بسم الله الرحمن الرحيم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مشاكل الدولة السودانية لم تبدأ مع الانقاذ، ولكن الانقاذ جعلت ما هو ممكن وقابل للحل، يستحيل حله. وذلك يرجع بشكل اساس لانفصالها كوعي عن مفهوم الدولة، وكحضور وحساسية عن المجتمع. وهذا ما جعلها تستبدل التواضع بالغرور والواقع بالانكار والحقائق بالمغالطات والجدية بالاستهتار والمسؤولية بالاستهانة. وبتعبير مختصر، جعلت الدولة والمجتمع في خدمة الفكرة واتباعها! والحال ان الفكرة مجرد اوهام وترهات، والاتباع شديدي الشره وانفعالات الغرائز. لذلك ليس مصادفة ان تطال حياة الترف والبذخ جنرالات الجيش المؤدلجين وقادة المليشيات المسلحة ورؤساء الاجهزة الامنية والشرطية!
وبناء علي اعلاه يستبين، ان شدة الاحساس بالذات وامتلاك القدرات الخارقة واحتكار الوعي والقوة، هو ما يبني جدار الانفصام بين السلطة وشعبها. وحالة (الانفصام) بدورها تفرز شرخ عميق، من انعدام الثقة بين الطرفين، وعلاقة يحكمها الكره والتربص. والحال كذلك، من اسباب نهوض الشباب بثورتهم الباهظة الاكلاف، هو معالجة حالة الانفصام بين السلطة وشعبها. وتاليا رد الاعتبار للدولة والحرية للمجتمع ليقرر مصيره بنفسه. اي احداث قطيعة مع فرض الوصاية، الذي يعيد انتاج دورة الانفصام من جديد، والمعبر عنها بممارسات نظام الانقاذ. وعليه، الاشكالية مع نظام الانقاذ يجسدها احتكار الصاح، وتاليا الحق في اتخاذ القرارات المصيرية منفردا. والحال هذه، نجاح الثورة السودانية، يحدده كسر علاقات الوصاية والنزعة الاحتكارية، وانهاء الارتباط نهائيا مع وهم امتلاك الحكمة وفصل الخطاب! لانه في الاصل ليس هنالك حكمة ولا فصل خطاب، وانما علاقات مصالح وتوازن قوي، يتم صوغها في دعاوي وشعارات، لتبرير السلطة والاحتكار والاستغلال. ولذلك لا معني لاي شعارات او مواقف او اقوال لا تصب في الاتجاه التحرري مباشرة، غض النظر عن المتحدث او المسؤول او ايَّا كان موقعه في الدولة.
وباستصحاب ما ذكر اعلاه، يمكن القول باطمئنان ان حمدوك يعيد انتاج علاقات الانقاذ، سواء من ناحية الوصاية او احتكار القرارات المصيرية، فيما يخص هامش السلطة الذي يتحرك فيه، وان توسل الي ذلك مسوح ورتوش اممية. اي كان كل ما انجزته الثورة هو استبدال الوصاية الدينية بالوصاية الاممية! وهنالك عدة مؤشرات تؤكد ذلك منها:
اولا، حمدوك لم يكن جزءً من الثورة في اي لحظة من اللحظات، سواء قبلها من خلال اتخاذ مواقف حازمة ضد نظام الانقاذ، بل العكس هو ما حدث من خلال التواصل عبر الوسطاء بينهما! او اثناء قيام الثورة الممتدة ما يقارب نصف العام! او بعد نجاح الثورة وهو يهبط عليها من علٍ، ويحتل مقود قيادتها من دون اي مؤهلات سياسية، ولا حتي مجرد تواصل حقيقي مع الثوار (لم تغبر اقدامه ساحة الاعتصام)! ويبدو ومن ضمن اخطاء لا تغتفر وقعت فيها الثورة، انها اول ثورة في العالم يقودها من ليس له صلة بها! اي حمدوك غريب الوجه واليد واللسان فيما يخص الوعي الثوري وما يترتب عليه من تغيرات ذات طابع جذري. وهذا الامر ليس ذو دلالة بسيطة، ولكنه ترك اثره الحاسم علي طريقة ادارة حمدوك للثورة، وحَكَم طبيعة تطلعاته السياسية. وهو ما تمظهر في إستعاضة الاشتباك مع مشاكل الداخل من موقع استقلال ومسؤولية وكرامة وطنية وفرتها له الثورة، بوضع كل جهوده وتصوراته في سلة الخارج، وما يستدعيه ذلك من تبعية، جهدت الثورة في التخلص منها. وبتعبير حارق يمكن وصف الحالة، الثورة التي قدمت تضحيات جسيمة طلبا للحرية والاستقلال، وقعت في فخ قائد لا يفتقد الحرية (الاستقلالية) فقط، ولكنه ادمن العمل بناء علي اوامر او مشاريع او برامج تاتيه من اعلي! اي اقصي ما يملكه من مواهب وطاقات هي اداء دور الموظف الكفؤ، وهو يختلف كثيرا عن دور القائد الملهم الذي تحتاجه الثورات لاكمال الانتصار. اي ما كانت تحتاجه الثورة ليس الموظف الذي تصنعه البرامج، وانما القدوة التي تصنع البرامج (الرؤي) التي تتجاوب مع نبض الثورة. والحال كذلك، اصغر ثائر هو افضل من حمدوك وبما لا يقاس.
ثانيا، ابسط مترتبات اي ثورة ناجحة، هي الشفافية فيما يخص القرارات المتخذة، وقبلها آلية اتخاذ القرار ووجهة هذا القرار. ورغم ان حمدوك ومنذ قدومه بشرنا بالشفافية ودور الاعلام المحوري، إلا انه عمل عكس ذلك تماما، وهي خصلة انقاذية بامتياز! ولكن من اين لنا بالشفافية وكل ما يخص حمدوك يحيطه الغموض؟ يحكون عن ماضيه اليساري هو يتمرغ في حضن الليبرالية الاقتصادية المتوحشة! يشاع عنه التخصص في اصلاح القطاع العام، هو يرتهن لسيطرة راسمالية طفيلية داخلية وخارجية وعسكرية تمارس الاحتكار والاستغلال في نسخه الاكثر بشاعة! والاسوأ من ذلك، انه اوكل لها حق التصرف في حاجات البلاد الاساسية! والسؤال والحال هذه من يحكم من؟ وقبل كل ذلك لا يعرف حتي الآن من الذي اتي بهذا الحمدوك؟ وتاليا يرتهن له في قراراته! ولكن المؤكد ان شعارات الثورة ومطالب الثوار هي آخر ما يشغل هموم حمدوك! هل نحتاج لدليل اكثر من مضي نصف الفترة الانتقالية، وشعارات الثورة تتساقط كاوراق الخريف! والثوار الحقيقيون ومناصروهم هم الاقل قدرة والاضعف تاثير علي حكومة ثورتهم!! بل ما يثير السخرية حقا، ان التناقض الاكبر اصبح بين الثوار والقوي الثورية في الحرية والتغيير، وبين حكومة حمدوك، التي يُدعي زورا وبهتانا ان قوي الحرية والتغيير هي من اتت بها؟!
ثالثا، اثبتت الايام الماضية ان حمدوك يعمل من خلال وجوده في هذا المنصب، الذي تم تغبيش وعي الثوار من خلال الدعاية الموجهة والانشطة المكثفة، للقبول بوجوده في هذا المنصب، كراس رمح للثورة! ليس للتعبير عن شعارات الثورة، وتجسيد مطالبها في شكل برامج يتم تنزيلها علي ارض الواقع! ولكن لحرفها عن مسارها، والتصدي لطموحات وتطلعات الثوار، في احداث تغيير حقيقي، يعيد الاوضاع الي نصابها، والتوازن للعلاقات التي تحكم مؤسسات الدولة ومكوناتها الاجتماعية، وعلي راس ذلك توجهات الدولة الاقتصادية. والحال كذلك، حمدوك يجسد بهذا الدور سرقة للثورة بقفازات اممية، وتحالفات مشبوهة من خلف ظهر الوثيقة الدستورية مع اعداء الثورة، وعلي وجه الخصوص المكون العسكري. اي بصريح العبارة، حمدوك شريك اصيل في تحييد قوي الثورة الحقيقية، بمطالبهم المشروعة في اعادة ترتيب الدولة السودانية علي اسس حديثة، لصالح مؤامرة الهبوط الناعم التي تحافظ علي ذات العلاقات الاحتكارية والاستغلالية والخارجية السابقة، مع تغيير طفيف يطال كابينة القيادة.
رابعا، رغم ان هنالك شبه اجماع علي تغيير العملة، وولاية وزارة المالية علي المال العام، وتفكيك قبضة الاسلامويين علي المؤسسات المالية والاقتصادية، وقبل ذلك التخلص من ثقافة الانشطة الطفيلية لصالح الانشطة الانتاجية، وتوزيع ثمار التنمية علي كافة البلاد، مع التركيز علي المناطق والمجتمعات الاكثر تضررا، طوال الفترات الماضية. خاصة وحمدوك كما يشاع عنه ذو خلفية اقتصادية، وتجارب طويلة في احداث تحولات جذرية، في احوال بلاد ذات ظروف مشابهة لاوضاع الدولة السودانية، مع فارق توافر الموارد في الدولة السودانية. إلا ان كل المؤشرات والادلة تؤكد ان حمدوك، وبكل هذه الخبرات المزعومة، لم ينجز اي شئ مما سبق ذكره، بل لم يقدم مجرد مشروع اقتصادي طموح، ناهيك عن تصور للطريقة التي تدار بها البلاد! اي بصراحة لم يقدم ما يشفع له البقاء في هذا المنصب من وجهة نظر ثورية! بل للمفارقة، يستعصم للهروب من هذه الاستحقاقات، مرة بالصمت والانزواء بعيدا عن الجماهير، ومرة بالاختباء خلف مستشاريه ومدراء مكاتبه (تكية الاصدقاء والمقربين)، ومرات عديدة بخطاب عاطفي اجوف عن العبور! لدرجة اصبحت هذه الكلمة موضع تندر علي ضعفه وعجزه وخيبة امل الثوار فيه! اما الاسوأ من كل ذلك، انه اتبع وقع الحافر سياسة المخلوع البشير ومنظومته الامنية في ادارة الشئون السياسية والاقتصادية! اي الاعتماد علي ذات الانشطة والممارسات الانقاذية في التعاطي مع الكارثة الاقتصادية! اي كان حمدوك يبحث عن العلاج بذات الادوات التي ادت للكارثة! ليرجع لسياسة رفع الدعم واخيرا تعويم العملة، كاستجابة لشروط الصندوق والداعمين الخارجين، واوهام صيدهم الثمين في آخر المطاف، الذي لن ياتي ابدا لحكومة مستسلمة امامهم كليا! اي ليس هنالك ابداع وتفكير خارج الصندوق، بالاعتماد علي الذات، في ظروف ثورية انتجت حالة/قوي ثورية، قابلة للتحمل، اذا آمنت بجدية المشاريع وصدقية القادة! كالتقشف علي الانفاق غير المنتج، وصنع سلام حقيقي توجه له نفقات التسلح والحروب، وكذلك استغلال قدرات وامكانات الاجهزة العسكرية، في تاسيس البني التحتية وغيرها من الانشطة الانتاجية، وكسب ثقة المغتربين بتوفير محفزات استثمارية جاذبة لمدخراتهم. وقبل ذلك تقديم القائد لنموذج ثوري، في التواضع ومشاركة الشعب ما يعانيه! اي بكلمة واحدة، ليس هنالك اثمن واغلي واضمن من ثقة المواطنين في الداخل للاستثمار فيها. وهذا ما لن يمر لا بالاعتماد علي الخارج، ولا بالتحالف مع القوة العسكرية او المليشاوية او الحركات المسلحة، كما يراهن حمدوك لبقاءه في منصبه.
وبالرجوع لموضوع الدعم او تعويم العملة، يصح عملية الدعم في بلاد مثل السودان، ليس لسلطة حمدوك الضعيفة، سيطرة علي اجهزتها الامنية والشرطية، ولا تعاون جاد من اجهزتها العدلية والقضائية، هو كمن يسرب موارد الفقراء لعصابات طفيلية، تزداد توحش مع زيادة الدعم ومرور الايام! إلا ان ما يجعل رفع الدعم هو جزء من حالة العبث والفوضي التي تقود الدولة الي المجهول، ان ما يوفره الدعم لا يذهب للتنمية او خدمات المواطنين كم زعم كاذبا البدوي، ولكنه يذهب لذات التشوهات الاقتصادية، التي يجسدها جهاز الدولة المترهل، وبالخصوص حكومة الترضيات التوسعية والاجهزة العسكرية والمليشاوية غير المنتجة. اي توجهات الدولة الاقتصادية، تذهب لحماية ورفاهة السلطة الحاكمة، وليس عامة المواطنين، وهذا للمفارقة عين ما كانت تمارسه الانقاذ، وقامت ضده الثورة! وغير ذلك، هنالك بدائل اقتصادية مطروحة من قوي التغيير الثورية، ولكن حمدوك يضرب بها عرض الحائط، بعد ان يقدم وعود مزيفة بالاستجابة لها! كنوع من العزة بتمسكه بآراءه وتصوراته الخاصة، غض النظر عن جدواها او كلفتها الاجتماعية والسياسية والامنية، في مجتمع مُدقع لم تتبق له مساحة للصبر علي تجريب المجرب، او التحمل للمعاناة التي لا يبدو لها آخر، وكان شعبنا كتب عليه حمل صخرة سيزيف (اخطاء الساسة وعجز النخب وكوارث العسكر).
خامسا، لو كان حمدوك يضع اعتبار للثورة ومطالب القوي الثورية، لجعل لرايها قيمة في كل قرار كبير يتخذه. وهذا المدخل لتاثير الثوار في توجهات الفترة الانتقالية، كان متاح في نصوص الوثيقة الدستورية، من خلال تكوين المجلس التشريعي من القوي الثورية، لتصبح ليس مشاركة بالحوار والرقابة ولكن داعمة لحكومة حمدوك ايضا! ولكن ما يثير الحيرة بل والشُبهات حول حمدوك، انه ماطل في هذا الاستحقاق بحجج واهية، لتستبين لاحقا انها جزء من تواطؤ او حلف بين العسكر والحركات المسلحة وحمدوك وقوي الهبوط الناعم، لتصفية الثورة والحلول محلها، لاعادة انتاج علاقات سيطرة مجموعات بسيطة بمساعدات خارجية، علي كافة موارد البلاد وسلطاتها، كما سبق وذكرنا. ويمكن هذا ما يفسر استهانة حمدوك بمطالب ومواكب الثوار واطروحات قوي التغيير الثورية (غير قوي التغيير الهبوطية) بصورة متواصلة. لدرجة في كثير من الحالات والمواقف يصعب التمييز بين حمدوك والبشير، واحتمال هذا ما جعل محاكمة البشير اقرب للملهاة الماساة، منها للمحاكمة الجادة، علي قدر الاجرام الذي تواصل لثلاثة عقود.
سادسا، السلام الذي بشر به حمدوك ويتظاهر به احتفاليا قادة الحركات المسلحة، تم بطريقة اقرب للمؤامرة من خلف ظهر الثورة، ولذا لا حرب في مناطق النزاعات اوقفها، ولا موارد تُهدر في الحروبات تم توفيرها او توظيفها في خدمة قضايا السلام نفسها! بل كل ما قامت به، تكريس قبضة العسكر والمليشيات وقادة الحركات المسلحة علي السلطة وتقاسم الموارد بينها، علي حساب بناء دولة المواطنة التي يستوي فيها الجميع. اي سيادة منطق العنف (دولة الارهاب) علي حساب ازدهار السياسة وعمران البلاد (الدولة المدنية)! وهو ما يعني عمليا اهدار دماء الثورة في المحاصصات والحسابات الصغيرة والدخول من جديد في نفق حالة الانفصام السالفة الذكر، ولكن هذه المرة تحت رحمة الدوشكا والبندقية. وفي ذات السياق، لا وجه للاعتراض علي رفض عسكرة المدن وحشوها بالمليشيات والجيوش (تثكين المدن) لكل من ارتضي او حلم بالدولة المدنية، التي شقت حلق الثوار بهتافهم الشهير مدنيااااااو، وإلا تصبح المطالبة بالدولة المدنية والديمقراطية والحريات العامة، مجرد وعي زائف تتساكن فيه المتناقضات. اما تصوير الاعتراض علي عسكرة ومليشت المدن، من زاوية عنصرية، فهو ينقل الراي ووجهة النظر من ساحة النقاش والموضوعية، الي ميدان الهواجس والترسبات السلبية التاريخية والمعايير الذاتية. ولا يعني ذلك نفي لوجود العنصرية او ضرورة التصدي لها، ولكن بالمقابل لا يعني السماح بتوظيف الاخطاء التاريخية كسيف مسلط من ناحية، وآلية ابتزاز من ناحية مقابلة، للانتصار في قضايا او مطالب، علي حساب شمولية القضايا والمطالب، والاهم تماسها مع قضية سلامة الدولة ذاتها. والدليل نفس سلاح التهميش والمناطقية الذي رفعته الحركات المسلحة في رؤيتها للازمة الوطنية، افرز ردة فعل مركزية، بالارتداد للمكونا الاولية، للحصول علي ما تعتقد انه مطالب وحقوق تم التغول عليها!! ومؤكد ان هذه المسالك الاخيرة غير صحيحة، ولها عواقب وخيمة علي كيان الدولة واحتمالات تعريضه للتشظي المناطقي والقبلي، وهذا غير انه يحرف القضية الاساسية (بناء دولة حديثة، يحتوي كل مكوناتها الاجتماعية عقد المواطنة) عن مسارها، ان لم ينسفها من الاساس! ولكن بالطبع آخر من يحق له الاعتراض عليها، هم حملة السلاح ورؤية التهميش للازمة الوطنية. اقلاه من باب الاتساق مع الذات، علي طريقة لا تنهَ عن خلق وانت آتيه!
وللاسف كل ما حدث منذ قيام الثورة يؤكد ان هنالك استهداف لها من ايادٍ خارجية، وليس هنالك ما يمنع الشكك ان حمدوك جزء من هذه اللعبة، بعد هذا الاداء المخيب للآمال الذي اداه، خاصة وهو يصم آذانه عن كل مناصحة جادة! وذلك رغم التاييد الخرافي الذي وجده، وفي ظروف مواتية يصعب ان تتكرر في الوقت القريب! وسبق ان ذكرنا ان شخصية حمدوك الغامضة وشهرته المفاجئة في هذا التوقيت، تثير من الاسئلة اكثر من الاطمئنان؟ لنصل اخيرا مرحلة القفز لتعويم العملة، من دون القيام باشتراطات تخفف من وقع هذا القرار، علي اوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية وامنية هي من الهشاشة بمكان (حساب كلفة القرار من كل النواحي)! الشئ الذي يؤكد المرة تلو الاخري، ان اتخاذ القرار يحمل الصبغة الفردية وشبهة الوصاية علي البلاد! والاسوأ انه ياتي استجابة لضغوط خارجية لها منظور محدد لهيكلة الاقتصاد! اي بدل ان تكون الظروف والاولويات الاقتصادية الداخلية، حاكمة للتوجه الاقتصادي، يُفرض علي هذه البيئة الاقتصادية البالغة التدهور (غير المرنة)، ان تُكيِّف نفسها مع وصفات اقتصادية خارجية، لها منظورها وحساباتها الخاصة. وكان الاقتصاد رغم انه علم البدائل، يحمل وصفة واحدة لا غير؟!
ويصح ان الدعم من وجهة نظر اقتصادية بحتة هو تشوه، ولكن السؤال لماذا وصلت دولة غنية بالموارد، لمرحلة دعم الانشطة الحيوية كعبء لا قدرة لها به، او بتعبير آخر لماذا لم يحدث اكتفاء بل وفوائض ترجح كفة ميزان المدفوعات او تمنع عجز الموازنة؟ وهذا يقودنا الي ان العلة تكمن في سوء ادارة الموارد، كانعكاس لسوء الاداء السياسي، وعلي وجه الدقة جهاز السلطة، خصوصا منذ دخول العنف ممثل في المؤسسة العسكرية ساحته، سواء تم ذلك بتوظيفها يسارا او انحرافها يمينا (كوصاية ايديولوجية)، او بصورة مستقلة من خلال تطلعات قادتها (وصاية عسكرية). ولذلك يستحيل اجراء جراحة اقتصادية ناجحة او معالجة سياسية جذرية او اصلاح من اي نوع كان. دون المرور بمرحلة التخلص من العلل الاساس! اي طالما لم تتغير لا العقلية ولا الطريقة ولا النهج الذي تسبب في كل تلك الكوارث، سنظل ندور في حلقة مفرغة من تكرار الاخطاء واهدار الفرص! وهو عين ما تقوم به حكومة الفترة الانتقالية! وما زاد الطين بلة، وبدل التخلص من نفوذ المؤسسة العسكرية الذي اضر بالحياة السياسية ايما ضرر، اضيف له نفوذ المليشيات والحركات المسلحة، وانكشاف كامل امام التدخلات الخارجية.
ورغم ان الثورة برزت للوجود كامل تغيير جذري يضع حد للاخطاء وتجارب الفشل علي ذات المنوال. وتاليا يفتح المجال امام تجارب جديدة باساليب جديدة، قادرة علي احداث اختراقات في مشروع بناء الدولة وحفظ كرامة وحقوق المواطنين. والاهم، معرفة وتجاوز الاخطاء بكل مرونة واقل كلفة، وهو ما يجسده مطلب الديمقراطية. إلا ان من يتولون زمام امرها لا يؤمنون بذلك، وتاليا لا يخضعون لتطلعاتها المشروعة! وعليه، من يدعم الثورة بحق، هو من يقطع مع تلك المسيرة التاريخية الملطخة بالاخطاء والكوارث، ويؤسس لاوضاع جديدة قائمة علي المشاركة الجماعية في الشان العام، وفرض الرقابة علي من يتطلع للقيادة. وليس اعادة انتاج الوصاية عبر اتخاذ القرارات المصيرية بواسطة نخبة صغيرة ومن خلف الابوب المغلقة، وبالتاكيد لصالح شريحة ضيقة من جهة، ولارضاء من يوفر لها الحماية والبقاء من جهة مقابلة. وهنا تحديدا تستبين حقيقة من يتولون السلطة في شقها المدني، اما الشق العسكري فلا يحتاج لاختبار!!
واخيرا
الكلام علي حمدوك ينسحب علي حكومته، اما دعم الثورة والوقوف مع الثوار، لا تعبر عنه صور عابرة ودعائية مع اسر الشهداء، ولكنه يعبر عن نفسه، بجعل شعارات الثورة، قِبلَة الحكومة التي تصلي عليها. ودمتم في رعاية اللة.