ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

(وَلَوْلا دَفْعَ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ ببَعْض لَفَسَدَت الأَرْض)

                                                        قرآن كريم

   Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

                                                            ()

          مسألة استنباط (الحاكميَّة) من معاظلة النصوص تقترن، وثيقاً، وإنْ بشكل متناقض، مع مسألة أخرى محورها غلبة (الطابع التعدُّدي) على موقف الإسلامويين أنفسهم من مفهوم (السُّلطة السّياسيَّة). ويبدو هذا الاقتران المتناقض منطقيَّاً تماماً، بالنظر إلى غياب النصّ المباشر، قطعيّ الورود والدلالة في الكتاب أو السنة، من جانب، وبالنظر، من الجانب الآخر، إلى أن تعدُّد الأفهام واختلاف الآراء، المفضيين إلى التدافع والصراع، هما بعض سنن الله في خلقه، أي القوانين الثابتة التي يسير عليها نظام الكون "ولن تجد لسنة الله تبديلا" (62 ؛ الأحزاب)، "ولو شاء ربك لَجعل الناس أمَّة واحدة ولا يزالُون مختلفين" (118 ؛ هود)، ويقول ابن كثير في التفسير: "أي ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم".

          لقد اختلف الخوارج، كما قد رأينا، مع سيّدنا عليّ كرَّم الله وجهه، حول مسألة التحكيم في صفين. واختلف المسلمون، قبل ذلك، حول اختيار الخليفة الأوَّل في (سقيفة بني ساعدة)، فانقسموا إلى: (أنصار) و(مهاجرين). وانقسم الأنصار إلى (أوس) و(خزرج). ثمَّ انقسم المهاجرون، بدورهم، إلى (مبايعين) لأبى بكر (رض)، من ناحية، و(مغاضبين) من بنى هاشم، من الناحية الأخرى، لزموا مع الكرَّار بيته لا يبايعون، لكونهم رأوا معه أن له حقاً في (الأمر). ووقع الخلاف، في وقت لاحق، بين عليّ، كرَّم الله وجهه، وبين السيدة عائشة (رض). ثم بينه وبين معاوية. وقبل ذلك بين عثمان الذي أقسم: "والله لا أخلعنّ قميصاً قمَّصنيه الله"، وبين بعض الصحابة، مما أفضى إلى قتله. ثمَّ تعدَّدت المذاهب الفقهيَّة في مرحلة لاحقة. ثمَّ استعر الخلاف حول الاتجاهات العامَّة التي استوعبت فرق المسلمين، كالسَّلفيَّة والصوفيَّة والمعتزلة والمحافظة والعصرانيَّة .. الخ. ثمَّ وقع الانقسام التاريخي بين الإسلام (السُّني) والإسلام (الشيعي). ويكاد الصّراع على السُّلطة يسمُ مجمل تاريخ الدولة الإسلاميَّة منذ تأسيس دولة الأمويين وانقلاب الخلافة الراشدة إلى ملك عضود. وفى بعض قول شهير للشَّهرستاني أن سيوف المسلمين ما سُلت حول أمر كما سُلت حول قضية السُّلطة. وفي التاريخ الحديث توزع الإسلامويُّون بين مختلف الجماعات المتناحرة إلى حدّ الدَّم أحياناً، وادّعاء كلّ فرقة أنها وحدها (الناجية)، في أفغانستان، ومصر، ولبنان، وإيران، والجزائر، وغيرها. وفى السودان اختلفت رؤاهم، فانقسمت أوعيتهم التنظيميَّة ما بين حركة الأخوان المسلمين، أو جبهة الميثاق الإسلامي، بقيادة الصادق عبد الله عبد الماجد حيناً، والدكتور حسن الترابي أحياناً أخرى ، والحركة الإسلاميَّة، أو الجَّبهة الإسلاميَّة القوميَّة، بقيادة د. الترابى فى مرحلة لاحقة، وحزب التحرير الإسلامي، والحزب الإشتراكي الإسلامي، وجماعة أنصار السنة بجناحيها (شيخ الهديَّة وشيخ أبو زيد)، وجماعات التكفير والهجرة، بمختلف مسمَّياتهم، وأخيراً، وليس، بالقطع، آخراً، بين مؤتمر وطني (البشير)، وآخر شعبي (الترابي)، وبين أخوان مسلمين (جناح صادق عبد الله)، وأخوان مسلمين (جناح أبو نارو) .. الخ. وهى ليست محض انقسامات تنظيميَّة، بقدر ما هي انعكاس موضوعي لخلافات الحركيين الإسلامويين حول جلّ القضايا الجوهريَّة الأكثر تعقيداً، والتي لا تفتأ، في العادة، تطرح نفسها، بالضرورة وبشكل ضاغط، على كل من يتصدَّى لمهام العمل السّياسي، فتباينت خياراتهم بشأن معظم قضايا الاقتصاد، والتشريع، والمرأة، والدستور، والتصوير، والنحت، والغناء، والموسيقى، والرقص، والحجاب، والنقاب، والمواطنة، والحريَّات، والديموقراطيَّة، والتعدُّديَّة، وتطبيق الشَّريعة، والمناهج التعليميَّة، والانقلابات العسكريَّة، والأحزاب السّياسيَّة، والعلاقات الخارجيَّة، وشكل الحكم، وحقوق الإنسان، واستقلال القضاء، والتعليم المختلط، والحرب والسلام، وعلاقة الدّين بالدَّولة، وضرب الدفوف والمعازف، ومعاملة غير المسلمين، وما إلى ذلك.

          ومع أن هذه (التعدُّديَّة) ليست خارج القوانين الثابتة، أو (السُّنن)، بالمصطلح الإسلامي، التي استنها الخالق ليسير عليها نظام الكون، والإنسان في مركز القلب منه، إلا أن مشكلة الإسلامويين، عموماً، تنبع من عدم اعترافهم (بقانون التنوُّع والتعدُّد) هذا، رغم أنه لا ينفكُّ يفعل فعله في حركتهم نفسها، فتأمل!

 

(16)

لقد أضحى الاعتراف (بالتعدُّديَّة)، في معنى تحمُّل (الآخر = المغاير/المختلف)، احتياجاً ملحاً، ذاتيَّاً وموضوعيَّاً، بالنسبة لمستقبل الحركات الإسلاميَّة نفسها، نظراً لتفاقم ظاهرة انشقاقاتها، وتباين المواقف في ما بين بعضها البعض، بل وداخل كلّ فرقة منها على حدة، مع تزايد ضغوط الواقع، من حولها، بأسئلته المتناسلة في جبهات النشاط السّياسي والفكري كافة، وعلى كلّ المستويات المحليَّة والعالميَّة، بصرف النظر عن كون هذا (الاعتراف) مطروحاً أو غير مطروح، في الوقت الرَّاهن، ضمن مشاريع هذه الحركات إزاء منظومة التعدُّد التي تشكل السّمة الأهمَّ لواقع بلادنا وشعوبها المختلفة، أو ضمن أجندة التنافس والصّراع  بين هذه الحركات وبين خصومها الفكريين والسياسيين. (فالتعدُّد) حقيقة موضوعيَّة قائمة، اعترفنا أم لم نعترف به، وهو مفهوم يرتبط أوثق الارتباط بمفهوم (التدافع) القرآني "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (251 ؛ البقرة)، بل ولولا (التعدُّد) أصلاً، لما أمكن تصور (التدافع) عقلاً.

 

(17)

ولئن كان الفكر السّياسي الغربي قد عالج موضوعة (التعدُّد) ضمن مفهوم (الديموقراطيَّة الليبراليَّة)، فإن الكثيرين، حتى وسط مفكري حركة الإسلام السّياسي المعاصرين، يبدون تقديراً طليقاً لهذا الضرب من المعالجات الفكريَّة والسياسيَّة، وذلك على قاعدة الحديث الشريف: "الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها فهو أحقُّ الناس بها". وهكذا نجد الشيخ محمد الغزالي، مثلاً، يشدِّد، من موقعه كأحد أبرز أئمَّة حركة (الأخوان) في المشرق العربي،  على أن ".. التفتح العقلي ضرورة ملحة .. فماذا يمنع الفقيه المسلم من قبول كل وسيلة أصيلة أو (مستوردة) لتحقيق الغايات التي قررها دينه؟! إن النقل والاقتباس في شئون الدنيا، وفي المصالح المرسلة، وفي الوسائل الحسنة، ليس مباحا فقط، بل قد يرتفع الآن إلى مستوى الواجب" (دستور الوحدة الثقافيَّة ..، ص 182). وإذا كانت الانتخابات البرلمانيَّة من آليات الديموقراطيَّة الأساسيَّة، فقد تصرَّمت أزمان مذ أضحت معتمدة لدى غالب تنظيمات الإسلام السّياسي، ليست الساعية إلى السُّلطة، فحسب، بل والتي تبوَّأتها فعليَّاً، في السودان وإيران وتركيا وفلسطين وغيرها. وقد ذهب بعضها إلى حدّ اعتبارها جزءاً لا يتجزَّأ من الدين نفسه، حيث دعا، مثلاً، آية الله علي خامنئي، مرشد الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، الشعب للمشاركة فيها ".. كواجب ديني" (وكالات وقنوات فضائيَّة، 8/1/2000م). وفى هذا يعود الشيخ محمد الغزالي ليقول: ".. شعرت بجزع عندما رأيت بعض الناس يصف (الديموقراطيَّة) بالكفر، فلما بحثت عمَّا عنده لكفالة الجماهير، وكبح الاستبداد، وجدت عبارات رجراجة يمكن إلقاؤها من منبر للوعظ" (دستور الوحدة الثقافيَّة ..، ص 186). والصادق المهدي يؤكد أن "الإسلام يوافقها (أي الديموقراطيَّة) في خاماتها المبدئيَّة، ولكنه لا يفصّل نظاماً ديموقراطيَّاً محدَّداً، ويترك ذلك لظروف الزمان والمكان" (أحاديث الغربة، ص 38). والدكتور عبد الله النعيم، أحد أهمّ مفكري الحركة الجمهوريَّة في السودان، يرى ".. أن الحاجة لتحمُّل تعدُّد الرأي بين المسلمين أنفسهم تجعل الليبراليَّة الإسلاميَّة مهمَّة بالنسبة للحيويَّة الدينيَّة للإسلام نفسه، بالإضافة إلى التطور السّياسي أو الاجتماعي للمجتمعات الإسلاميَّة .. يجب أن يؤدى تحمل التنوُّع بين المسلمين، فيما يخصُّ الأمور الدينيَّة ـ كما يتطلبه القرآن وتدلُّ عليه التجربة التاريخيَّة ـ إلى المزيد من التحمُّل للأنواع الأخرى للتنوع في المجتمعات الإسلامية، بالإضافة إلى علاقاتها بغير المسلمين، أي أن المنطق الديني للتحمُّل سوف يؤدي إلى تقدير أفضل للتعدديَّة كواقع حياة في مجالات أخرى" (ورقة ضمن كتاب "الديموقراطيَّة في السودان: البُعد التاريخي والوضع الراهن وآفاق المستقبل"، تحرير د. حيدر إبراهيم علي، مركز الدراسات السودانيَّة، القاهرة 1993م، ص 242). بل لم يعُد من النادر أن نقع على ذات المعنى في تصريحات الكثيرين من رموز حركة الإسلام السّياسي الحاكمة في السودان. ففي المقتطف المطوَّل الآتي يقول د. عبد الوهاب الأفندي: "إذا كان هناك درس يستفاد من التجربة السودانيَّة فهو أنه لا غنى للإسلاميين عن اتباع الأساليب الديموقراطيَّة الحديثة، ليس فقط في إدارة شؤون البلاد، بل وفى إدارة شؤون الإسلاميين أنفسهم. ذلك أن التجارب الديموقراطيَّة الحديثة مثلت نقلة نوعيَّة في ابتداع الوسائل العمليَّة لتحقيق الأهداف التي ظلت المجتمعات الإنسانيَّة تسعى لتحقيقها منذ القدم .. (و) الحركات الإسلاميَّة الحديثة قبلت هذه الفكرة نظرياً .. فحركة الأخوان المسلمين وغيرها شادت بناءها التنظيمي على أسس ديموقراطيَّة .. (و) قبلت بواقع المشاركة الديموقراطيَّة، واعترف حسن البنا وغيره بأن النظام البرلماني الدستوري هو الأقرب إلى روح الإسلام، ولكن هذه الحركات لم تطوّر فكرها لاستيعاب هذا التحوُّل، و.. قادة هذه الحركات لم يستوعبوا فكرة الديموقراطيَّة فى سلوكهم. وهم فى ذلك يتبعون سنة بعض الخلفاء الذين كانوا يرون أنفسهم نوَّاباً عن رسول الله (ص) وليسوا نوَّاباً عن المسلمين، ولهذا نجدهم يستلهمون قراراتهم بالنظر إلى أعلى، فهم .. يقرّرون نيابة عن الله تعالى، وليس نيابة عن أتباعهم أو الشعب .. حتى يفاجأوا بثورة عارمة .. فالاستبداد .. لا يختلف في نتائجه لكون المستبد يدّعى أنه مفوَّض من السماء .. وإذا لم تنجح الحركات الإسلاميَّة في حسم هذه المسألة فإنها ستوجّه ضربة قاصمة لآمال الإحياء الإسلامي، وقد تصبح، بهذا، وبالاً على الإسلام" (الوفاق ، 18/1/2000م).

 

(18)

مع ذلك ما تزال تجري، بصورة حثيثة، محاولة دائبة لـ (أسلمة) الموقف الرافض لـ (التعدديَّة)، وتأسيسه، بين مختلف التيَّارات (التكفيريَّة) داخل حركة الإسلام السياسي المعاصر، على (ثوابت دينيَّة). لكن جميع هذه المحاولات محكوم عليها بالفشل، حتى من زاوية النظر العقديَّة، فما هي، في نهاية المطاف، سوى ضرب آخر من ضروب التعسُّف المعاظل للنصوص بلا هوادة، حتى إذا يئس من العثور على سند في القرآن أو السنة، سعى، كما العادة، لإحلال (تأويله الخاص) محلَّ (النصّ القاطع)، وإقامة (متخيَّل تديُّنه) مقام (صريح الدين)، فلا يعود ثمَّة تثريب على بدويّ سودانيّ ساذج لا يجد في نفسه حرجاً، وهو ينازع فى ملكية عتود، أن يستهين بأداء القسم على (مصحف المحكمة) حديث الطباعة، زاهي التغليف، ويسميه (الإريقط) فى بعض دارج (التديُّن) الرَّعوي، بينما يرتجف فرَقاً حين يُطلب منه أداء نفس القسم على (مصحف التاريخ) العتيق المخطوط بيراع ولىٍّ من عصور سحيقة.

هذا الواقع المُزري هو، بالتحديد، ومحمولاته، ما يحول بيننا وبين أن نضرب بأيّ سهم في (الحداثة) التي ما فتئت أمم غيرنا تتصعَّد في مراقيها بدأب. ومن نافلة القول أننا لن ندرك، يقيناً، ممَّا فاتنا شيئاً ذا بال ما لم نستوعب بعمق أن تدبير سياسة الدنيا أمر متروك لنا، حالة كونه يندرج ضمن حدود ".. منطقة (العفو) التي سكت عنها الشارع رحمة بالناس، وتركها مفتوحة لاجتهاد البشر، وتقديرهم للمصلحة في كل زمان ومكان. و(أن) هذا دأب الشارع الإسلامي فيما يخصُّ السّياسة الشَّرعيَّة، حيث لم ترد نصوص قطعيَّة في شأنها" (د. يوسف القرضاوي؛ ندوة مركز الدراسات الحضاريَّة .. مصدر سابق). وبما أن ذلك كذلك، فلا مناص من استصحاب سُنَّة الاختلاف، وقانون التنوُّع، حتى تصبح التعدديَّة ".. أسلوباً في إدارة الخلاف .. على الاعتراف المتبادل .. وليس على الإنكار، لأن إنكار جماعة قائمة في الواقع، وعدم الاعتراف بها في خريطة التعددية، لا بُدَّ وأن يؤدّى إلى العنف في نهاية المطاف" (طارق البشرى؛ المصدر نفسه). ويشدّد د. العوا على ضرورة استصحاب أن هذه الضوابط تشكل، في الواقع، أساس أيّ فهم أو موقف إسلامي صحيح تجاه التعدديَّة، فيقول: ".. ينبغي أن يكون واضحاً أن الاختلاف بين الناس أمر قدره الله سبحانه وتعالى حتى صار سُنَّة من سُنن الكون، ومن ثمَّ فإن الاعتراف بالاختلاف والمغايرة له أصله الشرعي الثابت. وإذا تحدثنا عن تصور إسلامي للنظام السّياسي فإن التعدديَّة واجبة في ظله .. ولا نستطيع أن نمنع تيَّاراً سياسيَّاً قائماً في زماننا، علمانيَّاً كان أم ماركسيَّاً، لمجرَّد أنه (يتعارض) مع ما (يتصوَّره) البعض للإطار الإسلامي .. وليكن صندوق الانتخاب هو الحكم بيننا، فإذا فازوا بالأغلبيَّة من دون الإسلاميين .. فمعناه أن الإسلاميين فشلوا فى إقناع الناس بمشروعهم، وعليهم أن يتحمَّلوا مسئولية تقصيرهم وفشلهم" (محمد سليم العوا ؛ المصدر نفسه).

ومن باب المفارقة، استطراداً، فقد تزامن مع هذا النظر المستقيم، المعبَّر عنه في 2/2/1998م، من جانب بعض (مفكري) قسم من حركة الإسلام السّياسي خارج السُّلطة، نقض جهير له، في نفس التاريخ تقريباً، من جانب أحد (تنفيذيّي) قسم آخر من نفس الحركة وهي في السلطة، حين أطلق العميد طبيب/ الطيب إبراهيم محمد خير، أحد قادة (المشروع الحضاري) في السودان، قوله: "عندما أسمع كلمة تعدديَّة أو حزبيَّة فإنني أتقزز، وأشعر بقشعريرة، وأتحسَّس جنبتي بحثاً عن حجر أرميها به"! (أخبار اليوم، 5/4/1998م). وها نحن بإزاء نموذج حيٍّ لاشتغال (العقل الباطن)، حيث كشف العميد/الوزير الذي كان يتقلد، حينها، وزارة (الثقافة) عن استبطانه الإعجاب، ولا بُدَّ، بقول غوبلز، وزير هتلر وساعده الأيمن: "كلما سمعت كلمة (ثقافة) تحسست مسدسي"!

مهما يكن من شئ، فعندما يجري إخضاع موقف الإسلام المبدئي من (التعدديَّة) لمحض (الكسب) السياسي، تأثراً بمدى القرب أو البُعد من السُّلطة، نكون، بالفعل، إزاء "مشكلة حقيقية .. وهى أننا نواجه بآراء غريبة وشاذة في الساحة الإسلاميَّة ترفض الاختلاف بين الناس .. وهذا توجُّه ضد فطرة الإنسان، وضد منطق الإسلام ذاته الذي سجل القرآن الكريم في صدده أن الله سبحانه وتعالى أراد الناس مختلفين لحكمة قدرها .. كانت المذاهب أحزاباً فى الفقه، وليس هناك ما يمنع أن تصبح الأحزاب مذاهب في السياسة" (د. يوسف القرضاوي؛ ندوة مركز الدراسات الحضاريَّة ..، مصدر سابق).

 

(19)

من جانبه يتناول فهمي هويدي الإشكاليَّة من أكثر من زاوية، منبّهاً إلى أن ".. الآخر له شرعيَّته التي اكتسبها من إقرار القرآن بمبدأ اختلاف الناس، وحذف الآخر هو بمثابة إهدار لسنة كونية أرادها الله سبحانه وتعالى. وفى الناحية الرّساليَّة فإن المشروع الإسلامي كان قائماً على استيعاب الآخر على الدوام" (المصدر نفسه). وحتى إذا تناولنا الأمر من زاوية السياسة العملية (البراغماتيَّة) المحضة، وانطلقنا من موقف الإسلاميين أنفسهم، ووجهة نظرهم القائمة على فرضيَّة مفادها أن لهم (مشروعاً) يرومون (إبلاغه)، فإن ثمَّة إشكاليَّة تثور هنا فوراً من جهة المنطق الذى يحكم فعل (البلاغ) ذاته، وقد عبَّر عنها هويدى متسائلاً: "إذا تمَّ حذف (الآخر)، فمع (مَن) سيجرى (الحوار)، وإلى (مَن) سيتوجه الإسلاميُّون بـ (التبليغ)؟! ثم إن تلك (الشرائح المخالفة) تمثل (حقيقة قائمة) في الواقع السياسي، فكيف يتصور .. أنه يمكن تجاهلها أو حذفها؟!" (أقواس التشديد من عندنا ـ المصدر نفسه).

          وهكذا فإن الموقف الناكر للتعدديَّة خاطىء، وفق السيد هويدي، من وجوه ثلاثة: شرعيَّة ورساليَّة وسياسيَّة.

 

(20)

من جهة أخرى يصعب الاتفاق، أيضاً، مع النظريَّة التي ظلَّ د. حسن الترابي يروِّج لها، بقوله، في سياق لا يخلو، هو الآخر، من التناقض: ".. فالحاكم إذا رأى أنه هو الأعلى لا سلطان عليه من الله، ولا قيد عليه في الدين، يصبح طاغية، ويوقع الناس في عبوديَّة السّياسة، فيفتقدون (وحدتهم)، لأن الشَّريعة الدينيَّة (الواحدة) كانت هي ضمان (الوحدة) بين كلّ (واحد) من الرعيَّة وبين كلّ (واحد) من ولاة الأمر، ومذ ضيَّعوها أصبحوا عرضة للأهواء يتفرقون على طرق الشهوات .. الخ" (أقواس التشديد من عندنا، خواطر في الفقه السّياسي .. ، ص 8). ويقول: ".. (الوحدة) .. تنبثق بالطبع عن معاني (التوحيد) إذ ما دام الربُّ (واحداً)، وما دام الشَّرع المستقيم إلى الله سبحانه وتعالى (واحداً)، فالناس على طريق (الوحدة) سائرون" (الأقواس من عندنا، نفسه، ص 13). وبعد أن يعرج إلى مقولاته الأساسيَّة القديمة المتجدّدة حول (الموالاة) و(التوحُّد) و(التناصر) في الشّريعة، والتي استنبط منها نظريَّته المثيرة للجَّدل عن (التوالي السّياسي)، يخلص د. الترابي إلى أن الإنسان "إذا اختار .. طوعاً أن يعبد الله سبحانه وتعالى يرفع على ذات الطريق إخوانه و(يتحدون) معه .. بل (يتعاونون) معه حتى يحقق أقداراً من العبادة" (القوسان من عندنا، نفسه).

          يثير د. الترابي هنا حزمة إشكالات، أبرزها اثنان:

          أولهما: المفارقة التي تطل برأسها ما بين صحَّة الحكم النظري بأن الحاكم الذي يتحلل من الواعز (الدّيني)، وقد تقرأ: (الأخلاقي)، يتحوَّل إلى (طاغية)، وما بين التطبيق العملي، حين يفسّر هذا الحاكم (طغيانه) نفسه بأنه (عبادة!) خالصة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى! وليس مثل هذا بمستبعد، فلقد حدث أن أمر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك واليه خالد بن عبد الله القسري بذبح المعارض السياسي الجَّعد بن درهم سنة 118 هـ، فنفذ الوالي أمر الخليفة، عقب صلاة عيد الأضحى، حيث قال في نهاية الخطبة: "أيَّها الناس، انصرفوا، تقبل الله منكم، فإني أريد أن أضحى اليوم بالجَّعد بن درهم"! ثمَّ نزل، بالفعل، فذبح (أضحيته) الذي كان مربوطاً إلى جوار المنبر، معتبراً إيَّاه قرباناً يتقرب به إلى الله! (اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير، طبعة بيروت، ج1، ص 283 ـ ضمن: الاسلام والسلطة الدينيَّة، ص 23). وخطب أبو جعفر المنصور، عندما تولى الخلافة، قائلاً: "أيَّها الناس .. إنما أنا سلطان الله في أرضه، وحارسه على ماله .. جعلني عليه قفلاً، إن شاء أن يفتحني لإعطائكم، وإن شاء أن يقفلني" (العقد الفريد لابن عبد ربه، ج 2، ص 72 ـ المصدر). وقبل ذلك كان من (رأى) معاوية بن أبى سفيان أن مال الدولة هو (مال الله)، وأسَّس على ذلك إعلانه الشهير: "الأرض لله .. وأنا خليفة الله، فما أخذت فلي، وما تركته للناس فبالفضل مني"! فتصدى له أبو ذر الغفاري بـ (رأى) معارض (يرى) أن ذلك المال هو (مال الناس) الذين تنبغي مشاورتهم عند التصرف فيه (د. محمد عمارة؛ مسلمون ثوار، ط 2، بيروت 1974م، ص 44 ـ 45).

          أما الإشكال الآخر: فينبع من نظريَّة د. الترابي التي تنسحب مقولة (الوحدانيَّة)، بمقتضاها، من حقل (الإيمان) إلى حقل (السّياسة)! ذلك أن (الوحدانيَّة) صفة لله سبحانه وتعالى، وحقيقة عرفانيَّة قائمة في ذات الوجود الإلهي المطلق. و(التوحيد) هو فعل التسليم من العباد بهذه الحقيقة، فمدار الاختلاف حولها محكوم، إذن، بمعايير (الإيمان والكفر). أما (السّياسة) فبعض تدبير العقل البشري للمكان والمعاش والتساكن وسائر (أمور) الدنيا، حيث تتنوَّع الأفهام، وتتباين الرؤى، وتتناظر المدارك، ومدار الاختلاف فيها محكوم بمعايير (الصواب والخطأ)، فليس في ذلك شئ يستوجب (التكفير)، وفق قول أبى حامد الغزالي الذي سلفت الإشارة إليه. ومن ثمَّ جاءت صعوبة الاتفاق على صحَّة سحب مقولة (الوحدانيَّة) من (الإيمان) إلى (السّياسة).

 

(21)

خلاصة الأمر أن الموقف السالب من (التعدديَّة) ينطوي، أيضاً، على خلط مريع بين مفهومي (شئون الدّين) و(أمور الدُّنيا)، ويعكس من (متخيَّل التديُّن)، بالتالي، أكثر مما يعكس من (صريح الدّين). ولو أن الصحابة (رض) كانوا علموا أن في الاختلاف السياسي (كفراً)، أو أن (التوحيد) في (الدّين) يستتبع وجوب (التوحُّد) في (السّياسة)، لما اختلفوا، بالقطع، كل ذلك الاختلاف، حول اختيار الخليفة الأول يوم السقيفة، ولما انقسموا، كلَّ ذلك الانقسام، من خلال وقائع تلك (المعركة الانتخابيَّة)، بالمصطلح الحديث، والتي قاد أحد طرفيها عمر بن الخطاب لصالح أبي بكر الصّدّيق، وقاد طرفها الآخر سعد بن عبادة عن نفسه، وأسفرت، كما هو معلوم، عن بيعة أبى بكر وتوليته. بل لو كان الأمر أمر (دين)، أصلاً، لكان النبي (ص) قد بيَّنه لصحابته وأمته قبل وفاته، وهو الذي تلا في حجة الوداع: "اليوم أكملت لكم دينكم". لقد توفى النبي (ص) تاركاً (أمـر) الدنيا لمدارك الناس. واختلف على وعائشة وهما يعلمان أنهما إنما يختلفان فى أمور الدنيا، حتى أن عائشة وصفت خلافهما بأنه "ما يكون بين المرأة وأحمائها". واختلف الناس، وفيهم صحابة مبشَّرون بالجنة، مع ذي النورين، المبشَّر، هو نفسه، بالجنة، إلى حد القتل. وتلك بعض أمثلة، فحسب، لأسياف المسلمين وقد سُلت حول (الدولة)، لا (الدين).

 

                                                                  (نواصل غداً بإذن الله)