"Kamal Elgizouli" <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الاثنين

تعرَّفت إلى د. جون قاي نيوت يوه، الباحث النّابه، وأستاذ العلوم السياسيَّة بجامعة جنوب أفريقيا ببريتوريا، وممثل حكومة جنوب السودان في تلك البلاد، عن طريق صديقي د. فاروق جاد كوث، المثقف، المهذب، الرقيق، الذي يحدثك عن رغبته في (الانفصال) وعيناه تشرقان بالدمع شوقاً إلى (الوحدة)! وكان فاروق هاتفني، ذات ظهيرة قبل نحو من عامين، وحدّثني بأن جون قاي من محبي (الرزنامة)، وأنه يقضي إجازة قصيرة بالخرطوم، ولا يودُّ مغادرتها قبل أن يراني. وفي المساء اصطحبه إلى بيتي، فسعدنا بأنس رائق نافع.

قبل أسابيع وصلتني رسالة من صديقنا المشترك د. الواثق كمير، مرفقة معها مقالة لجون قاي، فريدة المحتوى، غزيرة العلم، سديدة التحليل، جمَّة الفائدة، وإلى ذلك لم يسبق نشرها، بعنوان: (الخلفية التاريخية لتكوين قطاعي الجنوب والشمال في الحركة الشعبيَّة لتحرير السودان وتبلوُر الهدفين التوأمين: السودان الجديد الموحَّد وتقرير المصير!)، فلم أستطع مقاومة إغواء ترجمتها ونشرها في العربيَّة. لكنني رأيت من اللائق أن أستأذنه في ذلك عن طريق الواثق، كونه هو الذي بعث بها إليَّ أصلاً. وقبل أيَّام سعدت، أيَّما سعادة، حين وصلتني رسالة من جون نفسه، مكرَّرة إلى الواثق، يأذن لي فيها، مشكوراً، بترجمة المقالة ونشرها. وأعد القرَّاء بمطالعة نصَّها الكامل على صفحات (الأخبار) الغرَّاء قريباً، إن شاء الله. أما الآن فسأكتفي، على سبيل التنبيه لأهمّيتها، بعرض ملمح سريع منها.

المقالة مكتوبة، حسب جون نفسه، على خلفيَّة نقاش كان ابتدره د. الواثق معه ومع د. بيتر ادوك نيابا، د. بيونق كول دينق، وآخرين، أثناء وعقب المؤتمر العام الثاني للحركة الشعبية لتحرير السودان في مايو 2008م، حيث أفصح الواثق لهؤلاء، كما ولقيادة الحركة، عن قلقه ممَّا لمسه من ميل واضح، في مداولات المؤتمر، للتركيز على (أجندة الجنوب)، وإيلاء اهتمام أقل لموضوعة (السودان الجديد)، رغم أنها تمثل الرؤية الكليَّة للتحوُّلات التي يُفترض أن تجري في البلاد خلال الفترة الانتقاليَّة وما بعدها.

ويقول جون إنَّ مداخلته الأساسيَّة في النقاش انصبَّت على توضيح أنَّ (أجندة الجنوب)، إنْ كان لا بُدَّ من وصفها على هذا النحو، ليست جديدة على أدبيَّات الحركة، إذ تعود بتاريخها إلى بدايات تأسيسها، في يوليو 1983م، عندما اختلفت المجموعتان اللتان كوّنتا النواة الأولى في إيتانج حول الأهداف التي ينبغي اعتمادها للنضال المسلح؛ فرأت المجموعة التي كان يقودها د. جون قرنق، ووليم نون باني، وكاربينو كوانين بول، وسلفا كير ميارديت، وآخرون، أن يتصوَّب نضال الحركة نحو تحرير السودان كله من سياسات الهجمنة hegemonic politics لدى حكومات المركز، والتي لطالما تسبَّبت في تهميش أقاليم البلاد كافة، لا الجنوب وحده؛ وعليه، فإن المشكلة، بالنسبة لهذه المجموعة، لم تكن (مشكلة جنوب السودان) بقدر ما كانت (مشكلة السودان) أجمعه. أما المجموعة التي كان يقودها صمويل قاي توت، وأكوت أتيم دي مايان، ووليم شول دينق، فقد رأت وجوب تركيز أجندة النضال على تحرير الجنوب، فحسب، كون ذلك كان دائماً هو الهدف الرئيس لنضالات الجنوبيّين، عموماً، منذ 1955م، سواء بقيادة (أنيانيا ون) أو (أنيانيا تو)، فضلاً عن أن العناصر الجنوبيَّة هي التي شكلت الثقل الأكبر وسط القوَّة التأسيسيَّة التي تمَّ تجنيدها، ابتداءً، في بلبام؛ فليس ثمَّة واجب، إذن، على الإقليم الجنوبي، نحو مَن جرى تجنيدهم، لاحقاً، من الأقاليم الأخرى، وفق رؤية هذه المجموعة، سوى مدّ يد العون لهم لتحرير أقاليمهم، أو حتى للاستيلاء على السلطة في المركز. 

لكن هاتين الرؤيتين تمكنتا من التعايش، على نحو أو آخر، حتى يوليو 2005م، حين ظهرت الحركة بقطاعين للجنوب والشمال. عندئذ استقبل الأمر، داخل وخارج الحركة، بخليط من ردود الأفعال التي تبلورت، أساساً، في ثلاث مدارس فكرية:

المدرسة الأولى رأت في قرار د. قرنق بتعيين عبد العزيز آدم الحلو وباقان اموم مسئولين عن هذين القطاعين خرقاً لمانفستو الحركة الذي يفترض نظامه القيمي أنها تنظيم قومي شامل يناضل لتأسيس دولة علمانيَّة ديموقراطيَّة موحَّدة، حيث (المواطنة) هي أساس الانتماء إلى الأمَّة السودانيَّة. وتبعاً لاستحقاقات هذه الرؤية، فإن إنشاء القطاعين يناقض روح ذلك المانفستو القائم على المساواة بين الأعضاء، بصرف النظر عن انتماءاتهم الجهويَّة، أو الإثنيَّة، أو الدّينيَّة، ويعني، عمليَّاً، بحسب هذه الرؤية، خلق مركزي قوَّة متمايزين، وكتلتين إقليميَّتين منفصلتين، داخل الحركة، مع قابليَّة كلّ منهما لبلورة أيديولوجيَّة مختلفة، وتوجُّه سياسي خاص. 

أما المدرسة الثانية فقد اعتبرت القرار تطوُّراً طبيعيَّاً في مسار الأحداث، حيث لزم الحركة، فور التوقيع على اتفاقية السَّلام الشامل، أن تشرع في ترتيب أوضاعها في الشَّمال، كي تنطلق للتمدُّد في كلّ أنحاء البلاد، وإعداد نفسها لاكتساح الانتخابات، ومن ثمَّ تولي السُّلطة على مستوى السودان كله.

وأما المدرسة الثالثة فقد نظرت للقرار باعتباره انعكاساً منطقيَّاً للأيديولوجيَّة الواقعيَّة التي قضت، منذ مؤتمر الحركة الأوَّل في أبريل 1994م، باعتماد الهدفين التوأم، (السودان الجديد) و(تقرير المصير)، كأساس لأيّ محادثات سلام تجري بين الحركة وحكومات المركز؛ فما كان متصوَّراً، بالتالي، أن تتيح الحركة لأعضائها الشماليّين إدارة أمورها في الجنوب، وذلك تحسباً لانفصال الإقليم، كأحد مترتبات الاستفتاء المتوقعة! وكان من الحُجج التي ساقها أصحاب هذه المدرسة، أيضاً، أن بإمكان (قطاع الشَّمال)، إذا حدث وجاءت نتيجة الاستفتاء، بالفعل، لصالح الانفصال في 2011م، وخصوصاً عندما تعقد الحركة مؤتمرها الثالث في مايو 2013م، أن يبرز كتنظيم قائم بذاته! وقد اعتمد هؤلاء تلك الحُجَّة كمبرّر لاستبعاد جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق من (قطاع الجنوب)، متناسين إمكانيَّة أن تسفر (المشورة الشعبيَّة) التي ستجري بالتلازم مع (الاستفتاء)، عن اختيار هتين المنطقتين الالتحاق بدولة الجنوب حالَ الانفصال!    

ويرى جون قاي، من منظور تاريخي، أن الضرورة قضت، في ما يبدو، بأن تغلب الحركة العمل العسكري، كآليَّة لتحويل السودان (القديم) إلى سودان (جديد)، حيث تعلمت، من التجارب السابقة، في 1946م، و1953م، و1956م، و1965م، و1972م، أن محاولة حل هذه المشكلة بالطرق السلميَّة طريق صعب، فقرَّ لدى أعضائها، لاحقاً، بتأثير الأوقات العصيبة التي مرَّت بها، ككلّ حركات التحرُّر، على ذلك الطريق، أنها إنما دفعت ثمناً باهظاً، بشريَّاً ومادّيَّاً، مقابل القدر من الحريَّات الذي يتمتع به السودانيُّون اليوم. ولعلَّ المراقبين يتفقون على أن نضالات المُهمَّشين والقوى التقدميَّة في البلاد ما كان لها أن تحقق شيئاً، لولا عوامل ثلاثة مهمَّة، حسب ما يقرّر جون، هي، أوَّلاً: رؤية الحركة للتغيير نحو حياة أفضل للجميع، مع ضمان حقّ تقرير المصير لمن يستحقونه؛ وثانياً: صلابة المقاتلين من أجل الحريَّة وقوة إيمانهم بها؛ وثالثاً: استبشار أهل الريف بهذا النضال ودعمهم المتواصل لنصرته.

فوق ذلك ينظر جون قاي إلى الحركة نفسها كناتج عرضي لشتى الأفكار التي تضامَّت لتشكل جذر المانفستو في يوليو 1983م. فقد أثرى هذا المانفستو من مختلف النزعات التاريخيَّة التي شكل بعضها العصب الأيديولوجي الأساسي لغالبيَّة أعضائها. مع ذلك يظلُّ العامل الأكثر حسماً هو أن نضال الحركة قد ابتدأ، أصلاً، من الجنوب. وبالنظر لكون معظم مُجنَّديها ينحدرون من (أنيانيا ون) و(أنيانيا تو)، فإن أيديولوجيَّة جديدة كان من المحتم أن تصاغ لتستوعب الخيارين معاً: القتال من أجل الوحدة في التنوُّع، أو انفصال الجنوب بدولة مستقلة! 

وتتبَّع مقالة جون قاي الإشكاليَّات الأيديولوجيَّة والسّياسيَّة والتنظيميَّة التي جابهتها الحركة، خلال الفترة 1983 ـ 1990م، وما بعدها، خصوصاً عقب انقسام أغسطس 1991م الذي رأى فيه شماليو الحركة ليس فقط مهدّداً لوحدتها، بل ردَّة كاملة عن مشروع (السودان الجديد) الاشتراكي الديموقراطي العلماني الموحَّد. مع ذلك فإن الجدال لم يكن واضحاً قبل ذلك، وإنما انحصر في تبادل الآراء بين رفاق اعتبر بعضهم تقدُّميَّاً والبعض الآخر إصلاحيَّاً. وواصلت الحركة مجابهة تلك الإشكاليَّات في مفاوضات أبوجا (1992 ـ 1993م) التي حفزت بروز المفاضلة بين شكل من الوحدة على أساس (فيدرالي) أو حتى (كونفيدرالي)، من ناحية، وبين (تقرير المصير) للجنوب من ناحية أخرى. لكن، ولأن بناء (السودان الجديد) ظلَّ دائماً هو هدف الحركة الغالب، فقد وجّه د. قرنق رسالة واضحة للجميع: "يمكن لمن يريد تحرير الجنوب وحده أن يتوقف عندما نبلغ كوستي، أما الآخرون فيحقُّ لهم مواصلة النضال لتحرير بقيَّة البلاد"! وفي هذا السياق جاءت، أيضاً، فترة التجمُّع الوطني، وميثاق أسمرا 1995م، ثمَّ المفاوضات الشَّاقة في كينيا، والتي أثمرت اتفاقيَّة السلام في يناير 2005م، وما تمخّضت عنه من ترتيبات للفترة الانتقاليَّة، الأمر الذي شكل، بالنسبة للكثيرين من كوادر الحركة، بالأخص السياسيَّة، محور صراع حول خطوطها كافة، وضرورة ملحَّة لإعادة النظر في كلّ هذه الخطوط.

وتخلص المقالة إلى أن ما يبدو، الآن، كمأزق أيديولوجي وسياسي داخل الحركة ناجم، في الواقع، من أن كلَّ الأطياف المُهمَّشة تفهَّمت وتقبَّلت مفهوم (السودان الجديد) المشمول بالمانفستو، فانتمت إليه، جميعاً، وحاربت من أجل تحقيقه. لكن المشكلة أن هذا المفهوم تكشَّف عن تعقيدات جمَّة عند التطبيق، خصوصاً في المستويات التنظيميَّة للقطاعين، وما واجه من صعوبات في توطين نفسه ليناسب بيئته المحليَّة المحدَّدة، دون إيلاء الاهتمام الكافي للجوانب التي قد تكون متناقضة!   

الثلاثاء

هل وقع ما كنا خشينا منه في رزنامة 29/6/2009م؟! لقد تناولنا، يومها، حادثة انهيار إحدى مئذنتي مسجد الشيخ محمد الخير بأم درمان ـ أبو سعد مربع (4)، من ارتفاع 80 متراً، بالخميس 18/6/2009م، والتي أودت بحياة اثنين من العمال، وأصابت سّتة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة.

لقد خشينا، يومها، من أن يبدو الأمر كإهدار لسيادة حكم القانون، وطي لصفحة الحادثة، وترك لها كي تتآكل مع الزَّمن، في حين أنه، ومثلما تستوي المآذن مع الجسور والمساكن، بمعايير هندسة العمارة، وحساب أبعادها، وكميَّات موادّها، تستوي أيضاً، بمعايير القانون، وعدالة السَّماء، والفطرة السليمة، المسئوليَّة الناشئة عن أيّ إخلال بشئ من ذلك يؤدي إلى الإضرار بالغير، مِمَّا يستوجب تحريك الإجراءات، وفتح التحقيقات، وتكييف الطبيعة القانونيَّة لهذه المسئوليَّة، جنائيَّة كانت أم مدنيَّة.

إن الأهمَّ من تفعيل آليَّات القانون والعدالة هو إتاحة خبر وأثر هذا التفعيل للكافة من خلال أوسع وسائط الصَّحافة والإعلام. غير أن خمسة أشهر قد انقضت، حتى الآن، ولا خبر عن تحقيق فتح، ولا أثر لإجراء اتخذ؛ فأين، تراه، يكمن العيب: في آليَّات القانون والعدالة، أم في أجهزة الصحافة والإعلام؟!

 الأربعاء 

د. علي الحاج، أحد أهمّ أصفياء د. حسن الترابي، وأبرز معاونيه المقرَّبين، كشف، ربَّما لأوَّل مرَّة، في حواره غير المسبوق مع الصَّحفي عبد الوهاب همَّت (الحلقة الأولى ـ سودانايل، 11/11/09)، عن الكثير من أسرار انقلاب 30 يونيو. لكن، وبصرف النظر عن تناقضه اللافت مع د. الترابي حول تقييم اللجوء للانقلاب كحلّ لقضيَّة السُّلطة، حيث أكد الأوَّل أنه "مع الانقلاب، لكن ليس مع النتائج التي وصل إليها الحال اليوم!"، بينما وصف الأخير الانقلاب، أصلاً، بأنه "خطيئة الإسلاميين!" (الأخبار، 5/11/09)، فثمَّة نقطة في حديث الحاج شدَّت انتباهي، بوجه خاص، وتتعلق بالدَّور الذي لعبه المرحوم أحمد سليمان في هذا الانقلاب.

وابتداءً، أذكّر القرَّاء بأنني كنت أشرت، في رزنامة 6/7/2009م، إلى أن اهتمامي بهذه الواقعة ليس من باب المبالغة في تقدير دور الفرد في التاريخ، وإنما من باب عدم الإهدار المطلق لهذا الدَّور، خاصَّة وأن عقدين من الزَّمان تصرَّما، دون أن تتضح الكثير من تفاصيل الحدث، في حين تكفل مثلهما، في مصر، بالكشف، عبر ما لا حصر له من البحوث العلميَّة والأعمال الإبداعيَّة، عن جُلِّ أسرار انقلاب 23 يوليو 1952م! وعبَّرت عن خشيتي، إن استمر الحال على ما هو عليه، من أن تنطمس الوقائع، وتنبهم المعلومات، ويختلط الواقع بالخيال، والحقيقة بالوهم، فيضحى من المستحيل التأريخ للحدث، رغم كونه صار جزءاً من نسيج حياة شعبنا بأسره!

من ثمَّ عكفت، بإمكانات متواضعة، على مضاهاة عدد من الروايات والإفادات ببعضها البعض. وأولاها الرواية التي رواها لي السيّد الصادق المهدي بنفسه، عام 1992م، وربَّما لـ (الشرق الأوسط) بعد ذلك بسنوات، عن أنه علم بأمر الانقلاب، لأوَّل مرَّة، عندما زاره، ذات مساء من مارس 1989م، المرحوم أحمد سليمان، القيادي الشّيوعي السابق، وعضو مجلس شورى الجبهة الإسلاميَّة القوميَّة وقتها، وعرض عليه، خلال مؤانسة حسبها الصادق، للوهلة الأولى، بنت لحظتها، حَسْمَ قضيَّة السُّلطة عسكريَّاً، وتحويل النظام من برلماني إلى رئاسي، وإغلاق البلد مدة عشر سنوات، كفترة انتقاليَّة، لمعالجة (قضيَّة الجنوب)، وتصفية الديون الخارجيَّة، وإنعاش الاقتصاد الوطني، وترميم العلاقات مع دول الجوار، ووضع حدّ لـ (الفوضى!) الحزبيَّة والنقابيَّة والصحفيَّة، ثمَّ تبدأ، تدريجيَّاً، إتاحة الديموقراطيَّة القائمة على التعدُّد، والمشاركة، والمنافسة الحُرة، والحقوق الدستوريَّة. وأنهى المرحوم حديثه بأنه لا يرى أنسب من الصادق نفسه رئيساً لجمهوريَّة النظام الجديد!

قال الصادق إنه لم يخطر بباله، قط، وهو يستمع إلى حديث المرحوم، سوى أن ذلكم هو ذات الرَّجل الذي سبق أن ورَّط الشيوعيين في انقلاب مايو 1969م، وها هو تراوده نفسه بمغامرة أخرى، وتوسوس له بأن يُسوِّقها للجبهة الإسلاميَّة وحزب الأمَّة معاً! لذا ردَّ عليه بأن فكرته قد تبدو، للوهلة الأولى، برَّاقة من الناحية النظريَّة، لكنها، بالقطع، ليست كذلك من الناحية العمليَّة. فتلك المشكلات ممّا يمكن علاجه بالديموقراطيَّة، وبكلفة أقل؛ أما الانقلاب فسينشئ نظاماً شموليَّاً يركز على تأمين أوضاعه، بالانتقال من تضييق إلى تضييق، ومن عسف إلى عسف، دون أن يحقق أدنى استقرار. وعند هذا الحدّ انتهى حديث الرّجلين.

وختم الصادق روايته قائلاً إن الترابي التقى به، بعد أيام، في حفل خاص، وسأله عمَّا إنْ كان أحمد قد زاره! ومع أن الترابي لم ينتظر الإجابة، إلا أن الصادق فهم الرّسالة: "ننتظر ردَّك"!

الرواية الثانية، والتي تخالف رواية الصادق، أوردها المرحوم نفسه، عبر حوارين صحفيين أعيد نشرهما بعد وفاته، حيث اعتبر، في الحلقة الثانية من الحوار الأوَّل، السؤال عمَّا يقال من أنه كان العقل المدبِّر للانقلاب "سؤالاً تجريميَّاً!"، فاكتفى بإجابة مقتضبة: "لم أخطط له، ولكنني كنت أعلم به .. ولا أزيد"! غير أنه سرعان ما ردَّ على سؤال آخر، ربَّما كان أكثر استفزازاً، حول ما يقال عن أن الترابي "أرسلك إلى الصادق لتقنعه بجدوى الانقلاب كي يشارك فيه"، قائلاً بحدَّة: "ليس صحيحاً، وأنا ما بترسَّل .. ولكن القصَّة كما يلي .. ذهبت إلى مكتب الترابي، ولاحظت عليه علامات الضيق .. وأعطاني ورقة كان يمسك بها، وجدتها خطاباً من الصادق المهدي رئيس الوزراء وقتها يقول فيه: (أخي الحبيب حسن، أنا موجود اليوم بالمنزل، فأرجو أن تأتي إليّ للتشاور بخصوص مذكرة الجَّيش). قلت له: إذهب، فقال: لن أذهب، لأن الصادق ليست لديه كلمة .. وأنا لا أثق به! فقلت له: هل يُعقل لرجل في المعارضة يطلبه رئيس الوزراء ليشاوره .. ويطلعه على .. معلومات خاصَّة بالجيش .. ويرفض؟! فأصرَّ على موقفه .. فقلت له: أنت حُر! وبينما كنت أهمُّ بالخروج، دخل عليه البعض .. وسألوه: لماذا خرج أحمد عندما دخلنا .. فقال لهم: أحمد زعلان. ثمَّ ناداني بصوت ودود كعادته معي .. وقال: يا زول خلاص، إرضاءً لك فقط سأذهب، ولكن بشرط .. أن تذهب معي! فقلت: أنا لا أعرف الصادق .. ولكن يمكنك أن تقول له إنك لم تحضر إليه برغبتك، وإنما بإلحاح مني .. نحن لم نتعوَّد أن نشترط عليك لأنك أنت الزعيم، ولكن يشرِّفني جدَّاً أن أذهب معك للصادق وفق هذا الطرح" (الصحافة، 3/4/09).

واستطرد المرحوم قائلاً: "ذهبنا إليه .. قبل الانقلاب بأيام أو أسابيع، وقد استغرب عندما رآني برفقة الترابي! قلت له: حضرنا إليك لأنك رئيس الوزراء، وبإمكاننا، نحن في الجبهة وأنتم في حزب الأمة، أن نشكل أغلبية برلمانيَّة .. فاللعب مع الاتحاديّين والشيوعيّين وغيرهم لن يفيدك، لذلك الأفضل لك أن تقود معنا (انقلاباً) داخل البرلمان لنغيّر النظام من برلماني إلى رئاسي، مثل .. فرنسا، وتكون أنت رئيس الجمهوريَّة، والترابي، أو من تختاره الجبهة، رئيساً للوزراء. فردَّ بأن ننتظر حتى تتحوَّل الجمعيَّة التأسيسيَّة إلى برلمان، وبعد ذلك نخطو خطوتنا تلك! فرددت عليه بضيق: التأجيل ليس من المصلحة، والأمور لن تسير وفق ما تشتهي، فالقوى الأخرى (شغالة) أيضاً، وما ننوي القيام به إجراء قانوني وسياسي ليس عليه مأخذ .. وسيتم وفق الآليات الديموقراطيَّة. أنا لم أقل للصادق تعمل (انقلاباً عسكرياً) كما يتهمني كثيرون .. الصادق شعر وكأنني أستدرجه لقيادة (انقلاب عسكري)! لم يفهم مقصدي جيّداً! لذلك روى الحكاية لصحيفة (الشرق الأوسط) بأننا دعوناه لقيادة انقلاب مشترك. وأذكر أن فاطمة أحمد إبراهيم ردَّت عليه .. بغضب، قائلة له: ولماذا لم تلق عليه القبض وأنت رئيس الوزراء؟! وأعتقد أن في ردِّها منطقاً وجيهاً!" (المصدر).

لكن المرحوم ما لبث أن عاد، في الحوار الآخر، وأورد إفادة مناقضة لتلك، مؤكداً أن الاتصال بالصادق تمَّ من جانب الترابي وحده، لإقناعه بالمشاركة في الانقلاب: "الترابي اتصل بالصادق واتفق معه على (الانقلاب)، ولكن الصادق تَردَّد .. لم أكن الوسيط، ولكني أثرت على الترابي ليقابله" (الرأي العام، 2/4/09).

الرواية الثالثة للطيّب زين العابدين، عضو مجلس شورى الجبهة الإسلاميَّة، وقتها، وقد قطع، حين سئل عن دور المرحوم في الانقلاب، بأن "أحمد سليمان ساهم حتى في إقناع الترابي نفسه بالموضوع ده! وكان يردِّد قولته المشهورة: الانقلاب زي الموزة، أحسن حاجة تأكلها أول ما تنضج، مش قبل ما تنضج أو بعد ما تنضج خالص!" (الوطن، 7/2/09).

نعود لحوار علي الحاج الذي سأله محاوره عن نفس الموضوع، وعمَّا إذا كانوا، في الجبهة الإسلاميَّة، قد كلفوا أحمد سليمان بإقناع الصادق، فأجاب قائلاً: "نحن لم نكلفه، لكنه شخص انقلابي بطبعه، وقد حكى لنا الأمر كمبادرة شخصيَّة منه"! وحين سأله عمَّن اتخذ قرار الانقلاب، أجاب بأنها "هيئة الشورى، وتضم 60 عضواً من المدنيين"، وقد "أعطت الأمين العام حقَّ التنفيذ"، و"اختيار من يشاء" لمعاونته دون الرجوع إليها (سودانايل، 11/11/09).

هكذا أصبحت لدينا خمس روايات لواقعة واحدة: إحداها للصادق المهدي، والأخرى للطيّب زين العابدين، والثالثة لعلي الحاج، واثنتان متناقضتان لأحمد سليمان نفسه؛ فانظر كيف يتوجَّب على مَن يريد استجلاء الحقيقة أن يتكبَّد التقاط مثل هذه الجزازات، جزازة جزازة، وتدقيقها، ومضاهاتها، قبل لزقها إلى بعضها البعض، على طريقة الكولاج، أو الحفريات الآثريَّة، كي يظفر بـ (صورة) ربَّما قرُبت، شيئاً، من (الأصل)! وما كان أغنانا عن كلّ ذلك لو أن شهود الأحداث دوَّنوا مذكراتهم، وصدقوا، أو أدلوا بإفاداتهم خالصة لوجه الحقيقة والتاريخ والأجيال القادمة!

 الخميس

مقلقة هذي الخناجر الآثمة التي رضعت من لبانة العنف، وتنشَّأت على ثقافته، فما تنفكُّ تجوس بين ظهرانينا، تقصف الأحلام، وتغتال العقول! فرغم أن العنف، بوجه عام، إنحراف قديم في السلوك البشري يكاد لا يخلو منه مجتمع، وإنْ بدرجات متفاوتة؛ وأن بلادنا نفسها لم تكن تخلو، في أيّ وقت، من بعض نماذجه، وإنْ بأشكال معزولة؛ إلا أن حدَّته، في حياتنا اليوميَّة، رَبَت، خلال العقدين الماضيين، وتفاقمت واتسعت. أما أسباب ذلك فمركوزة، على تعدُّدها، في صميم النمط الاقتصادي السياسي والاجتماعي الثقافي السائد. ولعلَّ ما نلمسه من حولنا يوميَّاً، وما تعكسه الصُّحف ووسائل الإعلام مع كلّ مطلع شمس، يؤكد على أن (العنف) بدأ يتحوَّل إلى (ظاهرة)، بعد أن كان محض حوادث متفرّقة؛ وأننا صرنا ننحدر، للأسف، نحو وضعيَّة أقل أمناً، بعد أن كنا نباهي بالطابع المائز للخرطوم المسالمة، ولمدننا الأخرى الوادعة، مقارنة بالكثير من العواصم والمدن الأفريقيَّة!

وإذا كان (العنف)، من الزاوية القانونيَّة، هو كلُّ فعل أو تهديد يتضمَّن استخدام القوَّة لإلحاق الأذى الجَّسدي أو النفسي بالآخرين، فإن (العنف) من الزاوية السّياسيَّة، يبدأ من (رأس الحيَّة)، أي من (السُّلطة) السّياسيَّة العليا في المجتمع، والتي تسئ استغلال جهاز الدَّولة، منتهزة كونه المالك الوحيد لـ (حقّ) ممارسة (العنف المشروع!) بدعوى نشر (العدل) لصالح (الأغلبيَّة)، نظريَّاً، فتسخّره لممارسة مختلف أشكال (العنف غير المشروع) بهدف إشاعة (الظلم) لصالح (الأقليَّة)، عمليَّاً؛ وكفى بذلك اختلالاً في علاقة (نخبة الحكم) بـ (أغلبيَّة المحكومين)، وتوليداً لطاقات (الغبن) لدى (المظلومين) من كلّ الملل والنحل، طبقات، وفئات، وشرائح، وأفراداً؛ فلا يسألنَّ كريم، والأمر كذلك، عن عوامل اندياح (العنف) وسط هذه الكيانات، كقابليَّات للانفجار المادّي والمعنوي، وكردود أفعال تعيد تشكيل حتى المتبقي من السُّلوك الاجتماعي السّوي، لترتكس به في الحمأة، وتهوي به في أسفل سافلين!

ظاهرة (العنف) في المحيط الطلابي ليست معزولة عن ظاهرته في المجتمع، تتلبَّس ذات طابعها الأساسي، وتتضاعف بذات متواليتها الهندسيَّة، وتتغذى من نفس أسبابها الباطنية، فلا يصحُّ اعتبارها شاذة في بيئة تلوَّثت، تماماً، بهذه الثقافة. ويستمدُّ (العنف) في المحيط الطلابي وقوده الابتدائي من تشبُّع هؤلاء الشباب بمشاعر الظلم والغبن الفادحين في محيط الأسرة والطبقة الاجتماعيَّة المقهورة، أساساً، قبل أن ينتقلوا من هذا المحيط السّياسي العام إلى المحيط السّياسي الخاص، الجامعة والمدرسة، حيث يصطدم الكثيرون منهم بمختلف أشكال التحيُّزات الإداريَّة والأمنيَّة والأكاديميَّة (المسيَّسة)، و(الظالمة) بالضرورة، فلا يندر، برغم الجهد الذي تبذله التيَّارات الوطنيَّة الديموقراطيَّة في نشر الوعي الحقيقي، سياسيَّاً وثقافيَّاً، بينهم، أن ينعكس إحساسهم بهذا (الغبن) في أشكال شائهة من الانتقامات العدميَّة!

مردود (الوعظ والإرشاد) يضعف، يقيناً، تحت هذا الظرف، كسبيل لعلاج (ظاهرة العنف) في المجتمع وفي المحيط الطلابي. سبيل العلاج الوحيد، الممكن والنهائي، هو الإصحاح الراديكالي لشرط العلاقة بين الحاكم والمحكوم في اتجاه التحوُّل من قبضة الشموليَّة الخانقة إلى رحابة الديموقراطيَّة ذات المحتوى القائم في العدالة الاجتماعيَّة، ممّا يفتح الطريق لتنزيل ترتيبات هذا الإصحاح كي تشمل المستويات المختلفة من العلاقات الأكاديميَّة والإداريَّة والأمنيَّة داخل الجامعات ومعاهد العلم. و .. هذا أو الطوفان!

  الجمعة

ينقضي، بعد غد، أو يكاد، نصف الفترة المقرَّرة لاكتمال السّجل الانتخابي. ومع أن أصوات المراقبين الدوليّين والوطنيّين قد بحّت من تواتر الصّدع بتجاوزات الحزب الحاكم، خلال عمليَّات التسجيل، إلا أن مسئوليه واجهوا كلَّ تلك (المزاعم!) باستنكافيَّة بيضاء العيون، ممطوطة الشفاه، مرفوعة الأكتاف، تستعلي على مجرَّد قبول مبدأ الاتهام، وتطالب، عن ثقة لا يحدُّها حدٌّ ولا يحتوشها سياج، بإبراز الدليل، وهذا حقهم، بالطبع، فلا يستطيع أحد أن يقول لهم كم ثلث الثلاثة! مع ذلك، حين جاءهم دليلان على ذلك، لا دليل واحد، ارتخت الشّفاه، وهبطت تلال الأكتاف، واستوى ما كان استعلى على التهمة، لكنهم اكتفوا باللواذ بصمت القبور! 

الدليل الأوَّل هو الصورة الفوتوغرافيَّة للعربة الحكوميَّة حاملة لوحة المرور رقم/ 6683، وعليها الملصق الدعائي للمؤتمر الوطني، وقد نشرتها صحيفة السوداني في عدديها الصادرين في 8 و9/11/2009م، نقلاً عن سودانيزاونلاين، ولم يتم دحضها حتى الآن، ممَّا يأذن باعتمادها كواقعة تثبت الفساد، وتشكل خرقاً لنصّ المادَّة/69 من قانون الانتخابات لسنة 2008م، والتي تحظر استخدام إمكانات الدَّولة والموارد العامَّة في الحملة الانتخابيَّة!

أما الدليل الآخر فلا يخلو من طرافة، حيث أثار المهندّس صدّيق يوسف ود. علي الكنين، عضوا مركزيّة الحزب الشيوعي، مع د. إبراهيم غندور، القيادي بالمؤتمر الوطني، خروقات منسوبي حزبه في مراكز التسجيل، كجمع الإشعارات ممَّن يُسجَّلون بدعوى التسجيل (الثاني!)، فكانت دهشتهما عظيمة حين فاجأهما غندور، ليس فقط بأن أقرَّ بهذه الممارسة الفاسدة، بل وروى كيف تعرَّض، هو نفسه، لذات هذه الممارسة من منسوبي المؤتمر الوطني، لولا أنه "رفض الاستجابة!" (الميدان، 12/11/09).

ما زلت أصرُّ على أن المسئوليَّة تقع، أوَّلاً وأخيراً، على عاتق (المفوضيَّة) التي تجري هذه الممارسات والمخالفات تحت سمعها وبصرها، ولا تحرّك ساكناً! فإذا كانت المادَّة/10/2/ل من القانون تلزمها بـ "اتخاذ الاجراءات اللازمة ضدَّ أيّ شخص يرتكب أفعالاً تعدُّ من قبيل الممارسات الفاسدة غير القانونيَّة والمخالفات الانتخابيَّة"، فها دونها واقعتان نموذجيَّتان، فلتنظر ما هي فاعلة!

ونكرّر، هنا أيضاً، ما سبق أن قلنا، في رزنامة الأسبوع الماضي، من أن التاريخ لا يرحم، ولا يستثني أحداً! 

السبت

ما تناقلته الصَّحافة ووسائط الإعلام العربيَّة حول مؤتمر ما يُسمَّى بـ (الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب) الذي (استضافته!)، مؤخَّراً، مدينه سرت بليبيا، يشيب لهوله الولدان! ولمن شاء الوقوف على ملخَّص واف لتلك (الكارثة!)، أن يراجع مقالة الكاتب المحترم، وعضو اتحاد الكتاب السودانيين، يسن حسن بشير (الأحداث، 14/11/09)، والتي استند فيها إلى التقرير التفصيلي الذي أورده الكاتب الصَّحفي سامح سامي حول إراقة (قادة!) الكتاب (العرب) لماء وجوههم، و(المدائح!) المبتذلة التي (أنشدوها!) بين يدي القذافي، مقارنة بموقف الكاتب (الأسباني) خوان جويتسولو الذي رفض قبول جائزة من القذافي قدرها 150 ألف دولار، معلناً عن أنه، برفضه هذا، إنما يتماهى، سياسيَّاً وأخلاقيَّاً، مع موقفه من الأنظمة الاستبداديَّة (الشروق، 2/11/09).

أحمد الله، كعضو في (اتحاد الكتاب السودانيّين)، أنْ أرانا البرهان، قبل أن يرتدَّ إلينا طرفنا، على صحَّة موقفنا من اتحاد كتاب (السلطة) العرب هذا، حين عزفنا، باكراً، عن مواصلة أيّ مسعى للانضمام إليه، بعد أن تبيَّن لنا الخيط الأبيض من الأسود بشأنه، مع احترامنا لـ (القلة) المنضوية تحت لوائه، ربَّما حدباً على (وحدة شكليَّة) بلا محتوى حقيقي، فلا أرضاً تقطع، ولا ظهراً تبقي!

الأحد

للحلفاويين، في مقاومة تهجيرهم من موطنهم التاريخي إلى خشم القربة، ملاحم وبطولات جابهتها حكومة عبود بأساليب شتى من الترهيب والترغيب. ومن أساليب الترغيب التي لجأت إليها، عساها تغريهم بالهجرة، معرض زراعي أقامته لهم في حلفا القديمة كي تريهم أنواع المحاصيل والفواكه التي قالت إن الأرض الجديدة تنتجها!

حاول العارضون، عبثاً، إقناع الأهالي بأن كلََّ المعروض هو من إنتاج المزرعة التجريبيَّة بحلفا الجديدة. لكن موقفهم كان عصيباً حين واجههم المواطنون ببوالص شحن تلك المنتوجات من شندي وغيرها! كما وأنهم تعرَّضوا لحرج بالغ عندما وجدوا أنفسهم موضع سخرية الفلاحات الحلفاويَّات اللائي يفهمن في الزراعة أكثر منهم!

ويروي المرحوم مصطفى محمد طاهر، في كتابه القيّم (السَّد العالي ومأساة النوبيين: قصَّة تهجير أهالي حلفا، دار البلد للنشر، الخرطوم 1999م، ص 239 ـ 240)، أن أحد أولئك العارضين كان يتحدَّث إلى مجموعة من الحلفاويَّات، وفي يده بصلة ضخمة الحجم يقول عنها إنها من أصغر الأحجام في حلفا الجديدة! فما كان من إحداهنَّ إلا أن باغتته متسائلة:

ـ "وطيّب راح نعمل القاورمة من إيه"؟!