دارفور لمن يعرفونها جيداً – وهم كثر – كانت ولعهد قريب منارة للقرآن وداراً للسلام ومنبعاً لكل فضيلة وأدب وإخلاق. أما اليوم – وللأسف – فقد غدت أسداً جريحاً كسير الأنياب، يئن وحيداً في قفصه بينما تتساقط عليه السهام من كل حدب وصوب، فانطبق على دارفور قول الشاعر:
لو تراه علمت أن الليالي جعلت فيه مأتماً بعد عرس
ما الذي حدث؟
أعترف سلفاً بأني عاجز عن إدراك عمق الفاجعة بكل أبعادها، ذلك لأن فصولها لم تكتمل بعد، ثم لشعوري أيضاً بأن للأحداث ما بعدها من تداعيات اجتماعية واقتصادية وأمنية ليس فقط على صعيد دارفور ولكن على صعيد السودان بأكمله وربما امتدت للجوار الإقليمي.

رغم هذا العجز، ففي تقديري أن ما حدث يحتاج لدراسة نظرية/فكرية معمقة لا تقف عند تجليات الواقع المادي المؤلم كما هو ماثل أمامنا اليوم، بل ينبغي علينا تجاوز هذا الأفق الى آفاق أرحب تمكننا من استكناه منظومة المتغيرات التي أثرت في مسارات هذه المأساة التراجيدية التي تعد الأبرز في تاريخ الإنسانية.

الشاهد أن المرحلة التي مررنا بها كانت وما زالت مفصلية ودقيقة في تاريخ دارفور الحديث، بيد أن المساهمات الفكرية للنخب كانت ضعيفة ومتواضعة، إن لم تكن غائبة تماماً، إذ لم تتمكن هذه النخب من التقاط اللحظة التاريخية لطرح أسئلة كبرى أو تفكيك وتشريح الأحداث من منظور فكرى بعيداً عن المعالجات السياسية التي توقفت جلها عند إفرازات الأزمة.

عليه وإذ أناشد كافة النخب ذات القدرة على التأثير الفكري، التحرر من سلبيتهم التي دامت طوال الأزمة والانخراط في تدشين وإدارة حوار واسع رصين لفهم إستعصاءات ما حدث، أود من جهة أخرى الإشارة الى أن عنوان المداخلة يطرح فرضيتان فقط ولكن وبطبيعة الحال لا يغيب على القارئ أن ذلك ليس من باب الحصر أو القيد حيث أن هناك عشرات المحاور والفرضيات الأخرى التي تفسر ما حدث انطلاقا من المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها الباحث أو بناء على تجربته الذاتية.

أبدأ في القول بأن أكثر ما يزعجني وربما أي قارئ آخر متابع لتطور أدبنا السياسي منذ الاستقلال، نزعة الطبقة السياسية والفكرية السودانية، تسمية ووصف كل انقلاب أو انتفاضة أو مظاهرة طلابية أو تمرد أو عنف على أنها ثورة – تماماً كما نطلق لفظ الشهيد على أي قتيل – حتى أشكل على الجميع معنى هذه الكلمة القديمة الجديدة.

هنا استحضر بحثاً أكاديمياً رفيع المستوى قدمه الباحث الموريتاني "محمد دده" تحت عنوان "الحراك الجماهيري العربي ثورة ام صناعة لفرصة سياسية" نشر في كتاب "الربيع العربي الى أين؟" الصادر من "مركز دراسات الوحدة العربية" خلص فيه الى أن الثورة عبارة عن نقلة كبيرة على رقعة التاريخ العملاقة وان بناء اى ثورة – بالمعنى العلمى الدقيق لهذه الكلمة – يمر بثلاث مستويات:
(1) تحديد الغايات بشكل يجعلها قابلة لأن تكون محلاً لالتقاء أطراف متعددة حولها واتخاذ هذه الغايات مرجعاً للاحتكام عند اختلاف الثوار.
(2) استخدام وسائل وآليات تحقق هذه الغايات بشكل عقلاني كفيل بجعل التحرك نحو الهدف مسيرة واعية بالنتائج ومستحضرة للمسئولية الأخلاقية.
(3) خلق سبل كفيلة بحماية مكتسبات جماهير الثورة واحتواء محاولات الالتفاف عليها من قوى داخلية أو خارجية.

إن صحت هذه الخلاصة، يمكن القول انه ومن دون الوعي والعمل بهذه المستويات، فان أي انقلاب أو تمرد يسعى لتغيير الواقع، قد يكون أي شيء آخر إلا ثورة، لأن الثورة وبوصفها خروجاً على معطيات واقع رديء ومرفوض واستبداله بواقع أفضل ومقبول تتطلب هذا الوعي كشرط وجود وبقاء.

باختصار إذا اختل الوعي اختل التفسير وهو ما أدركه توفيق الحكيم بعد رحيل جمال عبد الناصر زعيم ثورة يوليو 1952 فأصدر كتابا بعنوان "عودة الوعي" معترفاً باستعادته لوعيه من دولاب التاريخ العالق في وحل استبداد عبدالناصر، وللمفارقة كانت رواية توفيق الحكيم الأولى "عودة الروح" الثيم الذى الهم عبدالناصر عند انقلابه.

ما ندعو اليه هنا هو ممارسة ذات جنس فعل توفيق الحكيم وإسقاط تجربته – مع فارق السياقات – على تجربتنا مع أحداث دارفور وبعبارة أخرى ممارسة شيء أقرب للنقد الذاتي بلغة أهل اليسار أو مراجعات فكرية حسب مصطلحات الإسلام السياسي ويقيني أن من لا يقبل النقد يخطئ كثيرا في إحداث تغيير فضلاً عن أن النقد المندغم بأفق فكرى مستنير سوف يتموضع داخل إعماق الثورة ليصقلها.

منعاً للإلتباس، أود التأكيد بأني أرغب في أن ينصب العصف الفكري على أخطائنا الذاتية نحن كأبناء دارفور لا على المؤثرات الخارجية رغم أهميتها وحيويتها.

ولأن الوضع معقد، يحتاج الى الكثير من الإدراك والقدرة على الوضوح النظري والفكري من جانب النخب التي تمتلك مثل هذه القدرات، أرى أن تكون محددات ومحاور هذا العصف مفتوحة من دون الالتفات لعنوان المقال الذي قصد منه فتح الباب لطرح تساؤلات فكرية كبرى علها تساعدنا على فهم ما حدث وتضئ لنا سراجاً ينير درب الأجيال القادمة فلا حدث ثوري من دون نظرية ثورية.
في الختام، فليسمح لي القارئ أن أساهم بسؤال واحد – من بين جملة التساؤلات العديدة المتوقعة إثارتها من قبل النخب – يتلخص في:

هل كانت القوى الاجتماعية والشعبية الحاضنة للأحداث والتي يقع عليها موضوعياً وذاتياً عبء النضال، كانت واعية بالأهداف وناضجة فكرياً بما يكفي للتصدي لمهامها التاريخية وتحمل أعضاء النضال؟

عبدالرحمن حسين دوسة
مستشار قانونى

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.