت الذي يؤمه المدير أو الوكيل وأكثر من ٦٠ معلما في كافة التخصصات والف طالب كلهم في صعيد واحد في جلسة تربوية تتم أسبوعيا ...
أول يوم لفتح المدرسة كان يوم الجمعة وليس السبت واليوم التالي دق ناقوس الجد والاجتهاد وسار اليوم في وداعة وسلاسة ولم يتغيب استاذ قط ولم تكن هنالك أي مشكلة لا في الفصول ولا ( السفرة ) حيث الطعام متوفر علي مدار الوجبات والشاي في الصباح ... وفي المساء عقب المذاكرة والعشاء يخلد الطلاب للنوم عند العاشرة مساء حيث تطفأ الأنوار ...
من أول يوم بل من أول ليلة تعلمنا النظام واحترام المواعيد والجدية في العمل والمسؤولية الكاملة ...
حنتوب هذه المدينة المدرسية الرحبة كانت تتكون من عشر داخليات خمس منها شرقية والاخريات غربية وكان التنافس الشريف بينها محموما في كل ضروب النشاط أكاديميا كان ام رياضي .. وعلي ذكر الرياضة فإن جدول النشاط علي مدار العام يعلق بلوحات اعلان الداخلية وفيه تبيان لمواعيد الأنشطة المختلفة محدد بالتواريخ منذ بداية فتح المدرسة في أواخر يونيو وحتي منتصف مارس بداية العطلة الصيفية ... ولم يحدث أن اختل هذا النظام طيلة فترة وجودي بحنتوب منذ العام ١٩٦٤ وحتي تخرجي في مارس ١٩٦٨ ...
كانت حصص التربية البدنية مضمنة في الجدول العام ويضطلع بها أساتذة متعاقد معهم من مصر الشقيقة إذ لم يكن بالسودان معهد عال للتربية الرياضية إبان تلك الفترة ...
كانت الرياضة بكافة أشكالها وأنواعها مزدهرة في السودان لأن المدارس كانت تهتم بالرياضة وكانت الدولة توفر كل الاحتياجات ... وكرة القدم رغم شعبيتها الجارفة لم تكن هي المنشط الذي له القدح المعلي وكانت في تنافس محموم مع كرة السلة وألعاب القوى ولا ننسي في حنتوب سباق إختراق الضاحية ( Cross country race ) الذي يشارك فيه الف طالب هم مجموع طلاب المدرسة ليحتكر الفوز به علي ايامنا طالب اسمه عبدالله السيد أصبح فيما بعد من كبار رجال الشرطة البواسل وكان وهو مازال طالبا يمثل السودان في هذا المنشط وما زلت اذكر استقبالنا الحافل له عقب اي نصر كبير بحرزه للسودان الحبيب .
وكان لا بد لاي حدث هام وخطير يظهر في الخرطوم أن ينتقل أثره للاقاليم وكانت مدني الأقرب للخرطوم ... عندما تفاقمت الأمور في جامعة الخرطوم ووصلت حد الصدام بين الجيش والطلاب استشهد القرشي فكانت الشرارة التي أشعلت ثورة أكتوبر ...
تحت جنح الليل تحرك أعضاء إتحاد حنتوب نحو الداخليات يوقظون الطلاب ليقوموا بواجب المشاركة في الثورة ضد السلطة العسكرية التي جثمت علي انفاس الشعب سنين عددا ... وفي لحظات كان ألف طالب يجلسون القرفصاء تحت شجرة الإضراب الشهيرة وانتظم في الحال حفل خطابي تليت فيه القصائد النارية والكلمات القوية مثل مدفع سريع الطلقات ...
توجه المعلمون الي مكاتبهم ليجدوا المدرسة خاوية علي عروشها وحان وقت الافطار فلم يدخل الطلاب ( السفرة ) وعزفوا عن تناول الطعام طيلة ذاك اليوم المشهور من شهر أكتوبر ١٩٦٤ ...
وبما أن الإتحاد وكبار الطلاب كانوا علي درجة كبيرة من الوعي والنظام فقد أرسلوا منذ الصباح من يثقون فيهم الي مدني عن طريق النيل بالمراكب الشراعية لإحضار الطعام للطلاب الذي كان يتكون من التمر ...
كنا في الصف الأول وهذه أول تجربة لنا مع حدث ضخم كهذا وقد ضحكت كثيرا مع غيري من صغار الطلاب عندما جاء أحد الطلاب الكبار من جهة النيل وهو يدفع أمامه حمارا يحمل جوالا من التمر ... ومازال اسم حمزة محمد حمزة في الذاكرة ذاك الفدائي الشجاع ...
حل المساء ورجعنا للداخليات لنري ماذا سيكون مصيرنا في الصباح .
يبدو أن الأمر قد صدر بإغلاق المدرسة وإرسال الطلاب الي ذويهم ... فما أن اشرقت شمس اليوم التالي إلا ورأينا مفتشي الداخليات يسلمون تصاريح السفر لطلابهم ...
نواصل .

حمدالنيل فضل المولى عبد الرحمن قرشي .
خريج حنتوب ١٩٦٨ .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.