ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

(الدّينُ لم يُعلّم المسلمينَ التّجَارَةَ، ولا الصّناعَةَ، ولا تَفصيلَ سياسَةَ المُلك)

                                                              الإمام محمد عبده

   Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

                                                            (8)

          موضوعة (المصالح الكليَّة) التي ينبغي أن تكون في أساس أيّ فقه جديد يوافي معطيات عصرنا ومطلوباته، تثير واحدة من أعقد الإشكاليَّات الرَّاهنة، الشَّاخصة في أفق الفكر السّياسي وصراعاته في بلادنا، بخاصة، وهى إشكاليَّة مفهوم (الدَّولة STATE) في تفاعلاته مع مفهوم (الحداثة MODERNITY). ويجرُّ هذان، بدورهما، المفهوم المتقلقل الآخر ـ والذي لم يستقر الفكر السّياسي السوداني، حتى الآن، بثقله المستعرب المسلم، كما الفكر السّياسي العربي كله، بثقل الجَّماعة المسلمة الأكبر في المنطقة، على صياغة ودلالة له أكثر وثوقاً، والمعبَّر عنه، حتى إشعار آخر، بـ (فصل الدين عن الدولة) حيناً، و(فصل الدين عن السياسة) حيناً آخر، بما يستتبع، في الحالتين، ضربة لازب، مفهوم (العلمانيَّة SECULARISM) في الفكر الغربي عموماً، ومفهوم (اللائكيَّة LAICISM) في الفكر الفرنسي بخاصة.

هكذا، ما نكاد نخرج من أكَمَة التباس اصطلاحي ومفهومي حتى نلفى أنفسنا وقد انحشرنا حشراً في غيرها، كما لو أن ثمَّة استحالة في معالجة إشكاليَّة (الدّين والدَّولة) من غير الإحالة الكاملة إلى نسق هذه المفاهيم والمصطلحات، والمقابلة الاصطداميَّة بينها وبين الفكر الغربي! لهذا تلزمنا، ابتداءً، مقاربة الإشكاليَّة في مظانها، ضمن الثقافة الإسلاميَّة ذاتها، لأجل الوقوف على صِحَّة أو عدم صِحَّة لزوم تينك الإحالة والمقابلة.

غير أنه يلزمنا، قبل ذلك، التأكيد، في هذا الاتجاه، على أن أيَّة محاولة لاستنباط مفهوم (الدَّولة) الحديث من (النصوص) الإسلاميَّة، قطعيَّة الورود والدلالة، لن تعدو كونها ضرباً من مناطحة الصَّخر، ليوهي قرنه الوعل، وبخاصَّة من الآيات القرآنيَّة. ففي القرآن لم يرد اللفظ سوى مرَّة واحدة، لكن بضم الدَّال لا بفتحها، في قوله تعالى عن مال الفئ: "كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم" (7 ؛ الحشر)، أي لئلا ينتفع بهذا المال ويستأثر به الأغنياء دون الفقراء (صفوة التفاسير)، أو كيلا يتقاسمه الرؤساء والأغنياء بينهم دون الفقراء والضعفاء (القرطبي).

 

(9)

لقد أسهب كتاب كثر في بيان انتساب (الدَّولة) و(نظم الحكم) في الإسلام إلى (العقل) الإسلامي وإرادته، لا إلى (النصّ المقدَّس)، اللهمَّ إلا من جهة القيم والمبادئ العامَّة. فقد أوضح د. محمد عمارة، مثلاً، في مبحثه القيّم (الإسلام والسُّلطة الدينيَّة)، أن مصطلح (الأمـر) هو الذي استخدمه القرآن، واستخدمته السُّنة ، واستخدمه الأدب السّياسي في صدر الإسلام، للتعبير عن (السّياسة) أو (نظام الحكم) أو (السلطة العليا) فى المجتمع الإسلامي، وما يتصل بها، كشئون دنيويَّة هي، بطبيعتها، محلَّ (تدافع) فهوم وإرادات البشر. ففي القرآن: "وأمرهـم شورى  بينهم" (38 ؛ الشورى)، "وشاورهم فى الأمـر" (159 ؛ آل عمران). وفي الحديث المار ذكره: "أنتم أعلم بأمـر دنياكم". ورُوي أن أبا بكر (رض) قال عند وفاة الرسول (ص): "إن محمداً قد مضى لسبيله، ولا بُدَّ لهذا الأمـر من قائم يقوم به" (الشَّهرستاني؛ نهاية الإقدام، ص 479، المرجع، ص 71)؛ ولا يُعقل، بالطبع، أن يكون قصْدَ الصّدّيق قد انصرف إلى (الرّسالة) التي كان محمد (ص) قد أتمَّ تبليغها قبل وفاته، وهو خاتم الأنبياء والمرسلين. ورُوي أيضاً أن عمراً قال في أولى خطبه بعد توليه الخلافة: "ليعلم مَن ولي هذا الأمـر من بعدي أنْ سيريده عنه القريب والبعيد" (طبقات ابن سعد، ج 3، ق 1، ص 197؛ المرجع، ص 72)؛ وقال عليٌّ إن موت الرسول قد أعقبه "أن تنازع المسلمون الأمـر من بعده" (نهج البلاغة، ص 352، المرجع)؛ وخطب الحسن في أهل العراق قائلا: "أما والله لو وجدت أعواناً لقمت بهذا الأمـر أيَّ قيام" (د. أحمد صبحي؛ نظريَّة الإمامة، ص 326، المرجع، ص 72). ومع أن (الأحكام القرآنيَّة) شأن إلهي، إلا أن (تنفيذها) مرهون (بفهوم البشر) الذين يتولونه، فهو، لذلك، أدخَلُ في باب (الأمـر). وبحسب الجَّابري فإن الثابت الوحيد في المرجعيَّة التراثية هو مفهوم (أولي الأمـر) الذين ينوبون عن الجَّماعة في تنفيذ أحكام القرآن (الدين والدولة ..، مرجع سابق، ص 66 وما بعدها). ومن نافلة القول أن (أولي الأمـر) قد يتولون تنفيذ هذه الأحكام سواء كانت (الدَّولة) في أيدي المسلمين أم في أيدي غيرهم.

          وحدها وقائع التطوُّرات اللاحقة في تاريخ المسلمين، ابتداءً من سقيفة بني ساعدة، هي التي فرضت شكل (الدَّولة) باعتبارها "أداة الملك الضروريَّة" بالمصطلح الخلدوني. بل إن اللفظ نفسه، بفتح الدَّال، لم يُستخدم، كمصطلح سياسي، في الإشارة إلى هذه الأداة، إلا مع العباسيين، تعبيراً عن انتقال (الأمـر) إليهم من الأمويين، ثم سلك، من بعد، في كتابات المؤرخين (المصدر نفسه، ص 21).

وإذن، فإن (الدَّولة) نشأت لدى المسلمين، كما لدى غيرهم، بحكم (الضَّرورة)، لا (النص).

 

(10)

وليس من فراغ، بالطبع، أنْ سكت الوحي عن تفصيل النظم التي يُدار بها (أمـر) الحكم والسّياسة، مكتفياً بإبراز أعمّ المبادئ، وأكمل المقاصد، لإدارته بالشورى، والعدل، والإحسان، ومنع الضرر والضرار وما إليه؛ فذلك لممَّا يتسق تماماً مع موقف القرآن من (العقل) باعتباره موئل التكليف، ومناط الاستخلاف. بل وكانت تلك، في الواقع، هي خلاصة وعي الأئمَّة الأجلاء في مختلف فترات التاريخ الإسلامي. فأبو حامد الغزالي يقسّم العلوم إلى (شرعيَّة) و(غير شرعيَّة). وعلى حين يعرِّف الأولى بأنها "ما استفيد من الأنبياء .. ولا يرشد العقل إليه"، يقسِّم الثانية إلى (محمود) و(مذموم) و(مباح). فيعرِّف (المحمود) من (العلوم غير الشرعيَّة) بأنه ".. ما ترتبط به مصالح أمور الدنيا"، ويقسّمه، بدوره، إلى (فرض كفاية) و(فضيلة)، ثم يعرِّف ما ينتسب إلى (فرض الكفاية) بأنه تلك "العلوم التي لو خلا البلد ممَّن يقوم بها حرج أهل البلد"، ويُلحق (السّياسة) بهذا القسم (إحياء علوم الدين، ج 1، ص 16). وفى موضع آخر يؤكد الغزالي أن (أمر) الدنيا "لا ينتظم .. إلا بأعمال الآدميين، و.. تنحصر في ثلاثة أقسام: أحدها أصول لا قوام للعالم دونها، وهي أربعة: الزراعة .. والحياكة .. والبناء .. والسّياسة" (المرجع، ص 12 ـ 13).

أما (السّياسة) نفسها فيعرِّفها ابن قيم الجَّوزيَّة بأنها: ".. ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرّعه الرسول (ص) ولا نزل به وحي" (إعلام الموقعين عن ربّ العالمين، ج 3، ص 3).

ويقصر ابن تيمية مرجعيَّة السّياسة الشرعيَّة في القرآن على آيتين: ".. آية طلبت من الأمراء أداء الأمانات والحكم بالعدل، وآية طلبت من الرعيَّة الطاعة لأولى الأمر إذا هم أدُّوا الأمانات وحكموهم بالعدل" (السياسة الشرعية، ص 15 ـ 16). أما التفاصيل فقد تركت لـ (العقل) يستهدى إليها بمقاصد الدّين الكليَّة، من جهة، وبمتغيّرات المكان والزمان من الجّهة الأخرى.

وهذا ما أكد عليه أيضاً الإمام المجدّد محمد عبده بقوله: "إن تفصيل طرق المعيشة والحذق في وجوه الكسب .. مما لا دخل للرّسالات السَّماويَّة فيه إلا من وجه العظة العامَّة .. إن الدّين لم يعلم المسلمين التجارة ولا الصناعة ولا تفصيل سياسة الملك .. لكنه أوجب عليهم السَّعي إلى ما يقيمون به حياتهم .. وأباح لهم المُلك .. وتحسين المملكة، وكلُّ ما يمكن للإنسان أن يصل إليه بنفسه لا يطالب الأنبياء ببيانه .. وقد أرشدنا نبينا (ص) إلى وجوب استقلالنا دونه في مسائل دنيانا بقوله: ما كان من أمر دينكم فإلىَّ، أما ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به" (الأعمال الكاملة، ج 3، ص 420، 426).

وفي إضاءته لبعض معاني (الاستخلاف)، ضمن هذا الفهم نفسه، يشدّد جمال الدين الأفغاني، أستاذ محمد عبده، على أن الحقَّ معقود للأمَّة وحدها في اختيار حكامها، ومراقبة أدائهم، ومحاسبتهم، بل وعزلهم، ولو بالقوَّة، إن هم حادوا عن جادَّة القسط؛ فالحكمة والعدل ".. في أن تكون الأمَّة في مجموعها حُرَّة مستقلة .. فلا يتصرَّف في شئونها العامَّة إلا من تثق بهم .. وذلك منتهى ما يمكن أن تكون به سلطتها من نفسها". بل ويذهب إلى أبعد من ذلك بقوله إن الحاكم، إذا حنث بقسمه على صون الدستور الذي بايعته الأمَّة عليه، "إما يبقى رأسه بلا تاج، أو تاجه بلا رأس" (الأعمال الكاملة، ص 478، 479).

                  

(11)

والآن، إذا كان المسلمون، كما رأينا، قد أدركوا مفهوم (الدَّولة) بحكم (الضرورة)، لا بحكم (النص)؛ وأن الوحي قد سكت عن تفصيل النظم التي يدار بها (أمـر) الحكم والسّياسة، موكلاً ذلك إلى (العقل) باعتباره موئل التكليف ومناط الاستخلاف، ومكتفياً بإبراز أعمِّ المبادئ والمقاصد الكليَّة ليسترشد بها الفقه في ترسيم (الأحكام السلطانيَّة)، كاجتهاد بشرى خاضع لمقايسات (الصواب والخطأ)، لا (الحلال والحرام)، فمن أين تسلل، إذن، إلى الفكر الإسلامي مفهوم (الدَّولة الدّينيَّة) المتخفي خلف شعار: (الحاكميَّة لله)؟!

البحث عن إجابة لهذا السؤال لا يكون في القرآن، ولا في السنة، ولا حتى في أعمال الصحابة، وإنما في وقائع الخلط والتخليط اللذين توحَّل فيهما (الخوارج) قديماً بشأن مرتبة (الإمامة)، وما ينتسب إليها من (سياسة) و(نظم حكم) في أصول الفقه، فحسبوها خطأ من (أصول القواعد)، ورتبوا، من ثمَّ، لـ (تديُّنهم) هُم بها، حسب (فهمهم الخاص) لها، (كدين) و(وحي) فوق (إرادة) البشر وخارج اختصاص (عقولهم)! ولهذا السبب (خرجوا) على الكرَّار يوم (صفين)، معترضين على قبوله التحكيم بينه وبين معاوية، وهو الذي قال فيه النبي (ص): "أنا مدينة العلم ، وعلىٌّ بابها ، فأتوا البيوت من أبوابها"، ورافعين، من تلك اللحظة التاريخيَّة، شعار (لا حكم لبشر، لا حكم إلا لله) ، وهو الشعار الذي دمغه الخليفة الرَّابع، كرَّم الله وجهه، بكونه "كلمة حق أريد بها باطل" (نهـج البلاغة ، ص 65).

خطأ هذا الشعار يتبدى جليّاً، حتف أنف رنينه الدّيني العالي، حين نعلم من (الدّين) نفسه بالضرورة أن (أصول) الإيمان ثلاثة لا رابع لها: الألوهيَّة، والنبوَّة، واليوم الآخر؛ فليس من بينها مبحث (الإمامة/الخلافة) الذي يندرج تحته الفكر السّياسي في تراث الإسلام (د. محمد عمارة؛ الإسلام والسلطة الدينية، ص 77). وهذه الأصول الثلاثة مشمولة بقوله تعالى: "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون. أولئك على هدى من ربّهم وأولئك هم المفلحون" (2 ، 3 ، 4 ، 5 ؛ البقرة).

وفي بعض سند د. عمارة، في المصدر المار ذكره، يؤكد الإمام أبو حامد الغزالي أن كلَّ ما عدا هذه الأصول الثلاثة هو من قبيل (الفروع)، ومن ذلك (الإمامة والسَّياسة)، وبالتالي فإن الخلاف فيهما هو خلاف في مسائل تحتمل (الصَّواب والخطأ)، وليس كمثل الخلاف في (الأصول) مما ينتج عنه (الإيمان والكفر)، فيقول: "واعلم أن الخطأ في أصل الإمامة وتعيُّنها وشروطها وما يتعلق بها لا يوجب شئ منه التكفير" (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص 15).

والشَّهرستاني، كذلك، يشدّد على "أن الإمامة ليست من أصول الاعتقاد" (نهاية الإقدام، ص 478).

وعضد الدين الأيجي والجُّرجاني ينبهان، أيضاً، إلى "أن الإمامة ليست من أصول الديانات والعقائد، بل هي من الفروع المتعلقة بأفعال المكلفين" (شـرح المواقف، ج 3، ص 261).

وابن تيمية ينفى، هو الآخر، أن تكون الإمامة من الأصول، فلا هي من أركان الإسلام، ولا من أركان الإيمان، ولا من أركان الإحسان (منهاج السنة ، ج1 ، ص 70).

أما ابن خلدون فيقرر أن القول بأن الإمامة من أركان الدّين وأصوله هو الذي أوقع الشيعة في الخطأ، لأنها سلطة (بشريَّة) يقيمها الناس رعاية لمصالحهم العامَّة، فهى من اختصاصهم وحدهم، وبمحض إرادتهم؛ ويوضّح أن ".. شبهة الشيعة الإماميَّة في ذلك إنما هي كون الإمامة من أركان الدّين .. وليست كذلك، إنما هي من المصالح العامَّة المفوَّضة إلى نظر الخلق" (المقدّمة، ص 168).

ولا يوجد في ذلك كله ما يؤسّس بذاته لأيّ تعارض بين (النصّ) وبين (العقل = النظر البشري = الرأي). فالإسلام يشتمل على (أصول) وعلى (فروع): الأولى ملزمة بما هي (نصٌّ) قطعيُّ الورود والدلالة، ينتج (معرفة) بالدّين بالضرورة، ويستوجب الاصطفاف توحُّداً في (الإيمان) و(التسليم): "ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" (55 ؛ النور)، "ومن كفر فإن ربّي غنيٌّ كريم" (40 ؛ النمل). أما الأخرى فمتروكة لـ (أفهام) البشر، استناداً، من جهة، كما قد رأينا، إلى مكانة (العقل) في الإسلام نفسه، وجرياً، من الجّهة الأخرى، على قاعدة الحديث الشريف: "ما أمرتكم بشئ من دينكم .." الخ. وبالنظر إلى تعدُّد الفهوم، واختلاف الأزمنة، فإن مشروعيَّة التعدُّد والتباين والاختلاف تتجذر عميقاً في بعض وجوه قاعدة التمييز هذه بين (شأن الدين) وبين (أمـر الدنيا)، وبين (الأصل) وبين (الفرع)، مثلما تنشأ منها أيضاً الضرورة الموضوعيَّة المتمثلة في الاحتياج إلى الوسائل والأساليب اللازمة لتنظيم هذا الاختلاف المشروع.

وإذن، فكلُّ المسائل المتصلة (بالحكومة) و(السُّلطة السّياسيَّة) و(النظام السّياسي) هي ممَّا يندرج ضمن (الفروع) المفوَّضة إلى نظر الخلق، يهتدون إليها بقواعد كليَّة، ووصايا إلهيَّة عامَّة هي ".. أشبه ما تكون بالمثل العليا التي حدَّدها الله للناس كي لا يضلوا عنها، ولا يتنكبوا الطريق الموصل إلى تحقيقها" (د. عمارة، الإسلام والسلطة ..، مرجع سابق، ص 102).

وليس د. عمارة وحده من يقول بهذا النظر، بل يكاد أغلب مفكري حركة الإسلام السياسي في المنطقة يلتقون عليه. فمثلاً ينوّه د. محمد سليم العوَّا برجحان فقه إمام الحرمين الجويني، القائل في هذا الصدد: "إن معظم مسائل الإمامة عريَّة من مسالك القطع، خليَّة عن مدارك اليقين"، ليخلص إلى "أن كل ما يتعلق بالشأن السّياسي، ونظام الحكم خاصة، ليس فيه أمر مقطوع به، ولا متيقن منه، وإنما على المسلمين .. أن يصوغوا تلك الأمور حسبما يرونه محققا للمصلحة في أزمنتهم، مهتدين إلى ذلك بقيم الإسلام ومقاصده لا أكثر، وهى تدور حول أمور كليَّة مثل الحرية والعدل والمساواة واحترام الإنسان الذي كرَّمه الله" (ندوة مركز الدراسات الحضاريَّة بالقاهرة حول التعدديَّة السّياسيَّة ـ أخبار اليوم، 22/2/1998م).

أما فهمي هويدي الذي يعتبر من أكثر مفكري حركة الإسلام السّياسي حماساً لما تصطلح عليه بـ (المشروع الحضاري)، فإنه لا يستنكف أن يصف هذا المشروع بأنه "لا يعرف (مؤسَّسة دينيَّة)، ولا (رجال دين)، ولا (سلطة دينيَّة) .. إذ أن (الدّين) يظل مجموعة من (القيم) .. التي (تستلهم) في عمارة الدنيا والآخرة ، ومن ثمَّ ينبني عليها مجتمع (مدني) .. (الأمَّة) فيه (مصدر) السُّلطة، و(الناس) .. (حُرَّاسه) الحقيقيُّون" (أقواس التشديد من عندنا ـ م/المجلة، ع/800، 17/6/1995م).

 

(12)

لكن، ولأن القطعيَّ من النصوص، بشأن الإدارة التفصيليَّة لـ (أمور) الدنيا، يكاد يكون منعدماً، فإن الباحثين درجوا، عند التصدّي لقضايا النظام السّياسي، على الاستعانة بوقائع معيَّنة من (تاريخ الدولة في الإسلام)، وسوابقها المشروطة بمقتضيات زمانيَّة ومكانيَّة محدَّدة، والاستشهاد "بآراء الفقهاء، أو الأنظمة التي اتبعت في الأزمنة السابقة .. وتلك كلها أمور لا إلزام فيها، وينبغي ألا تعطى حجماً أكبر ممَّا ينبغي .. ولن نلزم أنفسنا بأطر جامدة أو دوائر مغلقة" (د. يوسف القرضاوي؛ "ندوة مركز الدراسات الحضاريَّة"، مصدر سابق).

وبالحق، فإن القرآن والسنة يقدّمان هداية عامَّة حول الشورى، والعدل، والإحسان، والمساواة، والحريَّة الدينية، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانات إلى أهلها، وغيرها، إلا أنهما لا يتضمَّنان نصوصاً قطعيَّة في تفصيل نظام الدولة، أو شكل السلطة، أو أحكام السياسة، أو ما إلى ذلك. فتلك كلها (أمـور) مرهونة بظرفي الزمان والمكان، وقد شملها جهد الصحابة الذين كانوا يفهمون النصوص "على ضوء البيئة ودوران المصلحة" ـ حسب الصادق المهدي ـ وكذلك جهد من أنار الله بصائرهم من ".. قادة الفكر الإسلامي، والمفسرين بقيادة ابن عباس، والفقهاء بقيادة الأئمة، فعادوا إلى نصوص القرآن والسُّنة، واستنبطوا منها المعاني والأحكام التفصيليَّة، وراعوا في ذلك تطورات البيئة من مجتمع المدينة إلى مجتمع عالمي يضم قارات ثلاثاً " (الصادق المهدي؛ أحاديث الغربة، ص 28 ـ 29).

بل إن د. حسن الترابي نفسه، وهو مَن هو، بموقعه في رأس القيادة التاريخيَّة لحركة الإسلام السياسي في بلادنا، والتي حسمت قضيَّة السُّلطة بالإنقلاب العسكري في 30/6/1989م، يقرُّ، من جانبه، بأن معالجة الأحكام السلطانيَّة إنما استندت، تاريخيَّاً، إلى أعمال الفقهاء، وفتاواهم المقيَّدة بظروف الزمان والمكان. ويؤكد، ضمناً، على كون قضايا (الدَّولة) و(السّياسة) من (الفروع)، وذلك حين يعرض لها، عامداً، في السياق، إلى التمييز بين (الأصول) التي يصفها بالثبات، والأزليَّة، والصلاحيَّة لكلّ زمان ومكان، وبين (الفقه) الذي يصفه بأنه "كسب المسلمين في فهم الإسلام، وتطبيقه، وتنزيله في كلّ واقع معيَّن، ولا حظ له من الخلود، لا سيَّما أنْ قد تبدَّلت بابتلاءات التاريخ أطر الحياة وظروفها، فأصبحت المجتمعات .. حضريَّة كثيفة، والإمكانات أوسع .. فلا بُدَّ من تنظيم تقديرات الحُريَّة، وتعبيرات الرأي العام، وتدابير الشورى، وإجراءات التولية في السلطة العامَّة، وسائر الشئون السلطانيَّة، بتوخّي أحكام فقهيَّة جديدة" (خواطر في الفقه السياسي لدولة إسلاميَّة معاصرة، ط 1، عالم العلانية، الخرطوم 2000م، ص 3 ـ 4).

لذلك كله فإن الذين رفعوا شعار (الحاكميَّة) ، في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي، ابتداءً بالخوارج، ومروراً بأبي الأعلى المودودي ثم سيّد قطب، وانتهاءً بحركات الإسلام السياسي الراهنة، وبخاصة دعاة الدولة الدينية في السودان، كانوا يدركون، كما يدركون الآن، ولا بُدَّ، استحالة استصحاب أيّ سند لشعارهم من القرآن أو السنة مباشرة، وما ذلك إلا لكون مثل هذا السند غير موجود أصلا (سنتناول، بعد قليل، الإشكاليَّة التي ما تنفكُّ تثار حول وجود أمر قرآني صريح لإنفاذ السلطة السّياسيَّة في المجتمع باتباع (الوحي) السَّماوي، لا بابتداع (العقل) البشري، وذلك بالاستناد إلى الآيات 44 ، 45 ، 47 ؛ المائدة).

مع ذلك، ولأنه لا بُدَّ لأصحاب هذا الشعار من سند في هذين المصدرين الأساسيين، فقد عمدوا، بلا هوادة، إلى إحلال (تأويلهم) هُم للنصوص (المثبتة) محلَّ النصوص (الغائبة)! ولمَّا اصطدموا بحقيقة عجزهم عن كسب الإجماع على هذا (التأويل) الذي هو محض (رأي) و(فهم) خاصَّين، سَعُوا، بالترهيب، إلى إكسابه ذات (القداسة) التي للنصوص! وما ذاك، في الواقع، إلا لانطلاقهم، أصلاً، من فرضيَّة مغرقة في الخطأ، فحواها إنكار مكانة (العقل) بين (الدّين) و(التديُّن)، على أساس ".. أن الكتاب والسنة قد اشتملا على كلّ النظم الحضاريَّة المطلوبة، فكأن لسان حالهم يقول: قلب الصفحات تجدها!" (محي الدين عطيَّة؛ "أمراض الصحوة الإسلاميَّة"، م/المسلم المعاصر، ع/42، ص 85)؛ في حين أن جلال القرآن، من قبل ومن بعد، ليس في كونه موسوعة علميَّة، أو دائرة معارف سياسيَّة، كما يتوهَّمون، وإنما في كونه كتاب هداية للإيقاظ، ودعم الإيمان، وأخذ العبرة، وترشيد السلوك (الشيخ محمد الغزالي؛ دستور الوحدة الثقافيَّة بين المسلمين، ص 192). وكما سبق أن أوردنا فإن الله سبحانه وتعالى قد وصفه بنفسه بأنه "هُدى للمتقين" (2 ؛ البقرة).

 

(13)

ومن أهم وجوه الخطل في هذا (التأويل) الذي أفضى بأهله إلى رفع شعار (الحاكميَّة) المتوحّل في (الخلط) و(التخليط) بين (الأصول) و(الفروع)، كما يلاحظ د. عمارة (مرجع سابق ، ص 47 وما بعدها)، الفهم الملتبس لدلالة مصطلح (الحكم) في القرآن الكريم، فاشتقوا منه، بصورة متعسفة، مصطلح (الحاكميَّة)! لقد (ظنوا) أن المصطلح يدلُّ على (النظام السّياسي) أو (السُّلطة السّياسيَّة العليا) في المجتمع، في حين أنه، وبإجماع ثقات التفاسير، يدلُّ على (القضاء)، فحسب، أي الفصل في المنازعات، أو (الحكمة)، أي الفقه والعلم النافع والنظر العقلي، أو (النبوَّة). فالله عزَّ وجلَّ يصف نفسه، في بعض الآيات، بأنه (يحكم) ، أي (يقضى) بين العباد (بحكمه)، أي (بقضائه)، كما في قوله: "أن الحكم إلا لله"، أي القضاء (40 ؛ يوسف، تفسير الجلالين). "وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله" (43 ؛ المائدة)، أي بالرَّجم (تفسير الجلالين)، وقال الحسن: هو الرَّجم، وقال قتادة: هو القود (القرطبي). "وله الحكم وإليه ترجعون"، أي وله القضاء النافذ في كل شىء (70 ؛ القصص، تفسير الجلالين). "ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين"، أي له الفصل والقضاء (62 ؛ الأنعام ، صفوة التفاسير للصابوني). "أن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين"، أي وهو خير من فصل القضايا (57 ؛ الأنعام، ابن كثير). وفى آيات أخرى يخبر سبحانه وتعالى عن أنبيائه؛ فعيسى عليه السلام لم يكن رجل (دولة) أو (سياسة)، ومع ذلك أوتى (الحكم) في معنى (الحكمة): "ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوَّة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي" (79 ؛ آل عمران، صفوة التفاسير). "ونبي الله يحي لم يكن حاكماً سياسياً .. ومن باب أولى لا يُتصوَّر منه شىء من هذا وهو صبي" (د. عمارة، ص 48)، بل ابن سنتين أو ثلاث سنين فى قول قتادة، وثلاث سنين في قول مقاتل (القرطبى)، ومع ذلك يقول الله تعالى: "يا يحي خذ الكتاب بقوَّة. وآتيناه الحكم صبيَّا" (12 ؛ مريم)، أي النبوَّة (تفسير الجلالين)، أو الفهم والعلم والجّدَّ والعزم والإقبال على الخير والانكباب عليه والاجتهاد فيه (ابن كثير). ولم يسأل سيدنا إبراهيم ربَّه أن يهبه (دولة) أو (سلطة سياسيَّة) حين دعا: "ربّ هب لي حُكماً وألحقني بالصالحين" (83 ؛ الشعراء)، وإنما سأله أن يهبه كمالاً في العلم والعمل (البيضاوي). ويعدّد الله سبحانه أنبياءه، واصفا إيَّاهم بأنهم: "أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوَّة" أي الحكمة (83 ـ 89 ؛ الأنعام، البيضاوي).

 

(14)

وثمة حُجَّة واهية أخرى تثار، عادة، في باب تأويل مصطلح (الحكم) بدلالة (السُّلطة السّياسيَّة)، ويحاول أصحابها الاستناد، بلا طائل، إلى الآيات الكريمات الثلاث (44 ، 45، 47) من سورة المائدة: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون" لكي يؤسّسوا على (مظهرها) اللفظي العام (فهمهم) السّياسي الخاص والخاطئ لشعار (الحاكميَّة). غير أن هذا (الفهم) سرعان ما يتزلزل عند فحصه في ضوء أيّ من ثقات التفاسير.

لقد أجمع الأئمة، ومن بينهم، على سبيل المثال، ابن كثير والواحدي النيسابوري وجلال الدين السيوطي، نقلاً عن الأحاديث التي وردت في الصّحاح والمسانيد المعتمدة، أن هذه الآيات نزلت لأسباب  تتعلق  بإقامة بعض الحدود، كالقتل فى حالة الأقوام اليهود الذين ارتكبوه،  ثمَّ  أضمروا أن (يتحاكموا) إلى محمد (ص)، فإن أفتاهم بالدّيَّة أخذوا قوله، وإن (حكم) بالقصاص لم يسمعوا إليه؛ وكذلك الزّنا في حالة يهود المدينة الذين استبدلوا تسويد الوجه مع الجلد بحد الرجم كما في التوراة. وفى الحالتين كانت المآرب المضمرة، والنوايا الخاصة، هي التي تحرّك الأفعال، لا ابتغاء وجه الله بإخلاص، وفي ذلك نزلت هذه الآيات. ومن ثمَّ، فإن أيَّ مسعى لسحب دلالتها إلى حقل (الحكومة) أو (السُّلطة السّياسيَّة) لا يعدو كونه ضربا من التعسُّف والتعمُّل العاريين من السند الوثيق، ونموذجا للتمادي في اللجاجة والمماحكة بدافع القفز إلى (الحُكم) شهوة وطموحاً (خليل عبد الكريم؛ لتطبيق الشريعة لا للحُكم، ص 15 ، 16).

          هكذا، وباستخدام منهج النظر في سبب ومناسبة التنزيل، تستبين فداحة موحل القائلين باشتقاق (الحاكميَّة) من مصطلح (الحُكم) القرآني، متوهّمين، أو ساعين لإيهام الأمَّة، بأنه إنما يعنى (السُّلطة السّياسيَّة)، ورامين، من وراء ذلك، إلى سلب هذه الأمَّة كلَّ سلطان على أمرها، وتركيزه في يد فرد أو نخبة تزعم أنها تسوسهم بـ (الحقّ الإلهي)!

 

(نواصل غداً بإذن الله)