* قريبي يتفاءل كما يتفاءل غيره من غمار الناس في السودان.. وضوء تفاؤلهم ينبثق من كوة فحتها بعض انفراجات لمسوها في بعض السلع ومن قرار تعويم الجنيه السوداني، رغم ما يسببه التعويم من فراغ كبير في (قفة الملاح).. ومن إرتباك يومي في المستشفيات والصيدليات.. ومن اضطراب حسابات تعريفة المواصلات ومصاريف المدارس العامة والخاصة.. ومن ضيق يومي فوق ضيق في الكثير من سبل العيش في السودان..

* إنهم يتفاءلون، فليتفاءلوا بعد معاناة في الوقوف التي كانت تقطع الليالي متراصة لميل أو ميلين، أمام المخابز للحصول على حفنة من الخبز أو أمام طلمبات للحصول على وقود السيارات ومثلهما أمام نقاط بيع أنابيب الغاز..

* يتفاءلون لأن صفوف الخبز قد تلاشت كما تلاشت صفوف البنزين شيئاً ما.. أما الغاز، فيتفاءلون بمجيئه.. ولا يبالون بضيق العيش في جوانب كثيرة أخرى.. بل يسترسلون في التفاؤل متكئين على مقولة:- ( إن بعض الشرِّ خيرٌ من بعضٍ!)..

* يا لذاك من تفاؤل أتى محمولاً على جناح (عقيدة الصدمة) المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالكوارث التي تضرب المجتمع وتزلزل كيانه حتى إذا بلغت أقصى مداها، تضاءلت مطالب المجتمع.. واكتفى الفرد بالتعايش مع واقعه الأليم في رضىً تام عن ما كان يرفضه في السابق..

*لقد ساهم بنو كوز مساهمة فعالة في نجاح (صدمة الكوارث) هذه أثناء سعيهم المبكر لإسقاط الحكومة الانتقالية.. وساهم جنرالات المجلسالسيادي في هذا النجاح بالتخطيط لإفشال المدنيين، شركائهم في الحكم، فما فتئ الجنرال البرهان يلقي أطنان من اللوم على الشق المدني من الحكومة.. وما انفك حميدتي يصرح عن فشلها بأقسى ما سمحت له عقيرته أن يصرح.. وما غادر الفلول مواقعهم المميزة في الخدمة المدنية والعسكرية يعطلون منها سير الأعمال اليومية لإفشال الحكومة الانتقالية.. وما برح السماسرة والرأسمالية الطفيلية يشعلون نيران التضخم ويتلاعبون بأسعار صرف العملات الصعبة، بينما تلاميذ (مدرسةشيكاغو للعلاج بالصدمة) يخططون لرفع الدعم عن السلع الاستراتيجية وتعويم الجنيه.. ويتألم الشعب من نيرانهم الصديقة كما تألمه من نيران عدوة

* "وظُلْمُ القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً .عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ!"

* فكان أن تمخضت المخططات ثلاثية الأبعاد عن صدمة الكوارث المعاشة في الوقت الراهن، والعلاج يمضي وفق روشتة البنك الدولي.. وشتان بين العمل المخطط والعمل العشوائي حتى وإن أديا إلى نفس النتيجة

* لقد فعلت (الصدمة) فعلتها في
الشارع السوداني.. يتفاءلون الآن في رضىً بما كانوا يرفضون من ذي قبل.. ولا يعوون أن لعنة (صدمة الكوارث) قد حلت بهم عبر مماحكات ومطاولات في تحقيق أهداف الثورة في مواقيت تتناسب مع مجريات الأحداث، المحلية والاقليمية والدولية، بالتدرج الراشد..
* ولا بأس، بعد هذا السرد، من
الاقتطاف من بعض ما كتبتُ، قبل أشهر، عن عقيدة الكوارث
The Shock Doctrine "
The Rise of Disaster Capitalism "

للاقتصادية الكندية ناعومي كلاين والذي كشفت فيه أن هدف (نظرية الصدمة بالكوارث) هو فتح العالم المُحكَم الإغلاق لتزحف عليه جيوش الرأسمالية الغربية.. و يتوجب( حسب نظرية الصدمة) تدمير البنى الاقتصادية والاجتماعية المحلية المقفولة و اجتثاثها عبر (العلاج بالصدمة).. و أن ذلك هو الطريق الوحيد لاقتحام العالم المُحكَم الإغلاق كي تدخله الشركات العابرة للقارات بلا عوائق..
و في الكتاب شرح وافٍ للمشاكل السياسية و الاجتماعية التي عانت منها البلاد التي تعاطت مع (عقيدة العلاج بالصدمة) مثل روسيا و جنوب شرق آسيا و الارجنتين و تشيلي و البرازيل..
و تقول الكاتبة أن للكارثة المنية أشكال متعددة، فقد تكون انقلاباً عسكرياً أو إنهياراً في الأسواق المالية أو اعصاراً أو زلزالاً أو ثورة شعبية تطيح بأحد الأنظمة، كما هو الحال في السودان الآن.. و بوقوع الكارثة/ الصدمة يقدم صندوق النقد الدولي روشتة علاج لها.. و من ثم يتم تمرير ما لا تستطيع الحكومة تمريره من سياسات في الأحوال الطبيعية..)
* ومن ناحية أخرى يقول الرئيس الماليزي، مهاتير محمد قروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي:
"... عندما نقترض المال منهم- أي من البنك والصندوق- فإن الشرط الذي غالباً ما يفرضونه، هو أن تكون لهم يد في إدارة اقتصاد البلاد، ومواردها المالية."
إنتهى الاقتباس

* وقد يرد أحد السودانيين الذين حلَّت عليهم لعنة الصدمة قائلاً:-
" مش أخير من أن تدير مصر ودولة الإمارات اقتصاد السودان وموارده المالية؟!

* ربما أخير، لكن في كلتا الحالتين طعمُ كطعمِ الحنظل!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.