لم يعرف المصريون قيمة حسني مبارك الا الآن ... كان حسني مبارك يحمل أعباء متلتلة وثقيلة جدا ، ورغم انه كان جبارا عتيا كأي دكتاتور لكنه كان عادلا الى حد كبير ، لقد رفض حسني مبارك رفضا كاملا سياسة التحرير الاقتصادي التي كان صندوق النقد الدولي يشترطها عليه ، واستطاع حسني مبارك تقديم دعم كبير جدا للفقراء ، لقد بنى لهم ملايين من الوحدات السكنية الضخمة جدا في كل أطراف البلاد ، وكان الدعم المجاني لمواد الطعام من زيت وسكر وخبز وعدس وأرز وخلافه يقدم للفقراء..كانت انبوبة الغاز لا تتجاوز خمسة جنيهات ، أما الماء فكان مجانا للمناطق الفقيرة والكهرباء مدعومة للفقراء ، لقد اعتاد الشعب المصري وغالبيته من الفقراء على هذا الدعم الذي توفره الدولة ، والآن وقعت الاشكالية الكبرى فقد رضخت الحكومة المصرية وبدأت في تحرير فجائي جدا للاقتصاد وبدأت في عملية رفع متدرج للدعم الاقتصادي عن كاهل الفقراء ، صاحب ذلك بالتأكيد تأثيرات التحرير الحتمية كارتفاع الأسعار وضعف قوة الجنيه وارتفاع اسعار العملات وبالتالي ظهور السوق الموازي أو الأسود ، وصارت رغيفة الخبز بثلاثين قرش اي ثلاث ارغفة بالجنيه بعد ان كانت بخمسة قروش .. وصار سعر اقل ميكروباص كما يطلقون عليه سبعة جنيهات في الحالات العادية وقد يصل الى عشر في المواسم والزحام ، ارتفعت اسعار اللحوم والفراخ بشكل جنوني..في عام سبعة وتسعين كان كيلو الفراخ باثنين جنيه ونصف الان بلغ اربعين وخمسين جنيها ان لم يكن قد زاد عن ذلك ، مترو الانفاق كان بنصف جنيه اليوم ارتفع الى اثنان من الجنيهات ، أسعار الشقق ارتفعت ارتفاعا كبيرا جدا ، نسبة لارتفاع عدد السكان ، السياحة أخفقت تماما بسبب الارهاب المتواصل من الاخوان ومن تبعهم ، فرغم ان الارهاب في مصر بدأ منذ التسعينات ان لم أقل بدء من 30 يونيو 1989 تحديدا ، الا ان حسني مبارك كان يخفف من آثاره على السياحة بتوفير ضمانات أمنية لأفواج السائحين ناهيك عن سفرياته المتواصلة لأغلب الدول الغربية لحثهم على السياحة في مصر وتقديم دعم لشركات السياحة . 

سقوط حسني مبارك انهى دكتاتورية عقود لكنه في المقابل أنهى أشياء أخرى هامة.. فعلى المستوى الاقليمي صارت هناك سيولة سياسية على مستوى القيادة الشرق أوسطية ، مما جعل السعودية تحاول سد هذه الثغرة ، وعلى مستوى الاقتصاد فإن مصر لم تعد قادرة على تحدي صندوق النقد الذي كان يشجع دائما على اتباع سياسة التحرير الاقتصادي . كانت علاقة مصر مع أمريكا استراتيجية بكل معنى الكلمة ، وكانت هناك دول كثيرة تعمل الف حساب لهذه العلاقة ، الآن تراجعت مصر الى الخلف تماما ... وانزوت خلف الظلال .. وهي تصارع لكي تنجو بنفسها من مأزقها الراهن ..
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.