Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منذ صدور "قانون النظام العام لولاية الخرطوم" عام 1996م، وشكوى الناس منه لا تخفت، ليس لانغلاقه، فحسب، دون منظومة حرِّيَّات وحقوق لم يعُد جحدها مقبولاً ولا معقولاً من فوق كل ما بذلت البشريَّة من نضالات لإقرارها، وإنما، أيضاً، وبالأساس، لمصادمته الفاجعة للتصوُّرات الشَّعبيَّة عن الخير والشَّرِّ، والصَّواب والخطأ، والجَّمال والقبح، والفضيلة والرذيلة، مِمَّا يرتِّب، يقيناً، لنتائج كارثيَّة في المدى البعيد، وربَّما المتوسِّط أيضاً، على صعيد التَّكوين النَّفسي الاجتماعي، والأخلاق العامَّة، والمثل العليا! مع ذلك كله، ها هي مريم جسور، نائبة رئيس المجلس التَّشريعي للولاية، تأتي، بعد ستَّة عشر عاماً من عُشرة الناس المريرة مع هذا القانون البغيض، لتدافع عنه بضراوة، وتستبعد إلغاء أية مادة منه، معتبرة أنه "لا يتعارض مع الدُّستور، وأن صلاحياته .. لا تتعدَّى النَّواحي التَّنظيميَّة، مثل تخصيص المقاعد الأماميَّة في المواصلات العامَّة للنِّساء، ومحاربة التَّسوُّل، والتَّشرُّد، و(الحفلات الليليَّة!)، والدَّجل، والشَّعوذة، وما شابهها"، أو كما قالت (الجَّريدة؛ 20 أكتوبر 2012م).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)
لتفنيد هذه المغالطة يلزمنا، ابتداءً، استجلاء مفهوم "القانون" كتوأم لـ "الدَّولة" ملتصق بها من الرَّأس! فـ "الدَّولة" هي المنظِم السِّياسي لسلطة الطبقة السَّائدة اقتصادياً، بينما "القانون" هو أداتها لضبط سلوك المواطنين على مقاسها؛ وأية محاولة للفصل بينهما تفضي، يقيناً، للقضاء على كليهما معاً! فـ "القانون" الذي يجري تصويره، دائماً، كانعكاس لأوسع القيم الاجتماعيَّة، والذي يتمظهر، للوهلة الأولى، كقوَّة خارجيَّة تقف على مسافة واحدة من الجَّميع، هو، في حقيقته، أحد أشكال التَّعبير عن أفق الرُّؤى القيميَّة لجزء صغير من المجتمع، وآليَّة قسر طبقيَّة في يد الأقليَّة لحمل الأغلبيَّة على أسلوب حياة محدَّد، مِمَّا يحتاج إنفاذه إلى كلِّ ما تملك "الدَّولة" من فيالق قمع وترسانات إكراه!
"القانون"، إذن، مؤسَّسة اجتماعيَّة، أي شكل تاريخي لضبط حياة الناس، يتحدّد بأسلوب الإنتاج، وطابع علاقاته المختلفة، فلا يعقل تصوُّره بدون "الدَّولة"، والعكس صحيح. إنهما وجهان لعملة واحدة، أو توأم سياميان يصعب التَّفريق بينهما، كما ويصعب التَّعاطي معهما إلا عبر شبكة من المعارف، كالاقتصاد، والاجتماع، والسِّياسة، والانثروبولوجيا، والفلسفة، والتاريخ، وما إليه. وينسحب ذلك، بالقدر نفسه، على مفهوم "النِّظام العامِّ"، إذ تسعى الطبقة المتسيِّدة إلى تصويره كنسق تلقائي من القيم الثَّقافيَّة للجَّماعة كلها، بينما هو مدخول بدلالة "القانون" القمعيَّة مقطوعة الصِّلة بأبسط معاني التِّلقائيَّة الأخلاقيَّة!
مع ذلك، ولأنَّ كلَّ نظام ينشد الاستقرار لسلطته، فإنَّ عليه أن يحذر وقوع صدام صارخ بين "القانون" وبين تطلع النَّاس إلى القدر المعقول من "العدل" في ثنائيَّة الحقِّ والواجب. وبالتَّالي يجدر التَّمييز بين "القانون" وبين "العدل"؛ فالأوَّل أداة ضبطٍ سلطانيَّة تفرضها "الدَّولة" على الناس، بينما الآخر نزوع تلقائي إلى الفطرة السَّليمة، ولا يجوز الخلط بينهما، أو اعتبار "العدل" مجموعة نصوص "قانونيَّة" يصوغها خبراء سلطانيون في غرف مغلقة، متوهِّمين أن الحياة ستدور حيثما دارت هذه النُّصوص!
وبما أنَّ "قانون النظام العام لسنة 1996م" مطروح، بولاية الخرطوم، على خلفيَّة شعارات إسلاميَّة، علماً بأن مثله قد طرح لاحقاً في ولايات أخرى، كالبحر الأحمر على سبيل المثال، فيلزم إدراك أن قيم الثَّقافة الإسلاميَّة الشَّعبيَّة الضَّابطة للسُّلوكيَّات العامَّة لا تستند، على تنوُّعها، إلى "شرعيَّة القوَّة" القائمة في محض التَّقديرات السُّلطويَّة الذَّاتيَّة، وإنَّما إلى "قوَّة الشَّرعيَّة" المتشكلة، أصلاً، بالفطرة السَّليمة، ثمَّ بالنصِّ المقدَّس، كانعكاس للأبنية الذِّهنيَّة والوجدانيَّة لأوسع الطبقات، من خلال مناهج تغيير الوسط الطبيعي، وعلاقات الرِّجال والنِّساء، والكبار والصِّغار، ووسائط التَّربية والتَّعليم، وسبل كسب العيش، وأساليب الإنتاج، وطقوس الميلاد، ودفن الموتى، وإقامة المآتم، وطرائق المأكل، والملبس، والزِّينة، والعمارة، والزَّواج، وخلافه.

(2)
يأخذنا هذا المدخل، مباشرة، لتبيُّن بعض مفارقات هذا القانون الخطرة على الثَّقافات الشَّعبيَّة، وحقوق النَّاس، وحرِّيَّاتهم، حيث:
أولاً: يَحظر إقامة أيِّ حفل غنائي "خاصٍّ" بمكبِّر صوت إلا بتصديق. ولأن سلطة منح التَّصديق تشمل، بمفهوم المخالفة، سلطة منعه، وأن توخِّي عدم إزعاج الجِّيران هو المنطق الظاهري للنصِّ بما يبرِّر "تدخُّل" السُّلطة العامَّة، فإنَّ الواجب يحتِّم تقييد هذا "التَّدخُّل" حتَّى لا يضحى "تغوُّلاً" على الخصوصيَّة الأسريَّة. لكن، بقليل من التمعُّن، يتَّضح أن المقصود من التَّصديق، في الحقيقة، ليس "التَّنظيم"، كما تزعم مريم جسور، وإنَّما هذا "التَّغوُّل"، بالذَّات، والذي لا يمكن أن يكون الهدف منه غير وضع الخصوصيَّة الأسريَّة تحت الكفِّ الثَّقيلة للسُّلطة! أمَّا الإشارة لمكبِّر الصَّوت فمحض ذريعة لهذا "التَّغوُّل"، وليس لحماية الجِّيران، وذلك بدليل أن المشرِّع:
(1) لم يُعْنَ بتحديد قوَّة مكبِّر الصَّوت، تأسِّياً، مثلاً، بقواعد السُّرعة في قانون المرور، فحظر، ضمنياً، حتى أصغر أجهزة الاستماع المنزليَّة!
(2) فوَّض الشُّرطة في حماية الجِّيران، لكنه لم يُعْنَ بتقديرات الجِّيران أنفسهم لهذه الحماية، وفي ذلك ترخُّص مستقبح، واستهانة غليظة بقيمة الجِّوار في الثَّقافات السُّودانيَّة كافَّة، وعلى تنوُّعها.
(3) شرَّع هذا النصَّ، رغم كفاية القانون الجَّنائي الذي يجرِّم إزعاج الجِّيران، لكن بتقديراتهم هم، لا بتقديرات الشُّرطة، عند تحريك الإجراءات ابتداءً.

ثانياً: يَحظر، أيضاً، إقامة أيِّ حفل غنائي "عامٍّ" إلا بتصديق. ولا يخفى العنت الذي يسبِّبه هذا النَّصُّ للفعاليَّات الثَّقافيَّة المتَّصلة بالغناء والموسيقى!

ثالثاً: يَحظر رقص النِّساء مع الرِّجال، والنِّساء أمام الرِّجال، بكل ما ينطوي عليه ذلك من مفارقات هادمة لقيم اجتماعيَّة وإنسانيَّة معتبرة، حيث:
(1) صنَّف أطراف العلاقة الاحتفاليَّة جنسيَّاً، فحسب، بثنائيَّة "الرَّجل والمرأة"، مهدراً قيمة أيِّ تصنيف آخر، كـ "الأمِّ والإبن"، و"الأب والإبنة"، و"الأخ والأخت"، دع علاقة (الزَّمالة) أو حتَّى (الخطوبة) مما لا تقرُّه، قطعاً، ذهنيَّة التَّحريم التي أنتجت النَّص!
(2) حظر مشاركة النِّساء، بتاتاً، في أيِّما حفل يحضره رجال، وسمح لهنَّ، فقط، بالفرجة على رجال يراقصون رجالاً!
(3) وباعتبار أن جغرافيا هذا القانون هي مركز "المركز" المثقل بالنزوح الكثيف إليه من جغرافيا الفقر في "الهامش"؛ وباعتبار أن المشرِّع مدرك لتوقير ثقافة الطقوس الاحتفاليَّة المختلطة في هذا "الهامش"؛ فالاستنتاج الوحيد، إذن، هو أن المشرِّع  افترض أن العاصمة دولة أخرى، وأن القادمين إليها من "الهامش" ضيوف يخضعون لما يخضع له  الأجانب من قوانين! 

رابعاً: يَحظر أداء الأغاني "الهابطة!"، ويخوِّل للشُّرطة سلطة تقدير هذا "الهبوط"، ومن ثمَّ "إزالة المخالفة"، فيَختزل، عمليَّاً، مجمل الفكر الذي يقارب الإبداع، كنشاط اجتماعي متميِّز، والذي يوجب عدم محاكمته إلا بمعايير النقد والتذوُّق، ليُنَصِّب البوليس ناقداً أوحد حتف أنف كل معايير العلم الموضوعي، وجهود حملة مشاعله عبر التاريخ!

خامساً: يوجب تخصيص 10 مقاعد للنِّساء في البصَّات؛ ويُقال في تبرير النَّصِّ إن غرضه "تكريم المرأة"! لكن ثمَّة ملحظين يهدمان صدقيَّة هذا التَّبرير: 
(1) هذا العدد من المقاعد يقلُّ كثيراً عن كَمِّ النِّساء اللاتي يستخدمن البصَّات، فالهدف  الحقيقي، إذن، تحجيم دورهنَّ بالحدِّ من حركتهنَّ، دَعْ منح الرِّجال ميزات إضافيّة عليهنَّ!
(2) منطق هذا التَّبرير نفسه يدفع للتَّساؤل عمَّا إذا لم يكن ثمَّة من يتوجَّب تكريمه غير النِّساء، كالمعوَّقين، مثلاً، ومعوَّقي العمليَّات الحربيَّة، بالأخص، فلماذا النِّساء وحدهنَّ؟!

سادساً: يَحظر التسوَّل والتَّشرُّد، علماً بأن ممارستهما ليست هواية، بل إفراز لأوضاع اقتصاديَّة واجتماعيَّة ظالمة؛ فمحاربتهما لا تكون بغير إزالة هذه الأوضاع؛ وإلا كان القانون سوط عذاب إضافي مسلط على رؤوس أولئك المستجيرين من رمضاء "الهامش" بنار "المركز"، ينبشون عن أقواتهم ولو في مقالب القمامة!

سابعاً: يحدِّد لمحلات تصفيف شعر النِّساء ضوابط لا تصدر إلا من ذهنيَّة ثيوقراطيَّة تستريب في جنس هاتيك النساء، أصلاً، كمصدر للشُّرور، فقد:
(1) حظر دخول الرِّجال إلى هذا المحلِّ!
(2) اشترط أن يكون له مدخل وحيد يطلُّ على الشَّارع!
(3) أوجب إدارته بوساطة امرأة "لا يقلُّ عمرها عن خمسة وثلاثين عاماً"!
(4) حظر استخدام العاملات فيه قبل التَّأكد من استقامتهنَّ، وحصولهنَّ على مؤهِّل من "جهة الاختصاص"!
(5) أباح للشُّرطة مداهمته في أي وقت!
وبإزاء تلك الشُّروط/الهواجس تثور عدة تساؤلات، بينهنَّ أربعة أساسيَّات:
من جهة أولى: عمَّا إن كان التَّصفيف هو المهنة الوحيدة التي يلامس فيها الرِّجال أجساد النِّساء، فثمَّة مهن محترمة أخرى يحدث فيها ذلك، كالطبِّ مثلاً، لكن المشرِّع لا يفرض عليها "فضيلته" بقانون!
ومن جهة ثانية: عمَّا إن كان ثمَّة فرق بين شروط المشرِّع بشأن مداخل هذه المحلات، والشَّوارع التي تفضي إليها، وأعمار النِّساء اللاتي يُدرنها، وسلطة الشُّرطة في مداهمتها في أيِّ وقت، وبين شروط عمل المباغي سيئة الذكر منذ أيام الإدارة البريطانيَّة، فضلاً عمَّا إن كان ذلك لا يخلف انطباعاً مشوباً بالشكوك حول أخلاق من يمتهنَّ هذه المهنة، ومن يرتدن محلاتها، بل وأخلاق ذويهنَّ!
ومن جهة ثالثة: عن جهة الاختصاص "الوهميَّة" التي يشترط المشرِّع الحصول على شهادة تأهيل منها لمزاولة المهنة!
ومن جهة رابعة: عن تناقض المشرِّع الذي يبيح للرِّجال منافسة النِّساء في امتلاك مثل هذه المحلات، في الوقت الذي يحظر اختلاطهم بهنَّ فيها! فهو، إذن، يتشدَّد في الحظر حين يتعلق الأمر بالاسترابة في أخلاق النِّساء، لكنه يترخَّص في الإباحة حين يتعلق الأمر بالاستثمار الرَّأسمالي! ومع ذلك لا يوضِّح كيف يمكن لمالك المحلِّ متابعة سير العمل فيه بنفسه! وحتَّى لو سلمنا بأن ذلك يمكن أن يتمَّ عن طريق مديرة "في الخامسة والثلاثين من العمر!"، فالمشرِّع لا يوضِّح أين يمكن للمالك الاجتماع بهذه المديرة، علماً بأن علاقات العمل تمارس في مكان العمل!

(3)
مطاطيَّة الشُّروط التي يفرضها هذا "القانون" على السُّلوك العامِّ، والسُّلطات التَّقديريَّة الواسعة التي يمنحها للشُّرطة، تفتح الأبواب، عند التَّطبيق، لإضافة كلِّ ما لم يرد بشأنه نصٌّ صريح فيه، وأكثر ذلك شيوعاً ملاحقة النساء في الشوارع والأماكن العامَّة بزعم عدم لياقة ملابسهنَّ، واعتبار ترافق أيِّ رجل وامرأة مشروع فاحشة ما حتى يثبت العكس، فضلاً عن مطاردة بائعات الطعام الفقيرات، وصغار الباعة المتجوِّلين، وغيرهم مِمَّن لا يجدون ما يكسبون به قوتهم سوى أنشطة الاقتصاد الهامشي. وعندما جرى الانتباه، بعد سنوات طوال من التطبيق، إلى أنَّ تلك المسائل كلها من غير مشمولات هذا "القانون"، تمَّ مط اختصاص وصلاحيَّات "شرطة النظام العام"، حيث أضحت تغطي فصولاً ومواد من قوانين أخرى، كالقانون الجنائي لسنة 1991م، وعُدِّلت تسمية تلك الشرطة لتصبح "شرطة أمن المجتمع"!
مهما يكن من أمر، فثمَّة ثلاثة أسئلة تطرح نفسها، منطقيَّاً، حول درجة استجابة "قانون النظام العام" الذي نحن بصدده هنا لمقتضى "العدل"، وذلك على النحو الآتي:
(1) هل يمكن اعتباره "عادلاً" على قاعدة الموازنة الدقيقة بين "الحقّ والواجب" المركوزة في صميم الأوضاع الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة؟
(2) وهل يمكن اعتباره "عادلاً" بمعيار قواعد "الحرِّيَّات" و"المساواة" بين المواطنين بصرف النظر عن النُّوع "ذكور/إناث"؟
(3) وهل يمكن اعتباره "عادلاً" بدلالة الاتِّساق مع ثقافات وتصوُّرات النَّاس الذين يُطبَّق عليهم بما يؤهِّله للقبول لديهم؟
نضع الأسئلة الثلاثة معاً إزاء ما لاحظنا من غلبة ملامح الظلم الاقتصادي والاجتماعي والثَّقافي، بوجه عام، في هذا القانون، وبوجه خاص على جنس النِّساء، من جهة، وعلى فقراء "الهامش" النَّازحين إلى العاصمة، من جهةٍ أخرى، فضلاً عن عدوانه الصَّارخ على قيم الثَّقافات السُّودانيَّة الأكثر تواتراً، من جهةٍ ثالثة.
فأمَّا بالنِّسبة للسُّؤال الأوَّل، فإن شيوع الإنتاج الهامشي، والنَّمط الاستهلاكي، يمثِّل أخطر ملامح البناء الرَّأسمالي، في بلادنا، على أيدي البرجوازيَّة الطفيليَّة النَّاشطة في السُّوق السَّوداء، المضاربة في العملات والعقارات، المتغذِّية على التَّهريب والأزمات، النّاهبة للمال العامِّ من خزينة الدَّولة، ومن الجِّهاز المصرفي، والتي استطاعت أن تفرض قيادتها على أقسام الرأسماليَّة كافَّة، وهيمنتها على الاقتصاد والسِّياسة والثَّقافة وسائر أوجه الحياة. وليس أصدق من وصف المفكر المارتنيكي فرانز فانون لهذا النَّمط من البرجوازيَّة التي ابتليت بها بلدان "العالم الثَّالث"، في كتابه "معذبو الأرض"، بأنها ليست برجوازيَّة حقيقيَّة كالتي شيَّدت صروح الحضارة الحديثة في الغرب، بل فئة نَهِمَة، شَرِهة، طويلة الأنياب، تتَّسِم بذهنيَّة الرِّبح التَّافه، والعجز عن تمثُّل أيَّة أفكار كبرى، أو أيِّ روح ابتكار. ولعلَّ هذا هو بعض ما يفسِّر ضعف البنيات الأساسيَّة، وإهمال الإنتاج الصِّناعي والزِّراعي، وأسباب التَّنمية غير المتوازنة، وعوامل تجريف الطبقة الوسطى، فضلاً عن استشراء الفساد، والتَّدهور المريع في الدخول، وفي مستويات المعيشة، والازدحام السُّكاني في العاصمة والمدن الكبيرة، بفعل النزوح الذي لم تُتخذ أيَّة عدة لاستيعابه، وذلك كله مما يرتِّب للتَّشوُّهات الاجتماعيَّة، وشيوع الممارسات والقيم السَّالبة، كالتَّسوُّل، والتَّشرُّد، والدَّعارة، وإدمان المخدِّرات، والخمور البلديَّة، وتفكُّك البناء الأسري، وازدياد معدَّلات الجَّريمة، والانهيارات النَّفسيَّة والعقليَّة، وغيرها. إن ذلك ليتنافر، ليس فقط مع مبادئ العدالة الاجتماعيَّة، والمقاصد الكليَّة للإسلام المعلن كخلفيَّة آيديولوجيَّة لهذا "القانون"، بل ومع قيم الوجدان المتشكل، أصلاً، على الفطرة السليمة. إن الفقر، إجمالاً، من أخطر معكوسات قيم العدالة الاجتماعيَّة، والإسلام تحديداً، يعتبره قريناً للكفر، ونتاجاً مباشراً للظلم والاستغلال، الأمر الذي يفضي بالضَّرورة، إلى اهتزاز موازنة الحقِّ والواجب في علاقة الدَّولة بالمواطن.
وأمَّا بالنِّسبة للسُّؤال الثَّاني، فمن غير الممكن إغفال التَّحيُّز الواضح في هذا "القانون" ضدَّ المرأة، والناشئ عن نظرة ذكوريَّة مترتِّبة على أوضاع اقتصاديَّة اجتماعيَّة محدَّدة، وعن موقف فكري متوارث تاريخيَّاً، في المنطقة وفي السُّودان، من أصله الضارب في جذر التَّقليد التُّركي المَدْخُول بأثر وضع المرأة في الحضارتين الإغريقيَّة والرُّومانيَّة كـ "متاع مصون"، وكذلك وضعها في الحضارة الفارسيَّة كـ "مخرِّبة للدنيا"و"جالبة للنَّحس"! وفي مجتمعات القرون الوسطى البربريَّة، والجِّيرمانيَّة، والصِّربيَّة، والآريَّة، ساد استضعاف المرأة وتهميشها، وفق الذِّهنيَّة الثيوقراطيَّة، باجتهاداتها الفقهيَّة الكنسيَّة التي تبرِّر ذينك الاستضعاف والتَّهميش. أما الإسلام فقد اتَّخذ، في أصوله الباكرة، موقفاً إيجابيَّاً من المرأة، حيث نزَّهها القرآن الكريم من تلك الصِّفات الشَّيطانيَّة التي ألصقت بها: "فاستجاب لهم ربُّهم إنِّي لا أضيِّع عمل عاملٍ منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض" (195؛ آل عمران)؛ وفي آية أخرى: "إنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصَّادقين والصَّادقات والصَّابرين والصَّابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدِّقين والمتصدِّقات والصَّائمين والصَّائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذَّاكـرين الله كثيراً والذَّاكـرات أعـدَّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً"(35؛ الأحزاب). وقد لاحظت فاطمـة المرنيسـي أن الآيـة الأخـيرة تسـاوي بين الجِّنسـين في المفاضـلة عـند الله سبحانه وتعالى، ليس بمعيار الجِّنس، وإنما بمعيار الإخلاص والرَّغبة في خدمته وطاعته (راجع: الحريم السِّياسي ـ النَّبي والنِّساء، ص 150).
وأمَّا بالنِّسبة للسُّؤال الثَّالث، فيكفي أن نورد تعبير مدير شرطة النِّظام العامِّ، تعقيباً على ورقتنا الناقدة لـ "القانون"، والتي قدَّمناها في ورشة العمل التي كان نظمها حوله "مركز التَّدريب القانوني" بالخرطوم، خلال فبراير 2000م، فقد قال: "من لا يرغب في الخضوع لهذا القانون عليه ألا يجيء إلى هذه الولاية"! وباستحالة النَّظر إلى السُّودانيين كشعب واحد، أو كمجتمعٍ واحد، مما يجعل من المستحيل، أيضاً، الحديث عن ثقافة واحدة تجمعهم، حيث تضمُّ بلادنا مئات التَّكوينات القوميَّة، والمجموعات القبليَّة والإثنيَّة، وكذلك الأديان والثقافات واللغات، فإن عبارة مدير شرطة النِّظام العامِّ تختزل، بصرامة عسكريَّة مشهودة، الفكرة المستعلية القائمة في الانحياز العربوإسلاموي التَّاريخي إلى الواقع الإثني لمثلث الوسط الذَّهبي وامتداداته إلى الشَّمال النِّيلي، دون بقيَّة  (الهامش) السُّوداني الذي اضطرَّ أهله، وما زالوا يضطرون، للنُّزوح إلى الخرطوم، بسبب الفاقة، والجَّفاف، والتَّصحُّر، والحروب، وألف سبب وسبب.
على أن المفارقة ما تلبث أن تطلَّ من بين ثنيَّات هذه العبارة، لتخلخل فكرة صاحب الشُّرطة، حيث يتصادم "قانون النِّظام العامِّ"، أيضاً، حتَّى مع الكثير من ثقافات المستعربين المسلمين في الوسط والشمال النِّيلي، فتتصاغر الخلفيَّة الاجتماعيَّة والفكريَّة لهذا المنطق، لتنحصر في حيِّز ضيِّق، بالغ الضِّيق، يكاد لا يتجاوز إرادة وتصوُّرات النُّخبة الحاكمة!

(4)
أصل البلاء مشكلة ناجمة عن أوضاع اقتصاديَّة سياسيَّة تاريخيَّة محدَّدة، وعن تفاعلات في الفكر والثَّقافة مترتِّبة على هذه الأوضاع، لكن "الدَّولة"، بدلاً من مجابهة أسباب هذه الظواهر بمعالجات من جنسها، لجأت إلى سلاح التَّشريع، فأصدرت هذا "القانون" بغرض إشاعة جوٍّ من القهر العامِّ لإخضاع الثَّقافات والتَّكوينات القوميَّة السُّودانيَّة، على تنوُّعها، دون أن تحقِّق نجاحاً يُعتدُّ به، لا في الرَّاهن ولا في المستقبل. فهذا "القانون" إنَّما يُعبِّر، في الواقع، عن العجز بإزاء المشكلة، لا عن القدرة على علاجها. وهكذا فإن القضيَّة الحقيقيَّة التي يخدمها ليست، كما قد يبدو للوهلة الأولى، حراسة فضائل عامَّة، بل، كما سبق أن قلنا، توسيع "حقِّ" السُّلطة في ضبط الحياة بأسرها على مقاس أمنها هي، وتقديرها لجدوى الإبقاء على الرهب العام منها، ولو بالاعتداء على حرِّيَّات المواطنين، وحقوقهم، وحقوق الأسر، وحرمة المساكن، وخصوصيَّة الجِّوار!
ذلك هو ما أغفلته، للأسف، نائبة رئيس المجلس التشريعي بولاية الخرطوم، وهي تحاول تبسيط "قانون النظام العام" كمجرَّد "تخصيص مقاعد للنِّساء في المواصلات العامَّة، ومحاربة التسوُّل، والتشرُّد" .. الخ!

***