ثَوابِتُ الدِّينِ أَم مُتَحَرِّكاتُ التَّدَيُّن؟!

Kamal Elgizouli [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

"مبادئ مايو لا تخرج عن مبادئ الإسلام التي تقوم على العدل والإحسان ومحاربة الظلم والفساد، لذلك فإن الوقوف بجانبها واجب ديني قبل أن يكون واجباً وطنيَّاً، والخروج عليها خروج على أمر الله، ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الإسلام"!

(من بيان "علماء الإسلام" حول أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي ـ صحيفة الأيام، 3/4/1970م)

 

(57)

إتخذت (دولة الانقاذ) موقفها من مذكرة التفاهم المبرمة بين حزب الترابي والحركة الشعبيَّة، بجنيف في 19/2/2001م، بلسانين: لسان القائمين، فعلياً ومباشرة، بأمر هذه الدَّولة، من جهة، ولسان الممثلين الفقهوفكريين للقوى الاجتماعيَّة الداعمة لهجين سلطتها، من الجهة الأخرى.

فالقائمون بأمر الدَّولة عَمَدَوا، لسبب ما، إلى منحى عملي حذر، مبدين حرصاً واضحاً على محاصرة خصومهم أصحاب المذكرة، بقيادة د. الترابي، في ميدان التدابير والرؤى والإجراءات السياسيَّة والقانونيَّة المحضة، والنأي بمعركتهم عن مجال الدين والفقه، إلا في حدود بالغة الضّيق، الأمر الذي شكل، في الواقع، مفارقة كبيرة، بالنظر إلى طبيعة البيئة والمنطلقات الفكريَّة لصراع الطرفين، حيث:

(1) لم يكن من المتعذر ملاحظة ذلك المنحى السّياسي العملي، ابتداءً، في إقدام الحكومة على اعتقال الترابي وبعض معاونيه، كما وفي البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية بتاريخ 21/2/2001م، والذي وصفت فيه اتفاق (المؤتمر الشَّعبي) مع (الحركة الشَّعبيَّة) بأنه "تأكيد لمنهجه المضطرد في تهديد الاستقرار السّياسي، ويمثل خروجاً على القانون .. وحلقة جديدة من سلسلة التآمر على البلاد"، معلنة عن ".. عدم تهاونها في الحفاظ على أمن وسلامة البلاد .. وأرواح المواطنين"، باعتبار ذلك أوجب واجباتها، ومؤكدة على أن ".. الإنقاذ فتحت أبواب العمل السّياسي لكل من يحمل فكراً شريطة أن ينبذ العنف وينأى عن الوسائل الإرهابيَّة".

(2) كما لم يكن صعباً ملاحظة ذلك الحرص على النهج العملي في ثنايا الأفكار التي ساقها الناطق باسم الحكومة، وقتها، د. غازي صلاح الدين، واللغة التي عبَّر بها عن الموقف (الرسمي) من المذكرة، حيث وصفها بأنها "اتفاق للتآمر والتخريب والتهديد بالعنف .. وأنها تتضمن بنوداً سريَّة .. وأنها اتفاق بين انتهازيين لا مبدأ لهم سوى محاربة الحكومة بكل وسيلة" (الصحافة، 22/2/2001م). وحتى عندما لم يكن من الممكن تفادى (المسألة الدّينيَّة)، فضل د. غازي النفاذ إليها من الجانب العملي، بالغاً ما بلغ من الحدَّة، دون الولوج إلى لبِّ الجوانب الفقهيَّة، مكتفياً بإشارة مقتضبة إلى "أن الاتفاق خلا من علاقة الدّين بالدَّولة"، وأنه ".. لا شيء في مبادئ الدَّولة والدّين يجعلنا نعامل مجرماً متواطئاً مع أعداء البلاد باعتباره شيخاً للدّين، لذلك سيكون التعامل واحداً مع الطرفين"، مومئاً إلى تطابق موقف السلطة من الترابي وقرنق معاً! وإلى ذلك استهجن د. غازي أن "يتحدث الترابي عن المجاهدين وهو الذي يضع يده الآن مع قتلة المجاهدين والدَّبَّابين والشهداء"، ودعا "كلَّ من بقي في دواخله هوى من دين وفطرة سليمة ممَّن خُدعوا بالشعارات الجوفاء للاستماع لصوت الفطرة والابتعاد عن هذا الطريق" (المصدر نفسه).

(3) وعلى ذات نهج السياسة العمليَّة جاء تصريح د. نافع على نافع، أمين الاتصال التنظيمي بالحزب الحاكم، آنذاك، قائلاً "إن التنسيق بين الطرفين، والذي تؤسس له المذكرة، عمل غير قانوني، وغير دستوري، وتآمري، يستهدف النظام بوسائل غير مشروعة، وهو رسالة للمتعاطفين مع حركة التمرُّد، وخاصة أمريكا" (الصحافة، 23/2/2001م).

(4) وحدُه الأستاذ على عثمان طه، نائب د. الترابي السابق في قيادة (التنظيم)، والنائب الأوَّل، أيَّامها، لرئيس الجمهوريَّة، والرجل الذي رماه أستاذه القديم د. الترابي، صراحة، بـ "الكفر ببعض الكتاب"، واستهدفته تصريحات السيد يسن عمر الإمام ذات النبرة الدينيَّة العالية، على خلفيَّة حديث (فصل الدّين عن الدَّولة) الذي نسب إليه قبل عام من ذلك، هو مَن أخرجته أسئلة الصحفيين المباشرة شيئاً عن خط الحرص الرَّسمي على توخّي المنحى العملي في التعاطي مع واقعة المذكرة، فصرَّح مرجّحاً اشتمالها، بين السطور، على مسألة (فصل الدّين عن الدَّولة)، مبرّراً ذلك بأن ".. الموقف من علاقة الدّين بالدَّولة هو جزء من حملة الحركة، فلا يُعقل أن تكون قد توصلت إلى اتفاق مع المؤتمر الشَّعبي دون أن تكون قد توصَّلت إلى إجابة على هذه النقطة"؛ وفسَّر عدم بروزها، صراحة، في الاتفاق بأن ثمَّة "بنوداً أخرى لم يعلن عنها"، مشيراً إلى "أن هذه البنود ربما تثير كثيراً من الأسئلة الصَّعبة حول طبيعة التزام المؤتمر الشَّعبي نفسه بقضيَّة علاقة الدّين بالدَّولة، والتي كان طرفاً فيها عبر السنوات الماضية" (المصدر نفسه). أما في بداية حديثه، قبل أن يواجه بأسئلة الصحفيين المباشرة حول هذه النقطة تحديداً، فقد نحى الرَّجل، أيضاً، ذات المنحى السياسي العملي في التعاطي، رسمياً، مع المذكرة، معتبراً أن أخطر ما فيها هو دعم المؤتمر الشَّعبي للحركة الشَّعبيَّة في حملها السلاح خارج الأطر الشَّرعيَّة، ليس ضد (دولة الشَّريعة) أو (دولة الإسلام) أو حتى (دولة المشروع الحضاري)، فحسب، وإنما ضد أنظمة أخرى مختلفة تعاقبت على حكم السودان؛ فقد عزا الإجراءات ضد د. الترابي وحزبه إلى كون مذكرة التفاهم "تمثل دعماً لموقف حركة التمرُّد التي ظلت تحمل السلاح خارج الأطر الشَّرعيَّة لإسقاط النظم المتعاقبة، والخطأ الأساسي للشَّعبي هو دعم هذا الموقف .. الذي هو ضد السودان"، باعتبار أن "من يدعم حامل السلاح يكون شريكاً في الجَّريمة وفق القانون" (المصدر نفسه).

على كلٍ، فإن المفارقة، في هذا الموقف العملي، ما انفكت تطن طنيناً صخَّاباً بين تركيز (الإنقاذ)، من جهة، على اعتبار التعاطي (السّياسي) مع حملة السلاح جريمة تستوجب الإدانة والعقاب، وبين عدم استنكاف حزبها، من الجهة الأخرى، عن التعاطي (سياسياً) مع معارضيها حملة السلاح، بما في ذلك الحركة الشعبيَّة، بوجه خاص، ومنذ أمد بعيد.

 

(58)

أما (فقهاء الإنقاذ) فقد خاضوا، من جهتهم، في كل ما تفادى القائمون المباشرون بأمر دولتها الخوض الصريح فيه بإزاء (مذكرة التفاهم): أي مسائل الدين والفقه، مصطلحاً وفـُتيا، وذلك على النحو الآتي:

(1) بتاريخ 22/2/2001م سارعت الأمانة العامة لـ (هيئة علماء السودان) إلى إصدار بيان أدانت فيه المذكرة، معتبرة ما توصل إليه طرفاها "فتنة وبغياً ومهدداً للشريعة .. ودعوة للحرب وإسقاط السلطة الإسلامية في السودان". وأمَّنت الهيئة، على لسان أمينها العام محمد عثمان صالح، على ".. عدم جواز إجراء اتصالات أو عقد اتفاقات مع الفصائل التي تحمل السلاح لـ (غير السلطان) .. وأن الهدنة والمصالحة من واجبات أولياء الأمر وحدهم فقهياً"، وخلصت إلى وجوب "توجيه النصح والاستتابة" لقائد الحركة الإسلاميَّة د. حسن الترابي "حتى يثوب إلى أمر الله وأمر السلطان عما اكتسبه من إثم"، ودعت الدولة "لأخذ الباغين مأخذ الجد، ومعاملتهم بالحزم والحسم، حيث لا عدوان إلا على الظالمين" (الصحافة، 23/2/2001م).

(2) وفى ذات السياق وصف (المجلس الأعلى للحج والدعوة والأوقاف)، على لسان رئيسه الشيخ محمد إبراهيم محمد،  د. حسن الترابي بـ "الخروج عن الملة، حيث أن موالاة الكفار من المُحرَّمات .. وأقل ما توصف به أنها من الكبائر .. والاتفاق بين حزب الترابي وقرنق ضدَّ الدّين .. حيث لا مصلحة للشَّرع فيه، ويدور حول هدف واحد هو إسقاط الحكومة، وتحطيم الدَّولة الإسلاميَّة"؛ ووجَّه أئمَّة المساجد والعلماء "بتبنى حملة لإرشاد المسلمين بتوضيح الجريمة التى ارتكبها الترابي وأبعادها"، داعياً الدَّولة "لاتخاذ إجراءات قويَّة لردع الخارجين" (المصدر نفسه).

(3) ومن جانبه، أيضاً، صبَّ سليمان طه، الملقب بـ (شيخ المجاهدين)، غضبه على حركة التمرُّد، واستنكر المذكرة، محدّداً احتمالين، فقط، لتوقيعها: "فإما أن قرنق سيجنح للسلم، ويقبل بأحكام الشريعة، أو أن الطرف الآخر سيتخلى عن الشَّرع" (المصدر نفسه).

 

(59)

مناخات (التكفير) هذه، والتي هيَّأتها، ابتداءً، (الدَّولة الدّينيَّة)، بشقيها المتشاكسين (القصر ـ المنشيَّة)، أغوت، بصورة أكثر إفصاحاً، نفس مَن درجوا على استثمار مثل هذه المناخات لإطلاق فتاواهم المسمومة في جميع الاتجاهات، كي يصدروا، بعد أشهر من المذكرة، بياناً (يكفر) د. الترابي وحزبه (المؤتمر الشَّعبي)، باسم (جماعة من العلماء) وقعه عنهم، آنذاك، نفس الأشخاص الذين عادوا، الشهر الماضي، لـ (تكفير) الحزب الشيوعي: محمد عبد الكريم وسليمان أبو نارو وعبد الحي يوسف وآخرون.

شنَّ بيان الفتوى بتكفير د. الترابي وحزبه هجوماً عاصفاً عليهم، وذلك بمناسبة تأييدهم لحركة (طالبان)، خلال حرب أمريكا على أفغانستان في عقابيل تفجيرات 11/9/2001م، حيث اعتبر البيان موقف حزب الترابي مجرد "مزايدة على الحدث الجلل .. طمعاً في استمالة الجماهير .. للزجّ بهم في أتون مخططاتهم .. حتى يحاولوا عبثاً اختزال قضية المسلمين في أفغانستان لاتخاذها مطية لتوجيه الغوغاء لتحقيق مآربهم .. وتلك شنشنة فى المكر عرفناها من (شعبي الترابي) حين كانوا في سدة الحكم .. إن دعاة الإسلام (براء) من هذا الحزب وغيره من الأحزاب التي لا تتخذ دين الله وشرعه دليلاً، أو يبغونه (عوجاً) ويريدون أن يتخذوا بين الكفر والإسلام سبيلاً، قال تعالى: (إن الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء)، إن على (شعبي الترابي)، قبل أن (يزايد) بقضيَّة الإمارة الإسلاميَّة في أفغانستان، ويدهن بمواقف علماء ودعاة هذا البلد، أن يعلن (البراءة) من الترابي ومقولاته (الإلحاديَّة) التالية: إباحة الرّدَّة عن الإسلام وقوله بالنص الصريح "يجوز للمسلم كما يجوز للمسيحي أن يبدّل دينه" ـ قوله بإنكار الحور العين ـ قوله بأن اليهود والنصارى ليسوا بكفار ملة ـ قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه غير معصوم ويقول أخباراً (تطلع غلط) ـ وأن التجديد في الإسلام حدُّه الأعلى هو تطوير الدين ـ وأن أوَّل البشر خلقاً هي حواء وليس آدم عليه السلام ـ قوله إن صور الأحكام التي كانت تمثل الحقَّ قبل ألف عام لا تمثل الحقَّ الآن ـ دعواه بأنه يمكن لامرأة متقدمة في السّن أن تؤم الرّجال في الصلاة، إلى غير ذلك من (الهرطقات) .. ونصيحتنا لمن اغتر ببريق شعارات (شعبي الترابي) .. الحذر الحذر من اتباع كلّ (ناعق)، والميل نحو كلّ (مارق)، فإنما يهدم الإسلام جدال (المنافق) بالكتاب .. والحقُّ أبلجٌ لا يتبعه إلا مهتد مفلح ، كما الباطل لجلج لا ينصره إلا (ضالٌ مخسر)، واعتزال المسلم للباطل خير من تكثير سواده، والبراءة من أهله في الدنيا أحرى من الملاعنة في يوم معاده كما قال تعالى: (ثمَّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً) .. ولئن يُبتلى المرء بكل رزيَّة في دينه لأهون من التلاعب بدين الله تعالى وشرعه، فالنجاء النجاء لمَن أراد الله والدار الآخرة "!

ولقد حقَّ لمسلمي هذا البلد أن يرفعوا حواجب الدهشة عالية أمام هذا التناقض (الأخلاقي)، دَعْ (الدّيني)، والمتمثل في (الانفجار) المفاجئ لأنصار (الحقّ الأبلج) هؤلاء في وجه (قائد) مسيرة (الركب الإسلامي) بعد أن تمَّ عزله من (مناصبه) أجمعها، وتجريده من (مرجعيَّته السُّلطويَّة) كلها، وإقصائه من (مواقع النفوذ) كافة، وهم الذين اعتادوا، في ما مضى، أن يطأطئوا رءوسهم خنوعاً في حضرته المهيبة، وصَغَاراً أمام سلطانه المطلق، ملتزمين صمت القبور إزاء كلّ ما انقلبوا يصفونه، اليوم، بلا أدنى خجل إنساني، أو مثقال ذرَّة من حياء فطري، بـ (الكفر) و(الإلحاد) و(الهرطقة) و(النعيق) و(المروق) و(النفاق) و(الضلال) و(التلاعب) بدين الله وشرعه، إلى آخر النعوت التي توخَّت الحكومة نفسها الحذر من الخوض فيها، خشية مغبَّتها السّياسيَّة، تاركة أمرها، في تقسيم عمل مكشوف، لمناصريها من (الفقهاء)، فانتثرت، في بيان فتواهم، كما ينتثر الصديد من الدّمّل المفقوء، بينما كانوا قد استخذوا، في سالف الأوان، أيَّما استخذاء، عن أن يلتمسوا في أنفسهم خردلة من هذه النخوة (الدينيَّة) المزعومة، والغيرة المُدَّعاة على الحقّ، بما كان حريَّاً به أن يجعلهم، وهم مع النَّمر في بَرّ واحد، يتجرَّأون على المجاهرة ولو بعُشر معشار هذا (البصق) في وجهه أوان ذاك، وليس بعد أن استطالت بينهم وبينه حوائط السَّلامة، وتمدَّدت بيدٌ دونها بيد، حتى اطمأنُّوا تماماً، وقرَّ في روعهم، نهائيَّاً، أنهم أضحوا بمأمن من حكمه النافذ، ومن يده الباطشة!      

 

(60)

لا بد لنا، قبل مغادرة هذه الناحية، من تسجيل أربع ملاحظات نحسبها شديدة الأهميَّة في هذا السياق. وتتعلق أولى هذه الملاحظات بواقعة التناقض الرأسي العميق بين التصريح القائم على المنطق السّياسي، لا الدّيني كما قد يبدو للوهلة الأولى، والذي أدلى به د. غازي صلاح الدين، الناطق باسم الحكومة، وقتها، وفحواه أن إبرام الترابي مذكرة التفاهم مع (الحركة الشعبيَّة) إنما يعني وضْعَ يده في اليد التي تقتل المجاهدين، ما يسلبه حقّ الحديث عنهم (الصحافة، 22/2/2001م)، وبين قول سليمان طه، الملقب بـ (شيخ المجاهدين)، في اليوم التالي مباشرة، ما يُفهم منه أن مسألة تخلى د. الترابي وتيَّاره، دينيَّاً، عن (الشريعة)، بتوقيع المذكرة، لم تتأكد بعد (الصحافة، 23/2/2001م).

حديث د. غازي يلمّح لـ (الدّين) من بُعد، بينما يركز على (السّياسة)، فيدين الترابي! أما حديث (شيخ المجاهدين) فيهمل (السّياسة)، وينصبُّ، بكليَّاته، على (الدّين)، فيشكك في صحَّة هذه الإدانة!

 

(61)

وتتعلق ثاني هذه الملاحظات بواقعة الاختلاف الأفقي الواسع بين موقف الحكومة وفقهائها من المذكرة، وبين موقف الثقل المسلم في قوام المعارضة، والذي لم ير فيها ما رأته الحكومة من الناحية السياسيَّة، أو ما رآه (فقهاؤها) من الناحية الدينيَّة. فلقد رفض السيد الصادق المهدي، مثلاً، وصفَ الحكومة للاتفاق بأنه تمَّ "بين طرفين متناقضين، ولا تفسير له إلا بأنه موقف انتهازي"، نافذاً إلى معنى مغاير تماماً بقوله "وإنما لأنهما جرَّبا التطرُّف، ومحاولة استئصال الآخر، واقتنعا بفشل هذا المشروع، فانتقلا إلى أرضيَّة مشتركة"، ومؤكداً على ترحيب حزبه بالاتفاق "لأنه يغذى الاعتدال" (الصحافة، 22/2/2001م). وعلى الرغم من أن هذه التفسير كان ينبغي أن يصدر عن تيار د. الترابي نفسه، في سياق النقد الذاتي المطلوب، قبل أن يتبرع به السيد الصادق، إلا أنه يعكس، مع ذلك، موقفاً مخالفاً لموقف السلطة وفقهائها، سياسيَّاً ودينيَّاً. ولا يقلل من ذلك استدراك السيد الصادق، لاحقاً، بأن طرفي المذكرة التي تعتبر، حسب قوله، دليلاً إيجابيَّاً على التخلي عن التعصب الأيديولوجي، قد "أفسدا هذا المعنى بنصّ يفتح جبهة مواجهة جديدة في ظروف ضاق فيها أهل السودان والإقليم والعالم بجبهات المواجهة في السودان، وشَقيَ أهل السودان بآثار هذه المواجهات" (خطبة عيد الأضحى بالجزيرة أبا، مارس 2001م). وطالب حزب الأمة بتقديم د. الترابي لمحاكمة عادلة "إذا كان هنالك ما يدينه"، أو إطلاق سراحه فوراً (الصحافة 23/2/2001م). ومن جهتها اتخذت بقية القوى السّياسيَّة ذات الموقف، تقريباً، حيث رأت أن المذكرة "شأن سياسي فينبغي وضعه في الإطار السّياسي"، وأن اعتقال د. الترابي ورموز تياره "ليس بعيداً عن الضغائن"، وأنه "نتاج تفاقم الصّراع بين حزبي المؤتمر الوطني والشعبي"، واعتبرت أن اتفاق حزب د. الترابي مع الحركة الشعبيَّة من شأنه "أن يفتح آفاقاً جديدة للحوار بين القوى المعارضة والحكومة"، وأبدت تخوُّفها من "أن الاتهامات التي وُجّهت للترابي ستصبح سيفاً مسلطاً على كلّ القوى السّياسيَّة" (المصدر نفسه).

 

(62)

أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بأن مَن أوكلت إليهم (الإنقاذ) أمر التحدث بلسان الدّين والفقه والفتيا، ضمن (تقسيم العمل) الذي اعتمدته في جبهتها، على الأقل لمواجهة قضيَّة المذكرة، هم، وفق شهادة لا يستهان بقيمتها من داخل الحركة نفسها، أفراد يتمُّ تعيينهم، في العادة، من أهل الولاء للسُّلطة "لأن الأنظمة الشموليَّة لا تقبل، بطبيعتها، أن تناقش مثل هذه الأمور الحسَّاسة في العلن، وحتى عندما يتمُّ عقد لقاءات فإنها تكون صوريَّة، وقراراتها مطبوخة سلفاً، والمدعوون لها يتمُّ اختيارهم تحديداً لأنهم سيلعبون الدَّور المنوط بهم في التمثيليَّة" (د. عبد الوهاب الأفندى؛ "قضية الوحدة والانفصال في السودان والعودة إلى الخطاب العقيم"، الصحافة 30/8/2001م). فليس لهؤلاء (الفقهاء)، إذن، باستثناء (سلطة الدَّولة)، ما يدعم إصدارهم (حكم السَّماء) على هذه المذكرة، أو على أيّ موقف سياسي بوجه عام، رغم الألقاب الدينيَّة الفخيمة التي أسبغوها على أنفسهم، أو أسبغتها عليهم السُّلطة السّياسيَّة، تماماً مثلما لم يكن، أيضاً، لتيَّار د. الترابي، البادئ بـ (التكفير)، قبل عام من ذلك، كما قد رأينا، مثل هذا الحق.

لقد استجار كلا الطرفين بـ (مصحفه المُتخيَّل)، أي بـ (نمط تديُّنه) النابع من تصوُّراته الذاتيَّة، ومصالحه الخاصة، يستخدمه سلاحاً في الصراع من أجل الاستحواز على (عتود الدولة).

والواقع أن لأكثر هذه (الجَّماعات)، في السودان، تاريخاً حافلاً بمثل هذه المواقف التي تتلبَّس (صحيح الدّين)، في حين أنها لا تعبّر، في حقيقة أمرها، سوى عن محض (مصالح) دنيويَّة خاصة، ترتبط في غالبها بوشائج لا تنفصم مع مصالح الأنظمة السّياسيَّة القائمة في كل مرحلة أو فترة تاريخيَّة. ففي خواتيم القرن التاسع عشر كفر مشايخ أزهريُّون الإمام المهدي، ممالأة للحكم التركي. وفي مطلع القرن العشرين بارك (مجلس علماء جامع أم درمان)، برؤية تكفيريَّة واضحة، تنكيل الإدارة الاستعماريَّة بالشيخ على ود عبد الكريم الذي كان يحرِّض على مناهضتها، حتى لقد لاحظ تيم نبلوك، في كتابه (صراع السُّلطة والثروة فى السودان، 1990م)، أن تلك الفتوى الدينيَّة منحت ذلك التنكيل السياسى "بُعده الشَّرعى"! وفي 1968م صدر الحكم بردَّة الأستاذ الشهيد محمود محمد طه، ونفذ الحكم مطالع عام 1985م. وفي 1970م أصدر (علماء السودان) بياناً، على خلفيَّة المواجهات المسلحة في (الجزيرة أبا) وود نوباوي، بين نظام (مايو) اليساري آنذاك، وبين تحالف (الأنصار) و(الأخوان المسلمين) وغيرهم، من الجهة الأخرى، حيث وصفوا تلك الأحداث ".. بالفتنة المتدثرة بثوب الإسلام، و .. إن مبادئ مايو لا تخرج عن مبادئ الإسلام التي تقوم على العدل والإحسان ومحاربة الظلم والفساد ، لذلك فإن الوقوف بجانبها واجب ديني قبل أن يكون واجباً وطنيَّاً، والخروج عليها خروج على أمر الله، ومخالفة صريحة لأهداف ومبادئ الإسلام"!! (صحيفة الأيَّام، 3/4/1970م). وكان الشَّاعر التيجاني يوسف بشير قد تعرض، في أواخر عشرينات القرن المنصرم، للتكفير والتهديد، مثلما تعرَّض لهما الشاعر عبد الرحيم أبو ذكرى في أواسط ستيناته! وخلال العقد الماضي اغتيل الفنان خوجلي عثمان، وجرت محاولة لاغتيال الفنان عبد القادر سالم، كما تمَّ تكفير وقتل مصلين من أنصار السُّنة في مساجد مختلفة بالعاصمة وخارجها! وفي سياق الصِّراع السّياسي كفر وهُدِّد د. حيدر ابراهيم علي، والحاج ورَّاق، وعصمت الدَّسيس، ود. فاروق كدودة، وكاتب هذه السطور، حيث دعا متطرفون إلى قتلهم مقابل عشرة مليون جنيه للرأس! وفى 2007م، أهدر نائب والي الولاية الشماليَّة دم إمام الأنصار، ورئيس حزب الأمة، الصادق المهدي، لموقفه المؤيد لنشر قوات دوليَّة ـ أفريقيَّة هجين لحماية المدنيين في دارفور. وتمَّ، مؤخَّراً، تكفير الأستاذ ياسر عرمان، نائب الأمين العام للحركة الشعبيَّة، وتهديده بالقتل، كما جرت محاولة عمليَّة لتنفيذ هذا التهديد بزرع قنبلة في مكتبه. وكان قد جرى، قبل ذلك، تكفير، وتهديد، بل واغتيال المرحوم محمد طه محمد احمد، رئيس تحرير صحيفة الوفاق!

ولم يقتصر تكفير د. الترابي على تلك الوقائع وحدها، بل لقد كفره، بعدها أيضاً، (مجمَّع الفقه الإسلامي)، حين وصف آراءه بأنها "تصادم القرآن والسُنة!"، ودعاه إلى "التوبة إلى الله من التقوُّل عليه بغير علم، وتضليل المسلمين!"، وحرَّض السُّلطة على "التعامل معه بما يقضى الحقُّ ويوقف الشرَّ!" (الصحافة، 20/4/2006م). كما وصفته (الرابطة الشَّرعيَّة للعلماء والدُّعاة بالسودان)، وهي المنظمة نفسها التي كفرت الحزب الشيوعي الشهر الماضي، بأنه "كافر مرتد يجب أن يعلن توبته، مفصَّلة، على الملأ، ويتبرَّأ .. أمام أهل العلم"! وطالبت بالحجر عليه وعلى كتبه ومقابلاته (السوداني، 23/4/2006م).

وكانت أذرع طاحونة التكفير هذه قد امتدَّت، متجاوزة الأفراد، لتطال أطراً تنظيميَّة بأكملها، بخلاف الحزب الشيوعي وحزب المؤتمر الشعبي، كجماعة أنصار السُّنة، والجبهة الديموقراطيَّة للطلاب، وكلِّ "أحزاب ومعتنقي الديمقراطيَّة والإشتراكيَّة والموالين للنصارى!"، على حدِّ تعبير فتوى نشرت في 4/6/2003م، دون أن تحرِّك السلطات ساكناً لحماية المستهدفين بها!

غير أن الإسلام، مهما يكن من شئ، لا يشتمل على أدنى سند لمؤسسة (رجال دين) يجوسون في ضمائر الأفراد والجماعات، أو ينوبون عن الله سبحانه وتعالى في إصدار القول الفصل حول إيمان العباد وشركهم، وبخاصة في الأمور السّياسيَّة، فيثيبون ويعاقبون، ويكفرون أو يمنحون صكوك الغفران، على غرار ممارسات (الإكليروس) الكنسي في التاريخ القرووسطي الأوربي. الإسلام، على العكس من ذلك تماماً، ".. يحترم وعى الإنسان ، فلا يفرض عليه ثيوقراطيَّة تجبره على طاعته، ولا .. يحدِّد مراكز معينة يحتكر لها تفسير نصوصه"، وحتى ".. الاجتهاد فى فهم النصوص، وفى تحديد رأى الدين في المستجدات، الذي يقوم به مؤهلون خلقياً وعلمياً، هو إجراء وضعي، ونتائجه سيكون مختلفاً عليها"، ولذلك ينبغي أن ".. يكون الرأي الفاصل حول جميع القضايا هو رأى الجماعة المنتخبة انتخاباً حراً. ينبغي أن تضبط هذه الإجراءات البشريَّة ضبطاً محكماً، ويعتمد عليها في حسم كل القضايا غير المعلومة بالضرورة، وغير قطعيَّة النصّ والدَّلالة" (الصادق المهدي؛ تحديات التسعينات، شركة النيل للصحافة والطباعة والنشر، القاهرة، ص 192 ـ 193).

 

(63)

وأما الملاحظة الرَّابعة فتتعلق بأنه، حتى بافتراض ثبوت الشُّورية المؤسَّسيَّة في هؤلاء الرّجال، رغم أنهم ليسوا منتخبين، فإن ذهاب قولهم بوجوب (استتابة) د. الترابي أدراج الرياح، وسط علوّ صوت الإجراءات القانونيَّة والسّياسيَّة المغايرة، وقد اتخذتها السلطة نفسها التي يدعمونها فقهيَّاً، يهدر هذا الافتراض من أساسه. (فالاستتابة) لم تعرض على د. الترابي في أيّ وقت. والسُّلطة لجأت، بدلاً من ذلك، لاتهامه بتهم جنائيَّة وضعيَّة، لا دينيَّة، كإثارة الحرب ضدَّ الدَّولة .. الخ، وحبسه، من ثمَّ، على ذمة التحقيق، حيناً، والاستمرار فى حبسه إدارياً، حتى بعد إسقاط تلك التهم، حيناً آخر، وقبول مبدأ وساطة بعض رموز الإسلام السّياسي في المنطقة، كالقرضاوي والزنداني وغيرهما (للمِّ الشَّمل) و(تسوية الخلاف)، حيناً ثالثاً. والسؤال: لو كان الشأن شأن دين، كما سعى لتصويره أولئك التكفيريون، فكيف أجازوا فيه مثل تلك الوساطات والتسويات والتدابير العقابيَّة والإداريَّة الوضعية؟!

 

(نواصل غداً بإذن الله)