ورقة مستعادة من رزنامة قديمة

أسابيع وتهلُّ علينا ذكرى الاستقلال. وفي الحوار المطوَّل الذي أجراه د. حسن الجزولي مع فنان الشَّعب محمَّد وردي، بصحيفة "الميدان الغرَّاء، كشف الرَّاحل عن أنه كان قد رفض، ابتداءً، المشاركة في تدشين فعاليَّات "الخرطوم عاصمة للثَّقافة العربيَّة للعام 2005م"، كونه تشكَّك في الأمر برمَّته، رغم أن وزير الثَّقافة آنذاك، عبد الباسط عبد الماجد، حاول إقناعه بأن المقصود هو أن المهرجان مقام في إطار الجَّامعة العربيَّة، والسُّودان عضو فيها، وهي التي ستتولى الصَّرف على المناسبة! وعقَّب وردي على ذلك بقوله: "ياخي الدَّولة في الجَّامعة العربيَّة، لكن .. أنا شخصيَّاً لست عربيَّاً"! ومضي قائلاًً: "أعلنت أنني لست مؤمناً بذلك .. حضرت اجتماعاً واحداً وابتعدت"! ثمَّ دلف إلى أخطر جانب في حديثه ، بقوله: "في الافتتاح شاركت بدون اقتناع، غنَّيت جزءاً من نشيد (يقظة شعب) ، لكنني أضفت إليه كلاماً نظمته ارتجالاً بالرطانة قلت فيه: هذا موضوع مفروض علينا، وأنا لساني ليس عربيَّاً، لكنهم عرَّبوني رغماً عنِّي"! وأردف: "النُّوبيُّون كانوا مبسوطين جدَّاً" (الميدان؛ 28 أغسطس 2007م).

لقد حقَّ لوردي أن يتململ، كون الخرطوم، في الحقيقة، ليست عاصمة الثقافة واللغة العربيَّتين وحدهما، بل عاصمة التَّنوُّع الثَّقافي واللغوي. ومع ذلك إستدعت تلك الواقعة إلى ذاكرتي القرار الذي كانت اتَّخذته الحركة الشَّعبيَّة لتحرير السُّودان، مطالع الألفيَّة، في أحد مؤتمراتها بـ "كاودا" في جبال النوبا، بتحويل لغة التَّعليم والتَّخاطب lingua franca هناك من العربيَّة إلى الانجليزيَّة، فاعترضت على ذلك (راجع كتابنا بعنوان: الآخر ـ بعض إفادة مستعرب مسلم عن أزمة الوحدة المتنوِّعة في السُّودان، ط 1، منشورات رواق ومدارك، القاهرة 2006م، ص 141 ـ 233).

الواقعتان، معاً، آية في الأساليب التي يمكن أن تستخدمها لغات "الهامش" للاقتصاص لظلاماتها من "عربيَّة" المركز الظالم! وهذا ما حذَّرت منه الجَّبهة المعادية للاستعمار، وبالذَّات نائبها الأديب القاص حسن الطاهر زروق، منذ فجر الاستقلال، وما ظلَّ يحذِّر منه الوطنيُّون الدِّيموقراطيُّون وسط الجَّماعة المستعربة المسلمة في بلادنا، منذ ذلك الحين، مجاهرين بدعوتهم لإنصاف إثنيَّات "الهامش"، بتشجيع ازدهار ثقافاتها، واستخدام لغاتها في التَّعليم العامِّ، على الأقل، باعتبار ذلك مطلباً ضروريََّاً لتجاوز ميراث الاستعلاء الذى ظلَّ يُمارَس باسم هذه الجماعة لما يربو على خمسة قرون ، مِمَّا أفضى، ضمن عوامل أخرى، لكلِّ الحرائق التي اشتعلت في البلاد لاحقاً، وعلى مدى عشرات السَّنوات..

اللغة، لدى كلِّ شعب أو تكوين إثنىٍّ هي، بصرف النَّظر عن أىِّ تقدير آخر، نسق من الإشارات والرُّموز يتشكل، بالأساس، في سياق النَّشاط المادي لهذا الكيان، فيصوغ، من خلاله، بنيته الثَّقافيَّة الرُّوحيَّة. فاللغة هي ماعون الثَّقافة، ومن ثمَّ فهي صورة الفكر، والعاكس المعنويُّ لعلاقاته، والمعادل الموضوعيُّ للوجود كله، بل وأحد أهمِّ العوامل المؤثِّرة فى تشكيل الوعي الاجتماعي، كأداة للمعرفة من جهة، ولحفظ واستعادة القيم الرُّوحيَّة من جهة أخرى، أي كأداة رئيسة للذَّاكرة الاجتماعيَّة، وكفى بذلك خطورة!

ولئن بحَّت أصوات الحادبين من التَّنبيه لهذه الخطورة، فقد لبَّى دعوتهم، مؤخَّراً جدَّاً ، الدُّستور الانتقالي لسنة 2005م، حين عَمَدَ إلى معالجة مسألة اللغات الوطنيَّة باستقامة، لأوَّل مرَّة، فنصَّ على حقِّ كلِّ برلمان ولائي في اعتماد لغته القوميَّة كلغة رسميَّة، إلى جانب العربيَّة والإنجليزيَّة. وبهذا انفتحت الأبواب على مصاريعها، أو هكذا يُفترض، أمام شتَّى التَّكوينات لتلبية أشواقها في هذه النَّاحية، دون أن تضطرَّ لتسريب أيِّ شكل من أشكال "القصاص"، صغر أم كبُر، ضدَّ العربيَّة، إلى شرايين علاقات الهويَّة الثَّقافيَّة واللغويَّة بين مفردات منظومة التنوُّع السُّوداني، ففي هذه الشَّرايين، أصلاً، من تركة هذا "التسريب" المُثقلة، ما يكفيها .. وزيادة!

نستدرك هنا، فوراً، على أن ذلك ليس سوى البداية! فالأمر، في الحقيقة، أكثر تعقيداً، كونه يتعلق بعمليَّات دقيقة يتحدَّد بها الاقتصاد السِّياسي لقابليَّات التَّغيير في مستوى البنيتين الاجتماعيَّتين الفوقيَّة superstructure، والتَّحتية infrastructure. أهمُّ ذلك السيرورة التي تكوَّنت، من خلالها، الطبقات والفئات والشَّرائح المتنفِّذة، والمنحدرة، أصلاً، من العنصر النُّوبىِّ على الشِّريط النيلىِّ من الشَّمال إلى الوسط، مذ تهيَّأت لها أسباب "التَّمكين" في علاقات السُّـلطة والثَّروة، على خـلفيَّة مشـهد التَّحـالف بين الفونج والعبداللاب فى سـنار (1504 ـ 1821م)، تعبيراً عن تخلق تشكيلة اقتصاديَّة اجتماعيَّة جديدة في أحشاء نظام الممالك القديمة، وما أفضت إليه المراكمات التى جرت، طوال سبعة قرون، على اتفاقـيَّة "البقـط" من غلبة لعمليَّات الاستعراب والتأسلم في تلك البقاع.

تكوَّنت قوى "التَّمكين" تلك في ملابسات نشأة النِّظام التِّجاري البسيط على نمط التَّشكيلة ما قبل الرَّأسماليَّة، وازدهار التِّجارة الخارجيَّة تحت هيمنة السَّلاطين، وانخراط فئات وشرائح التِّجار، والموظفين، والفقهاء، والقضاة، فى خدمة "الكَكَرْ" وحكَّام الأقاليم، وما كانوا يصيبون من امتيازات تحلقهم حول مركز "السُّلطة"، وما كانوا يكسبون ويعيدون استثماره من أنصبة صغيرة من الذَّهب والرَّقيق وخلافه. وبالمقابل كانت هناك قوى الانتاج البدوي: العبيد، ورعاة الإبل والماشية، ومزارعي الرَّي المطري والصناعي، وصغار الحِرَفيين في القرى، الرازحين بين مطرقة السُّلطان وسندان قوى "التَّمكين"، والمنتسبين، أساساً، إلى التَّكوينات الإثنيَّة في الجَّنوب، و"بحر ابيض"، وجبال النُّوبا، وأجزاء أخرى من الغرب، وجنوب النِّيل الأزرق، وقد اعتبرت، وفق تيم نبلوك، مورداً رئيساً لسِّلع كانت تنتزع بالقوَّة، كالرَّقيق، والعاج، وغيرها، مما كانت له تأثيراته السَّالبة على تلك المناطق التى أصبح يُشار إليها، لاحقاً، بمصطلح "الهامش".

بقيت هذه الوضعيَّة الاقتصاديَّة السِّياسيَّة على حالها إلى يوم النَّاس هذا، برغم تعاقب الأنظمة الأجنبيَّة والوطنيَّة، وتغيُّر أشكال وأساليب ومناهج الحكم. صحيح أن الاستعمار البريطاني عَمَد، في مرحلته، لاستثمار هذه الوضعيَّة، لكنه لم يخترعها كما يشاع! كما وأن نخب الجَّماعة المستعربة المسلمة لم تألُ جهداً فى تكريسـها فكـريَّاً وسياسـيَّاً، لا اقتصاديَّاً فحسـب، طوال سنوات حكمها.

مع الزمن استكملت قوى "التَّمكين" استعرابها، حتَّى ذوَت هويَّتها القديمة، تماماً، ولم يعُد لنوبيَّتها أىُّ معنى حقيقي، باستثناء النُّوبيِّين الحاليِّين من قوم وردي في الشَّمال الأقصى، وذلك مِمَّا قد لا يصعب فهمه في إطار جدل الهويَّات وحراكاتها التلقائيَّة. لكن المشكلة بدأت بتقديم تلك القوى لنفسها كنموذج هويويٍّ "قوميٍّ!"، وكمركز "استتباع subordination" لـ "المهمَّشين"، فتشكَّلت لديهم ذهنيَّة "الاستعلاء السُّلطوي" عليهم بالاستعراب والتأسلم، عِرقاً، ولغة، وديناً، وثقافة. لذلك، وبمنأى عن نظريَّة صمويل هنتنجتون، حالَ تحويلها من "ماكرو" إلى "مايكرو"، والتي يشدِّد فيها على الطابع الثَّقافي لـ "الانقسامات البشريَّة"، نافياً، بقطعيَّة أيديولوجيَّة صنميَّة، أيَّة أهميَّة للعامل الاقتصادي، وبمنأى، أيضاً، عن معكوس هذه النظريَّة، فإن بإمكاننا قراءة مشكلتنا الاثنيَّة في منظور أصلها الكامن فى ظروف الَّتخلف، وغياب التَّنمية الشَّاملة المتوازنة، دون أن نغفل عن أن من شأن تطاول أمد العلاقات الإثنيَّة المُعتلة، في خلفيَّة المظالم الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، أن يعمِّق الأزمة بإعادة ترتيب التَّصوُّرات في جبهة "الهامش"، ويدفع بحراكاته للدفاع المستميت، حدَّ إشعال الحرائق، عن هويَّاته القائمة في أعراقه، ومعتقداته، وثقافاته، ولغاته التى تتهدَّدها، بحسب هذه التَّصوُّرات، هويَّة "المركز" النِّيلي المستعرب المسلم، ضمن سياقات تتصوَّر هذه الهويَّات كسبب "أصيل" لهذه الظلامات! وبقدر تطاول أمد التَّعانف، تتراجع أسبابه الأصليَّة، بينما تتقدَّم بعض نتائجها لتشكِّل أسباباً أخرى لمفاقمتها في الوعي الاجتماعي، حسب نظريَّة محمد سليمان السَّديدة التي استشهد بها عالم عباس بحق.

لغات التكوينات الاثنيَّة المتنوِّعة هي حامل ثقافاتها، وموئل ذاكراتها. وأيُّ مشروع يتأسَّس على "تهميشها" إنما ينطوي على خطر ساحق ماحق، ليس عليها وحدها ، بل وعلى "العربيَّة" ذاتها، بنفس الدَّرجة، حين يندفع "الآخرون" لـ "الاقتصاص" منها لهويَّاتهم! وأوَّل سبل الرَّشاد للخروج من هذا المأزق يبدأ، من جهة، باعتراف الجَّماعة المستعربة المسلمة بـ "استقلال" هذه اللغات والثَّقافات، بدلاً من مواصلة السَّعي، بلا طائل، خلف سراب بقيعةٍ لـ "صهرها" أو "إدماجها" أو "تذويبها" فى "بوتقة" ما، فتلك خطة نازيَّة/فاشستيَّة، وعاها النَّاس أم لم يعوها! كما ويبدأ، من جهة أخرى، بإقلاع "إنتلجينسيا الهامش" نفسها عن الاكتفاء بنصب مناحة تلو مناحة في شأن ظلامات أهلهم الثَّقافيَّة واللغويَّة، والتَّشمير عن ساعد الجِّد لاجتراح أبجدَّيات للغاتهم القوميَّة، تمهيداً لتدوين ثقافاتهم الشَّفاهيَّة، واستخدامها في التَّعليم العام، ودفعها على طريق التَّطوُّر والازدهار، فما من أحد غيرهم يمكن أن توكل إليه هذه المهمَّة، بينما هم مشغولون بالمفاضلة بين الإنجليزيَّة والسَّواحيليَّة .. الخ!


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.